روايات وقصص

مناظره حره حكايات اسما السيد 3 والاخير

الفصل الأخير: الوعد اللي اتنفذ بعد 19 سنة أفراد الأمن لحقوا فؤاد قبل ما يوصل لباب المستشفى. واحد منهم مسكه من دراعه. فؤاد انفجر: — سيبني! إنتوا عارفين أنا مين؟! محمود وقف مكانه، صدره بيطلع وينزل بعنف. — عارفين كويس إنت مين… ويمكن أخيرًا هنعرف إنت عملت إيه كمان.

 

نادية كانت لسه ماسكة قطعة الذاكرة الصغيرة.

إيديها بتترعش.

مريم قربت منها.

— ماما… القطعة دي كانت فين طول السنين دي؟

نادية بصت للميدالية.

— أبوكي كان عاملها مخصوص قبل الحريق بفترة.

— ليه؟

— لأنه ابتدى يشك إن الملفات اللي على كمبيوتر المصنع ممكن تختفي لو اتكشف الموضوع.

محمود قال:

— وأنا عمري ما عرفت.

نادية هزت رأسها.

— أحمد ماكانش عايز يدخلك في الموضوع قبل ما يتأكد.

مريم سألت:

— طب الميدالية وصلت للحاج محمود إزاي؟

نادية بصت له.

محمود رد:

— بعد الحريق، واحد من رجال الإنقاذ سلّمني شوية حاجات لقوها جنب أحمد.

سكت.

— ساعة… خاتمه… والميدالية دي.

— وإنت احتفظت بيها؟

— أيوه.

— ليه ما اديتهاش لماما؟

محمود بص لنادية.

— لأنها كانت اختفت قبل ما أوصل لها.

نادية دموعها نزلت.

— وأنا كنت فاكرة إنها ضاعت في الحريق.

هبة قالت:

— يعني من 19 سنة وكل واحد فيكم كان ماسك نص الحقيقة.

ولا واحد فيهم رد.

المشهد كان أكبر من أي كلام.

جوه الممر، كان فؤاد بيحاول يفلت من الأمن.

— كلها اتهامات! قطعة ذاكرة من 19 سنة هتعملوا بيها إيه؟!

محمود قال:

— ولا حاجة بإيدينا.

رفع موبايله.

— الشرطة هي اللي هتقرر.

فؤاد ضحك بسخرية.

— الشرطة؟

— أيوه.

— هتفضح اسم العيلة؟

محمود بصله بثبات.

— اسم العيلة اتفضح يوم ما واحد منها خان صاحبه وقتله علشان الفلوس.

فؤاد صرخ:

— أنا ماقتلتش حد!

الممر كله سكت.

محمود قرب منه.

— أنا ماقلتش إنك قتلته.

فؤاد وشه شحب.

كان وقع في كلامه.

نادية قالت:

— كمل يا فؤاد… قول كمان.

فؤاد حاول يتماسك.

— أنا فهمت قصدكم بس.

مريم بصتله.

أول مرة تشوفه بوضوح.

الراجل اللي أخاف أمها وهي حامل.

واللي خلاها تعيش 19 سنة بعيد عن حق بنتها.

مريم قالت بهدوء:

— لو إنت بريء… ليه كنت عايز ماما تسكت؟

فؤاد رد بسرعة:

— لأنها كانت بتتهمني من غير دليل.

— وليه هددتها؟

— ما هددتهاش.

نادية رفعت إيدها.

— كداب.

فؤاد بص لها باحتقار.

— هتثبتي إزاي؟

نادية ابتسمت.

ابتسامة صغيرة.

وقالت:

— كنت مستنياك تقول كده.

فتحت شنطتها مرة تانية.

طلعت موبايل قديم جدًا.

وقالت:

— أنا ما احتفظتش بالدفتر بس.

فؤاد اتجمد.

محمود سأل:

— إيه ده؟

نادية قالت:

— ليلة ما جهلي بعد جنازة أحمد… سجلت كلامه.

فؤاد فقد السيطرة:

— إنتِ كدابة!

نادية ضغطت زر.

صوت قديم مشوش طلع من السماعة.

لكن كان واضح.

صوت فؤاد.

— “خدي بنتك وامشي. وانسي إن أحمد كان ليه نصيب في الشركة. لو رجعتي تطالبي بحاجة… هتخسري البنت زي ما خسرتي أبوها.”

مريم حطت إيدها على بوقها.

محمود بص لأخوه وكأنه بيشوفه لأول مرة.

التسجيل كمل.

صوت نادية:

— “إنت عملت إيه في أحمد؟”

صوت فؤاد:

— “أنا ماطلبتش منه يدخل المصنع. هو اللي اختار يلعب دور البطل.”

محمود اندفع.

رجال الأمن وقفوه.

— سيبوني!

نادية صرخت:

— محمود! لا!

فؤاد حاول يتكلم:

— التسجيل متفبرك!

مريم ردت:

— يبقى المحكمة تقول كلمتها.

بعد أقل من نص ساعة، الشرطة وصلت.

تم التحفظ على فؤاد للتحقيق.

الدفتر، الموبايل، وقطعة الذاكرة اتسلموا رسميًا.

وبعد فحص القطعة بأيام…

اللي ظهر فيها كان أسوأ مما توقعوا.

كاميرات قديمة من المصنع.

سجلات.

ورسائل داخلية.

وتسجيل قصير جدًا.

فؤاد كان عارف بوجود تسريب في مخزن المواد القابلة للاشتعال.

كان المفروض المصنع يتقفل فورًا.

لكنه رفض.

لأن إغلاقه كان هيكشف عجز ضخم في المخزون.

وبعد بداية الحريق…

ظهر في تسجيل إنه أمر أحد العمال يقفل باب المخزن الرئيسي “علشان النار ماتنتشرش”.

لكن الباب ده كان نفس الممر اللي دخل منه أحمد ينقذ محمود.

يعني فؤاد عرف إن أحمد جوه.

وساب الباب مقفول.

النيابة أعادت فتح القضية.

والملف اللي اتقفل من 19 سنة باعتباره حادث صناعي، تحول لقضية جنائية كاملة.

لكن مريم ما استنتش تعرف نهايتها علشان تسأل عن أهم حاجة عندها.

رجعت مع أمها لمحمود بعد يومين.

ليلى كانت خرجت من العناية.

قاعدة على السرير بتاكل جيلي، وبتحاول تقنع كل اللي حواليها إنها “خفّت خلاص”.

أول ما شافت مريم، ضحكت.

— البنت اللي جابت جدو!

مريم قربت منها.

— أيوه يا ستي.

ليلى فتحت دراعها.

مريم حضنتها بحذر.

محمود كان واقف بعيد بيتفرج عليهم.

بعدها دخلوا المكتب.

مريم قالت:

— عايزة أسأل سؤال.

محمود رد:

— اسألي.

— الـ40% بتوع بابا.

— ملكك.

— دلوقتي؟

— قانونيًا هيتنقلوا ليكي عند السن المحدد في الوصية، ومعاكِ حقوق محمية من دلوقتي حسب الصندوق والترتيبات القانونية.

مريم قالت:

— وأنا مش عايزة أستنى سنتين وأنا مش فاهمة حاجة.

محمود ابتسم.

— كنت مستني منك الكلام ده.

— يعني؟

طلع ملف.

— سجلتك في برنامج تدريب داخل المجموعة.

مريم ضحكت.

— من غير ما تسألني؟

— كنت هسألك.

— وأنا لو رفضت؟

— هحترم ده.

مريم سكتت ثواني.

— هتعلم.

محمود عينه لمعت.

— زي أبوكي.

— بس مش علشان أبقى غنية.

محمود ابتسم.

— عارف.

— علشان لو الأربعين في المية دول بقى ليهم قرار في حياة ناس… أبقى فاهمة القرار.

محمود قال:

— كده بالضبط كان أبوكي بيفكر.

نادية كانت واقفة جنبها.

قالت:

— ومفيش حاجة هتتسجل باسم مريم قبل مراجعة محامي مستقل من بره المجموعة.

محمود ضحك.

— حاضر يا نادية.

— وكل الحسابات من يوم وفاة أحمد تتراجع.

— حاضر.

مريم بصت لأمها.

— إنتِ مش هتسهليها عليه؟

نادية ردت:

— صاحب أبوكي ولا مش صاحبه… الحساب حساب.

محمود رفع إيده باستسلام.

— والله عندك حق.

لأول مرة من سنين، نادية ضحكت.

ضحكة صغيرة.

لكنها كانت بداية تصالح مع عمر كامل راح في الخوف.

بعد أسبوعين، ليلى خرجت من المستشفى.

وأول مشوار طلبته ماكانش مدينة ملاهي.

ولا مطعم.

ولا محل ألعاب.

قالت:

— وعد القبر.

محمود هز رأسه.

— حاضر.

راحوا كلهم.

محمود.

هبة.

ليلى.

مريم.

ونادية.

وصلوا المقابر قبل المغرب.

الجو كان هادي.

مفيش مطر.

مفيش عاصفة.

مفيش عربيات واقفة.

محمود مشي قدامهم لحد قبر بسيط.

وقف.

نفض بإيده التراب عن الاسم.

أحمد عبدالرحمن الشاذلي.

مريم وقفت.

هي زارت قبر أبوها قبل كده.

لكن أول مرة تحس إنها فعلًا عرفته.

ليلى قربت.

حطت وردة صغيرة على القبر.

وقالت:

— شكرًا يا عمو أحمد.

مريم دموعها نزلت.

محمود قال:

— ليلى… ده مش عمو أحمد بس.

الطفلة بصتله.

محمود أشار لمريم.

— ده بابا مريم.

ليلى فتحت عينيها.

— بجد؟

مريم ابتسمت وسط دموعها.

— بجد.

ليلى بصت للقبر تاني.

— يبقى هو أنقذ جدو… وأنا دم بنتُه أنقذني؟

ولا واحد عرف يرد فورًا.

محمود غمض عينيه.

مريم قالت:

— تقريبًا كده.

ليلى فكرت ثواني.

وبعدين قالت ببساطة الأطفال:

— يبقى الخير بيلف ويرجع.

الجملة نزلت عليهم كلهم.

محمود عيط.

لأول مرة قدامهم من غير ما يخبي.

قرب من القبر.

حط إيده عليه.

وقال:

— سامحني يا أحمد.

نادية قالت بهدوء:

— إنت حفظت نصيبه.

— بس ماحفظتش عيلته.

مريم قربت منه.

— ماكانش عندك فرصة.

— كان لازم أدور أكتر.

مريم قالت:

— ويمكن لو كنت لقيتنا وقتها، فؤاد كان عرف مكاننا.

سكت محمود.

هي كملت:

— محدش يقدر يرجع 19 سنة.

بصت للقبر.

— بس نقدر نقرر نعمل إيه باللي جاي.

محمود هز رأسه.

— صح.

بعد ستة شهور…

مريم كانت قاعدة في نفس الكافيه.

نفس المكان اللي بدأت منه الحكاية.

بس المرة دي، لابسة بطاقة تدريب على هدومها مكتوب عليها:

مجموعة عبدالسلام — إدارة العمليات.

محمود دخل.

قعد قدامها.

قال:

— طلبتي إيه؟

— قهوة.

— بس؟

— أيوه.

— مفيش ساندوتش؟

مريم ضحكت.

— خايفة الحساب يطلع أغلى من اللي في محفظتك.

محمود ضحك بصوت عالي.

فتح محفظته.

كانت نفس المحفظة القديمة.

طلع منها مية جنيه.

مريم قالت:

— إنت لسه شايلها؟!

— دي أغلى ورقة عندي.

— ليه؟

— علشان يومها علمتني إن ممكن واحد يكون عنده شركات ومصانع… وبرضه يبقى محتاج حد غريب يقف جنبه.

مريم سكتت.

محمود قال:

— على فكرة.

— نعم؟

— أنا رجعت للكافيه بعد ما ليلى خفت.

— ليه؟

— اتكلمت مع الإدارة.

مريم خافت.

— عملت إيه؟

— دفعت الحساب اللي عليا.

— أنا دفعته!

— رجعته.

— لمين؟

— ليكي؟

— لأ.

محمود ابتسم.

— طلبت منهم يعملوا صندوق صغير.

مريم عقدت حواجبها.

— صندوق إيه؟

— أي حد كبير في السن أو محتاج يدخل المكان ومعهوش يكمل حسابه… يتدفع عنه من الصندوق من غير إحراج.

مريم بصتله.

— حضرتك عملت كده ليه؟

محمود قال:

— اعتبرها عزومة من بنتي.

مريم دموعها لمعت.

ضحكت وقالت:

— سرقت الجملة.

— اشتريتها بـ390 جنيه.

وفي نفس اللحظة…

دخل راجل كبير للكافيه.

قعد لوحده.

طلب شاي وسندوتش.

وبعد شوية، فتح محفظته.

محمود ومريم بصوا لبعض.

مريم ابتسمت.

وفي هدوء…

نادَت الموظف.

وقالت:

— الحساب ده علينا.

لأن بعض الحكايات ما بتنتهيش لما الحقيقة تظهر.

بعض الحكايات بتبدأ فعلًا…

لما الخير اللي عملته من غير مقابل،

يرجعلك في يوم ما كنتش تتوقعه،

ومن طريق ما كنتش تعرف إنه موجود.

تمت.

حصـريـات وحكـايات الكاتبة أسما السيد — ممنوع النسخ أو إعادة الصياغة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى