روايات وقصص

ليلة فرحي حكايات اسما السيد 2

الفصل الرابع: أبويا الحقيقي مين؟ فضلت واقف مكاني. مش سامع صوت الورشة. ولا صوت العمال برا. ولا حتى صوت نفسي. كل اللي كنت سامعه جملة واحدة بتلف جوه دماغي: — اسأل أمك مين كان أبوك الحقيقي ليلة ما إنت اتولدت. بصيت لأبويا. أو للراجل اللي طول عمري بناديه أبويا. قلت بصوت مبحوح: — إنت بتقول إيه؟

 

عمي دخل بينا بسرعة.

— كفاية لحد كده.

لفيتله.

— ابعد.

قال:

— اسمعني…

صرخت:

— قلت ابعد!

أبويا فضل واقف هادي.

الهدوء بتاعه كان مستفز أكتر من أي عصبية.

قلتله:

— أنا ابنك ولا لأ؟

سكت.

قلت:

— رد!

قال:

— روح اسأل أمك.

اتحركت ناحيته.

— إنت بتعاقبها بيا؟

قال:

— أنا ما قلتش حاجة كدب.

عمي قال:

— الموضوع أعقد من كده.

لفيتله.

— عندي 32 سنة وأنا عايش وسطكم زي الأعمى، وكل واحد فيكم عنده نص معلومة ونص كدبة!

خرجت من المخزن.

أبويا نادى ورايا:

— لو هتسألها، خليك مستعد تسمع الإجابة للنهاية.

ما بصتش ورايا.

ركبت العربية وطلعت ناحية البيت.

دخلت البيت بسرعة.

مراتي خرجت من الأوضة أول ما سمعت الباب.

قالت:

— مالك؟

قلت:

— أمي فين؟

قالت:

— في أوضتها.

مشيت ناحيتها.

مراتي مسكت دراعي.

— استنى، إنت وشك…

سحبت إيدي.

— لازم أسألها حاجة.

خبطت على باب أوضة أمي.

ما استنتش الرد.

دخلت.

كانت قاعدة على طرف السرير، ماسكة مسبحة في إيدها.

أول ما شافتني، عرفت.

مش عارف إزاي.

لكن عرفت.

قالت بصوت واطي:

— أبوك قالك؟

قفل الباب ورايا.

مراتي فضلت برا.

بصيت لأمي.

قلت:

— هو أبويا؟

أمي سكتت.

قلت:

— عايز إجابة واحدة بس.

دموع لمعت في عينيها.

قالت:

— إنت ابني.

ضحكت بمرارة.

— مش ده سؤالي.

قربت منها.

— الراجل اللي بره ده… أبويا؟

أمي غمضت عينيها.

ولما فتحتهم قالت:

— هو اللي رباك.

حسيت حاجة اتكسرت جوايا.

قلت:

— يعني لأ.

قالت بسرعة:

— ما تظلموش.

ضحكت.

— ما أظلموش؟

— هو عمره ما عاملك غير إنك ابنه.

قلت:

— يبقى مين؟

أمي سكتت.

قلت:

— سالم؟

جسمها كله اتشد.

وده كان كفاية.

رجعت خطوة.

قلت:

— سالم أبويا؟

أمي نزلت عينيها.

قلت:

— ردّي!

قالت:

— كنت متجوزة أبوك وقتها.

قلت:

— أنا مش بسألك عن الورق.

قالت:

— كنت صغيرة… وكان في حاجات حصلت قبل الجواز.

اتجمدت.

قالت بسرعة:

— ماكانش في خيانة بعد الجواز.

قلت:

— يبقى قبل الجواز كان في إيه؟

تنهدت.

— سالم كان متقدملي.

سكت.

قالت:

— جدي كان موافق عليه.

رفعت عينيها ليا.

— أبوك الحالي كان شغال مع جدي وقتها. وكان قريب من البيت. وكان هو كمان عايز يتجوزني.

قلت:

— وإنتِ اخترتي سالم؟

هزت راسها.

— في الأول.

جلست قدامها.

حسيت إني لو فضلت واقف هقع.

قالت:

— سالم كان مختلف. هادي، وطموح، وكان عنده أفكار كتير للشغل. جدي كان شايف فيه مستقبل.

قلت:

— وبعدين؟

قالت:

— حصل خلاف بين سالم وجدي على حسابات وشغل. والخلاف كبر.

— وأبويا الحالي؟

قالت:

— دخل بينا.

سكتت شوية.

— وبعدها الخطوبة اتفسخت.

قلت:

— وبعدها اتجوزتيه؟

قالت:

— بعد شهور.

— وأنا؟

دموعها نزلت.

قالت:

— بعد الجواز بفترة قصيرة اكتشفت إني حامل.

قلت:

— يعني كنتِ حامل قبل الجواز؟

قالت:

— ماكنتش متأكدة.

— بس كنتِ شاكّة.

قالت:

— أيوه.

وقفت.

مشيت خطوتين.

رجعت.

قلت:

— وهو كان عارف؟

قالت:

— قلتله.

— وقال إيه؟

بصتلي.

— قاللي إن الطفل ابنه مهما كان.

الكلمة وجعتني بشكل غريب.

لأول مرة حسيت إن الصورة مش أبيض وأسود.

قلت:

— وعمل تحليل؟

قالت:

— لأ.

— عمركم ما عرفتوا؟

قالت:

— وقتها ماكانش الموضوع سهل زي دلوقتي.

قلت:

— وسالم؟

أمي ما ردتش.

قلت:

— عرف إنك حامل؟

قالت:

— أيوه.

قلبي اتقبض.

— وقال إيه؟

مسحت دموعها.

— قال إن الطفل ممكن يكون ابنه.

سكت.

وبعدين قالت:

— ومن هنا بدأت المصيبة.

جلست تاني.

— احكي.

قالت:

— سالم رجع بعد شهور من جوازي. قال إنه عايز حقه في الشغل… وعايز يعرف الحقيقة عنك.

قلت:

— وإنتِ رفضتي؟

— كنت مرعوبة.

— من إيه؟

— من إن حياتي تنهار.

هزت راسها.

— كنت متجوزة، وأبوك بيعاملك كإنك ابنه، وأنا كنت خايفة سالم ياخدك مني أو يعمل فضيحة.

قلت:

— والورشة؟

قالت:

— سالم كان عنده مستندات.

رفعت عيني بسرعة.

— مستندات إيه