روايات وقصص

بعد اربع سنين حكايات اسما السيد

رجعت من غير ما أقول لحد بعد أربع سنين شغل في الخليج… أول ما دخلت البيت لقيت مراتي حالقة شعرها على الزيرو، جسمها بقى جلد على عضم، وبتلم بقايا الأكل من طبق مكسور. أمي قالت إنها تستاهل اللي حصل لها. أنا ما صرختش… قلت لهم إني راجع بتعويض بالملايين، وسيبت طمعهم هو اللي يوقعهم في الفخ.

— خبّوا البت دي بسرعة! عندنا ضيوف!

كان ده أول صوت سمعته من أختي منى قبل حتى ما أدخل البيت.

في الحوش، جنب الحنفية، كانت ست راكعة على الأرض، بتلم رز ناشف، وحتت عيش يابسة، وشظايا طبق مكسور بإيديها العارية.

شعرها محلوق بالكامل.

وشها أصفر، وخدودها غايرة.

ودراعاتها رفيعة لدرجة إن الغوايش كانت بتتزحلق على معصمها.

جنبها جردل مية ريحته كلور.

فضلت أبص لها كام ثانية…

لحد ما قلبي وقع.

دي سلمى…

مراتي.

الست اللي من أربع سنين ودعتني في مطار القاهرة، وهي بتعيط، وقالت إنها هتستنانى مهما بعدت المسافات.

— لمي كل حتة كويس… صوت أمي، الحاجة فاطمة، طلع من الصالة.

— لو حد اتعور من الزجاج… هخصمه من أكلك.

سلمى رفعت وشها.

أول ما شافتني…

اتجمدت مكانها.

قطعة الطبق اللي كانت في إيدها جرحت كفها، والدم نزل، لكنها حتى ما اتأوهتش.

— سيف… همست بصوت مكسور.

الشنطة وقعت من إيدي.

كنت عايز أجري عليها…

وأحاسب كل واحد في البيت ده على اللي عمله فيها.

لكنها هزت راسها بهدوء.

وشفايفها قالت من غير صوت:

“ما تعملش مشكلة.”

في اللحظة دي خرجت أمي.

لابسة عباية جديدة، ودهب في ودانها، وصابغة شعرها.

وراها أختي منى، وأخويا حسام، وكل واحد فيهم ماسك كباية عصير.

أول ما شافوني…

وشوشهم اصفرّت.

— يا ابني… إيه اللي جابك من غير ما تقول؟

قلت بابتسامة هادية:

— حبيت أعملكم مفاجأة.

بصيت لسلمى تاني.

منى وقفت قدامها بسرعة كأنها بتحاول تخبيها.

— ما تفهمش غلط يا سيف… هي اللي عملت في نفسها كده. من يوم ما سافرت وهي بقت قليلة الأدب.

— قليلة الأدب؟

قال حسام:

— سرقت فلوس… وكانت عايزة تهرب مع واحد.

أمي تنهدت وهي عاملة نفسها زعلانة.

— إحنا اعتبرناها بنتنا… لكنها ما قدرتش المعروف. حتى شعرها هي اللي حلقته بإيدها، وقالت ده عقاب ليها.

سلمى نزلت عينيها.

ولفت نظري خيط أسود حوالين رقبتها.

كان متربط فيه…

دبلة جوازنا.

ما باعتهاش…

ولا خلعتها.

كانت مخبياها.

قربت منها…

لكن أمي شدتني من دراعي.

— ما تلمسهاش… بقالها أيام ما استحمتش.

سلمى بصت لي.

ما كانش في عينيها كسرة.

كان فيه خوف…

بس مش مني.

خوف إني أسأل السؤال الغلط قدامهم.

أخدت نفس طويل…

وابتسمت.

— معاكي حق يا أمي.

في اللحظة دي…

وشوشهم ارتاحت.

قلت:

— السفر كان مرهق… خلونا نقعد. عندي خبر مهم لازم تعرفوه.

دخلنا الصالة.

وسلمى فضلت برا…

راكعة وسط بقايا الأكل.

السفرة كانت مليانة…

فراخ مشوية…

محشي…

سلطة…

وأكل يكفي عشر أفراد.

أما هي…

فكان نصيبها الفضلات.

قعدت على الكنبة اللي كان أبويا الله يرحمه بيقعد عليها يتفرج على الماتشات.

صورته لسه معلقة على الحيطة، وعليها شريط أسود.

أمي قالت إنه مات من سنتين بأزمة قلبية.

ولما طلبت أنزل أحضر الجنازة…

قالت إنهم دفنوه خلاص.

منى قفلت الشباك.

وقالت وهي بتضحك:

— ها يا سيف… طردوك من الشغل؟

ابتسمت.

وأخرجت ظرف سميك من الجاكيت.

حسام ثبت عينه عليه.

قلت:

— اتصبت في الشغل… والشركة خافت من القضية، فدفعوا لي تعويض.

أمي قربت مني بسرعة.

— قد إيه؟

سيبتهم ثواني في صمت…

وبعدين قلت بهدوء:

— اثنين وأربعين مليون جنيه.

الكوباية وقعت من إيد منى.

حسام قام واقف.

وأمي حطت إيدها على قلبها.

— اتنين وأربعين… مليون؟!

هزيت راسي.

— أول دفعة هتنزل يوم الاتنين.

في ثانية…

كل حاجة اتغيرت.

أمي عيطت من الفرحة.

منى حضنتني.

حسام جري يطلع العصاير اللي كانوا مخبيينها.

— الليلة دي لازم نحتفل!

أمي مسكت إيدي وقالت:

— كنت عارفة إن ربنا هيكرمنا على إيدك يا ابني.

بصيت ناحية الحوش.

سلمى…

لسه قاعدة على الأرض.

قلت بهدوء:

— عايز سلمى تاكل معانا على السفرة.

الصمت ملأ المكان.

أمي قالت بسرعة:

— إنت ما تعرفش هي عملت إيه.

ابتسمت.

وقلت:

— أنا معايا اتنين وأربعين مليون… ولازم أعرف مين اللي وقف جنبي وأنا بعيد.

منى كانت أول واحدة اتحركت.

جريت على الحوش.

— يا سلمى! إيه اللي مقعدك هنا؟ ده بيتك… تعالي اقعدي معانا.

حسام شال منها الجردل.

وأمي دخلت سخنت لها الأكل، وملت لها الطبق لآخره.

من خمس دقايق…

كانوا بيحسبوا عليها لقمة العيش.

ودلوقتي…

بيتسابقوا يخدموها.

قعدت سلمى قدامي.

لكنها…

ما كلتش ولا لقمة.

إيديها كانت بتترعش تحت الترابيزة.

بصيت لهم كلهم…

وقلت بهدوء:

— وعندي خبر تاني… بكرة المحامي بتاعي جاي. لازم أحدد مين اللي هيرث الفلوس دي لو حصلي أي حاجة.

المعلقة وقعت من إيد أمي.

— بعد الشر عليك يا ابني.

قلت:

— بعد الحادثة… الدكتور قال إن عندي مشكلة في القلب. ممكن أعيش سنين… وممكن أنام الليلة وما أصحاش.

كانت كذبة…

لكنها كانت الكذبة اللي هتكشف حقيقة كل واحد في البيت.

منى حطت إيدها على كتفي…”الحكاية لم تنتهِ بعد…”

✍️ الكاتبة أسما السيد @أبرز المعجبين

الفصل الثاني: أول خيط في الكذبة

منى حطت إيدها على كتفي وقالت بصوت كله حنية مصطنعة:

— بعد الشر عليك يا حبيبي… إحنا مالناش غيرك.

حسام قعد جنبي بسرعة وقال:

— وربنا يديك الصحة والعمر الطويل، بس طالما المحامي جاي بكرة، يبقى لازم كل حاجة تبقى واضحة.

بصيتله.

— واضحة إزاي؟

اتلخبط للحظة، وبعدها ضحك:

— يعني الورق… الحسابات… العقارات… عشان محدش يتعب بعدين.

أمي بصتله بحدة وقالت:

— اسكت يا حسام، أخوك لسه داخل البيت.

لكن عينيها كانت بتقول عكس كلامها.

كانت مستنية تعرف أكتر منه.

سلمى كانت لسه قاعدة قدامي، ساكتة تمامًا.

طبقها مليان، لكن ولا لقمة اتلمست.

قلت:

— كلي يا سلمى.

بصتلي بخوف.

أمي قالت بسرعة:

— هي من زمان أكلها قليل.

سلمى رفعت عينها ناحيتي ثانية واحدة.

وفهمت.

مش قلة شهية.

دي واحدة اتعلمت تخاف من الأكل.

قومت من على السفرة.

— تعبان وعايز أنام.

أمي قالت:

— أوضتك زي ما هي يا ابني.

سألتها:

— وسلمى بتنام فين؟

الصمت رجع تاني.

منى قالت:

— أصل هي…

أمي قاطعتها:

— في أوضة المخزن مؤقتًا. عشان المشاكل اللي عملتها.

قلت بمنتهى الهدوء:

— من النهارده هترجع أوضتنا.

وش أمي شد.

— سيف…

بصيتلها.

— فيه اعتراض؟

ابتسمت غصب عنها.

— لا يا حبيبي، براحتك.

دخلت أوضتي بعد دقائق.

كانت نضيفة جدًا.

السرير متغير.

الدولاب مترتب.

لكن مفيش ولا حاجة تخص سلمى.

ولا هدوم.

ولا برفان.

ولا فرشة شعر.

كأنها عمرها ما عاشت هنا.

بعد نص ساعة، الباب خبط خبطتين خفاف.

فتحت.

سلمى واقفة قدامي.

لابسة إسدال قديم واسع عليها بشكل مخيف.

وقفت ثواني مش قادر أتكلم.

دخلت وقفلت الباب.

أول ما بقينا لوحدنا، مدت إيدها ناحية بوقي بسرعة.

— بالله عليك ما تعملش صوت.

قلت بصوت واطي:

— مين عمل فيكي كده؟

دموعها نزلت فورًا.

لكنها قالت:

— ماتسألش هنا.

— ليه؟

بصت ناحية الباب.

— لأنهم بيسمعوا.

اتجمدت.

شاورِت ناحية الدولاب.

قربت منه.

ورا الدولاب كان فيه فتحة صغيرة في الحيطة.

سلك رفيع داخل منها.

سلمى همست:

— منى وحسام بيراقبوا الأوضة من زمان.

قلبي سخن.

قلت:

— ليه؟

ردت:

— عشان الورق.

— ورق إيه؟

قبل ما تجاوب، سمعنا حركة برا.

سلمى غيرت كلامها فورًا وقالت بصوت أعلى:

— تصبح على خير يا سيف.

وفهمت.

قلت:

— وإنتِ من أهله.

خرجت.

وأنا لأول مرة أعرف إن رجوعي ماكانش مجرد صدمة…

أنا رجعت لبيت فيه جريمة لسه ما اكتملتش.

في نص الليل، فتحت باب الأوضة بهدوء.

مفيش صوت.

نزلت للمطبخ.

سلمى كانت مستنياني.

قالت بسرعة:

— أبوك ما ماتش بأزمة قلبية.

حسيت الأرض اتحركت من تحتي.

— إيه؟

قالت:

— أنا شوفته قبل موته بيومين… وكان طالب مني أوصل لك ورق.

— ورق إيه؟

سلمى بلعت ريقها.

— ورق ملكية البيت والأرض… وحساب كان باسمك إنت.

بصيتلها مش فاهم.

قالت:

— أبوك اكتشف إن حسام كان بيزوّر توقيعاته، وإن منى كانت بتسحب فلوس من حسابه بتوكيل قديم. كان ناوي يواجههم.

— وأمي؟

سلمى سكتت.

قلت:

— أمي كانت عارفة؟

دموعها زادت.

— أكتر من عارفة.

قبل ما تكمل…

نور المطبخ اشتغل فجأة.

أمي كانت واقفة على الباب.

وبتقول:

— بتعملوا إيه هنا في نص الليل؟

الفصل الثالث: وصية أبويا

بصيت لأمي.

وبعدين لسلمى.

قلت:

— كنت عطشان.

أمي بصت لسلمى بشك.

— وإنتِ؟

ردت:

— كنت بشرب مية.

أمي فضلت واقفة شوية، وبعدها قالت:

— ناموا. بكرة يوم طويل.

طلعت.

لكن قبل ما تمشي، بصت لسلمى نظرة خلتني أفهم سبب خوفها.

رجعنا ننام.

بس أنا ما نمتش.

الصبح، المحامي جه الساعة عشرة.

اسمه الأستاذ نادر.

راجل في الخمسينات، هادي وملامحه مش بتتكشف بسهولة.

قعدنا كلنا في الصالة.

أمي لابسة أحسن عباية.

منى حاطة مكياج كامل.

حسام لابس قميص كأنه داخل اجتماع شركة.

أما سلمى، أمي حاولت تمنعها من القعدة.

قلت:

— سلمى هتحضر.

المحامي فتح ملف.

قلت قدامهم:

— أنا عايز أرتب موضوع الميراث.

كلهم ركزوا.

قلت:

— البيت ده هيتكتب باسم أمي.

أمي شهقت.

منى ابتسمت.

قلت:

— وحسام له عشرة مليون.

حسام ماقدرش يخبي فرحته.

— ومنى عشرة مليون.

منى قامت حضنتني.

قلت:

— وسلمى…

الكل سكت.

بصيتلها.

— ليها كل الباقي.

وش أمي اتقلب.

حسام قال:

— نعم؟!

منى صرخت:

— دي؟!

قلت بهدوء:

— مراتي.

أمي قالت:

— بعد اللي عملته فيك؟!

قلت:

— عشان كده المحامي هيكتب شرط.

بصوا كلهم ناحيتي.

قلت:

— أي حد يثبت إن سلمى خانتني أو سرقتني، نصيبها يتلغي ويتقسم عليكم.

رجعت الراحة لوشوشهم.

سلمى بصتلي باستغراب.

لكنها فهمت بسرعة.

أنا كنت برمي لهم الطعم.

المحامي قال:

— تمام.

بعد ما خلصنا، نادر طلب مني أمضي ورقة.

لما قربت منه، همس:

— زي ما اتفقنا؟

قلت:

— بالضبط.

الحقيقة إن مفيش تعويض نزل أصلًا.

كان فيه مبلغ كبير فعلًا جايلِي من تسوية إصابة في الشغل، لكن مش 42 مليون.

والأهم…

إني كنت كلمت نادر قبل ما أرجع مصر.

لأن قبل رجوعي بأسبوع، وصلني إيميل مجهول فيه صورة ورقة مكتوبة بخط أبويا.

كان فيها جملة واحدة:

“لو رجعت وما لقيتنيش… ماتصدقش حد قبل ما تسمع سلمى.”

عشان كده رجعت من غير ما أقول.

وعشان كده ما صرختش.

بعد ما المحامي مشي، بدأت الخطة تشتغل أسرع مما توقعت.

في نفس الليلة، سمعت منى بتقول لحسام في الممر:

— لازم نجيب ورق يثبت إنها سرقت.

حسام قال:

— عندي فكرة أحسن.

— إيه؟

— نخليها تمضي على إقرار.

منى قالت:

— مش هتمضي.

ضحك حسام:

— هتمضي.

يومها عرفت إن التعذيب اللي حصل لسلمى ماكانش عقاب.

كان وسيلة.

وفي اليوم التالي، حصل اللي كنت مستنيه.

أمي قالتلي:

— يا ابني، سلمى سرقت سلسلة دهب كانت بتاعة أبوك.

قلت:

— متأكدة؟

قالت:

— لقيناها في هدومها.

دخلت أوضة المخزن.

وسلمى واقفة.

منى ماسكة السلسلة.

قالت:

— أهو بعينك.

خدت السلسلة.

وبصيت لسلمى.

— إنتِ سرقتيها؟

قالت:

— لا.

أمي قالت:

— لسه هتكذب!

قلت:

— طيب.

كلهم اتصدموا من هدوئي.

قلت:

— بما إن الموضوع بقى سرقة… هنفتح الكاميرات.

حسام شحب.

— كاميرات إيه؟

ابتسمت.

— أنا ركبت كاميرتين امبارح.

منى شهقت:

— من غير ما تقول؟

قلت:

— ما أنا راجع بتعويض بالملايين… لازم أحمي نفسي.

فتحت الموبايل.

وشغلت التسجيل.

ظهر حسام قبل الفجر.

فاتح باب المخزن.

حاطط السلسلة وسط هدوم سلمى.

الصمت كان تقيل.

بصيت لحسام.

— عندك تفسير؟

قال:

— أنا… كنت…

أمي دخلت بسرعة:

— هو عمل كده عشان يكشفها!

ضحكت.

— يكشفها من إيه وهي ما سرقتش؟

هنا سلمى بدأت تعيط.

لكنها ما كانتش دموع خوف.

كانت أول مرة تبص لهم من غير ما تنزل عينها.

قلت:

— خلاص. اللعبة بدأت تبقى واضحة.

وبصيت لأمي.

— بس لسه عندي سؤال أهم.

قربت منها.

— أبويا  إزاي؟

الفصل الرابع: اللي حصل ليلة  أبويا

أمي قعدت.

وشها لأول مرة فقد كل قوته.

قالت:

— أبوك مات… وإنت عارف.

قلت:

— لأ. أنا عارف الرواية اللي قلتوها.

حسام قال:

— سيف، ماتفتحش حاجات قديمة.

قلت:

— سلمى قالت إنه كان هيبعتلي ورق.

منى صرخت:

— هي بتكدب!

بصيت لسلمى.

قلت:

— كملي.

سلمى خدت نفس.

— عمك جلال كان موجود ليلة موت والدك.

اتجمدت.

عمي جلال ماحدش جاب سيرته من ساعة رجوعي.

سألت:

— ليه؟

سلمى قالت:

— أبوك كان اكتشف إن قطعة الأرض اللي ورثها عن جدك اتباعت من غير علمه. التوقيع اللي في العقد كان مزور.

بصيت لحسام.

سلمى كملت:

— أبوك واجه حسام. وحصلت خناقة كبيرة.

حسام قال:

— كدابة!

سلمى صوتها اتغير:

— أنا كنت هناك.

كلنا سكتنا.

قالت:

— أبوك طلب مني أطلع له ملف من أوضته. وأنا راجعة سمعت حسام بيقوله: “إنت خلاص كبرت… وإحنا أولى بالفلوس.”

حسام قام:

— اقفلي بقك!

وقفت قدامه.

— اقعد.

قعد غصب عنه.

سلمى كملت:

— أبوك قال إنه هيبلغ عن التزوير. أمي… أقصد الحاجة فاطمة… حاولت تمنعه.

بصيت لأمي.

— ليه؟

سلمى قالت:

— لأنها كانت ماضية شاهدة على عقد البيع.

حسيت نفسي مخنوق.

أمي قالت:

— كنت بحمي عيالي!

قلت:

— من أبوهم؟!

صرخت:

— أبوك كان عايز يكتب كل حاجة باسمك!

قلت:

— ولو عمل كده، ده حقه!

منى بدأت تعيط.

لكن سلمى قالت:

— الخناقة زادت. أبوك تعب. مسك صدره.

بصيتلها.

— وبعدين؟

سلمى سكتت.

قلت:

— قولي.

قالت:

— دواءه كان في الدرج.

أمي غمضت عينيها.

سلمى قالت:

— أنا جريت أجيبه… لكن حسام أخد العلبة من إيدي.

بصيت له.

— ليه؟

قال:

— مش فاكر!

سلمى صرخت لأول مرة:

— لأنك قلت “سيبه يتأدب”!

الصالة كلها اتجمدت.

أمي بكت.

منى غطت وشها.

سلمى قالت:

— والدك وقع. وأنا طلبت إسعاف. الحاجة فاطمة أخدت تليفوني.

بصيت لأمي.

قالت وهي :

— كنت …

—  من إيه؟

— من .

قلت:

— فسيبتوا أبويا ؟

قالت:

— ماكناش عارفين إنه !

ضربت بإيدي على الترابيزة.

— ودفنتوه من غير ما تقولولي!

حسام قال:

— كان مات خلاص.

قلت:

— وسلّمتوا عليا في التليفون وقلتوا  قلبية طبيعية.

ولا حد رد.

قلت لسلمى:

— وإنتِ ليه ماكلمتينيش؟

ضحكت ضحكة مكسورة.

— حاولت.

بصيتلها.

قالت:

— تاني يوم منى خدت تليفوني. حسام خد بطاقتي. وأمك قالتلي لو كلمتك هيقولوا إني أنا السبب في موت أبوك.

— وليه صدقتي إنهم يقدروا يعملوا كده؟

رفعت كم الإسـدال.

ولأول مرة شفت آثار حروق قديمة على دراعها.

قالت:

— عشان جربت أعاند مرة.

أمي قالت:

— دي كانت حادثة!

سلمى بصتلها.

— والحلاقة كانت حادثة؟

منى انهارت.

قالت:

— ماما هي اللي أمرت!

أمي بصتلها بصدمة.

— يا بنت الكلب!

منى صرخت:

— أنا مش هشيل كل حاجة لوحدي!

هنا بدأوا ينهاروا.

الطمع جمعهم…

والخوف بدأ يفرقهم.

قلت:

— كويس.

كلهم بصولي.

طلعت الموبايل.

— لأن كل اللي اتقال من أول ما قعدنا… متسجل.

وشوشهم اصفرّت.

حسام جري ناحيتي.

لكن الباب اتفتح.

ودخل الأستاذ نادر.

ومعاه اتنين ضباط.

أمي صرخت:

— إنت بلغت علينا؟!

قلت:

— من أول يوم.

حسام حاول يهرب من الباب الخلفي.

لكن اتقبض عليه.

منى وقعت على الأرض وهي بتعيط.

أما أمي…

فضلت واقفة تبصلي.

وقالت:

—  أمك؟

رديت:

— أنا مش اللي هسجنك. اللي عملتوه هو اللي وصلكم لهنا.

الفصل الخامس: آخر حساب

التحقيقات استمرت شهور.

طلع إن عقد الأرض مزور فعلًا.

وإن حسام باع جزء كبير منها بالتعاون مع عمي جلال.

منى كانت بتسحب فلوس من حساب أبويا بتوكيل استخدمته بعد ما فقد صلاحيته.

أما أمي…

فكانت عارفة بكل حاجة.

لكن أصعب ملف كان ملف وفاة أبويا.

ماكانش فيه إثبات إن حد قتله عمدًا.

لكن التسجيلات وشهادة سلمى، وشهادة جار كان سمع الخناقة وقتها، وسجلات الهاتف اللي أثبتت إن طلب الإسعاف اتأخر وقت طويل…

فتحوا القضية من جديد.

وسلمى أخيرًا راحت لطبيب.

التقارير أثبتت سوء تغذية شديد، أنيميا، آثار اعتداءات قديمة، وإصابات ماكانش ليها تفسير منطقي إلا اللي حكته.

أنا قعدت جنبها في المستشفى.

قلت:

— ليه استحملتي كل ده؟

قالت:

— في الأول عشان أبوك.

— أبويا؟

قالت:

— قبل ما يموت بساعات قاللي: “لو حصل لي حاجة، سيف لازم يعرف الحقيقة.”

سكتت.

وبعدين قالت:

— وبعدها استحملت عشان كنت متأكدة إنك راجع.

دموعي نزلت.

قلت:

— أربع سنين يا سلمى.

قالت:

— عارفة.

— أنا كنت ببعتلك فلوس.

ابتسمت بوجع.

— كانت بتوصل لأمك.

اتجمدت.

اكتشفت بعد كده إن الحساب اللي كنت بحول عليه باسم أمي، وهي كانت بتقولي إنها بتدي سلمى كل شهر احتياجاتها.

ولا جنيه وصل لها.

قلت:

— سامحيني.

سلمى هزت راسها.

— إنت ماكنتش تعرف.

قلت:

— بس كان المفروض أعرف.

بعد شهور، صدر الحكم في قضايا التزوير   .

حسام .

عمي جلال .

منى أخدت حكم أخف بعد ما تعاونت في التحقيقات واعترفت بجزء كبير من اللي حصل.

أما أمي…

فكانت أصعب مواجهة في حياتي.

قبل الحكم بأيام طلبت تشوفني.

روحت.

قعدت قدامي خلف الزجاج.

قالت:

— أنا أمك يا سيف.

قلت:

— عارف.

— معقول تسيبني هنا؟

قلت:

— وإنتِ لما سلمى كانت بتطلب منك لقمة… كنتِ فاكرة إنها مرات ابنك؟

عيطت.

— الشيطان لعب في دماغنا.

قلت:

— الطمع لعب في دماغكم.

قالت:

— أنا ربيتك.

قلت:

— وأبويا رباكم كلنا… وسيبتوه يموت.

ماقدرتش تكمل كلام.

قومت.

قالت:

— هتسامحني؟

وقفت.

قلت:

— يمكن يومًا ما أعرف أسامحك في حقي.

وبصيتلها.

— لكن حق أبويا وسلمى… مش بتاعي أنا أسامح فيه.

خرجت.

بعد سنة، سلمى بدأت ترجع لطبيعتها.

شعرها طال.

وزنها اتحسن.

ضحكتها رجعت واحدة واحدة.

لكن بعض الحاجات ما رجعتش.

بقت تخاف من صوت الطبق لو وقع.

بتتوتر لو حد وقف وراها فجأة.

وساعات تصحى من النوم مفزوعة.

أنا ما حاولتش أقول لها “انسي”.

ولا “خلاص اللي فات “.

كنت بس موجود.

وفي يوم، جبت لها الدبلة اللي كانت مربوطة في الخيط الأسود.

كنت محتفظ بيها بعد ما راحت المستشفى.

قلت:

— تحبي تلبسيها تاني؟

بصتلي فترة طويلة.

وخدت الدبلة.

لكن بدل ما تلبسها، حطتها في كفها.

وقالت:

— لما أحس إني رجعت سلمى القديمة.

قلت:

— لأ.

بصتلي.

قلت:

— مش عايزك ترجعي سلمى القديمة.

اتلخبطت.

قلت:

— عايزك تبقي سلمى اللي إنتِ اختارتيها بعد كل اللي حصل.

دموعها نزلت.

وبعد أيام…

لبست الدبلة بإيدها.

مش علشان كانت رجعت زي زمان.

لكن علشان قررت تبدأ من جديد.

أما التعويض؟

كان فعلاً فيه مبلغ كبير، لكن جزء كبير منه استخدمته في علاج سلمى، وسداد ديون أبويا القانونية، واسترجاع اللي نقدر عليه من الأرض.

والـ42 مليون؟

ماكانوش موجودين أصلًا.

كانوا فخ.

فخ وقع فيه كل واحد كان مستعد يبيع الثاني عشان نصيبه.

ومن يومها فهمت حاجة واحدة:

الفلوس عمرها ما بتغير الناس.

هي بس ساعات بتديهم فرصة يورّوك هما كانوا إيه من البداية.

رجعت بيتي بعد أربع سنين وأنا فاكر إني راجع لأسرتي…

لكن لقيت مراتي غريبة في بيتها، وأبويا مدفون ومعاه سر، وأقرب ناس ليا باعوا بعض قبل ما يبيعوني.

لكن وسط كل ده…

سلمى كانت الحاجة الوحيدة اللي ما اتباعتش.

حتى وهي مكسورة.

حتى وهي جائعة.

حتى وهي خايفة.

فضلت ماسكة دبلة جوازنا بخيط أسود حوالين رقبتها…

وكأنها كانت مستنية اليوم اللي الحقيقة نفسها ترجع فيه من السفر.

تمت.
الكاتبة أسما السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى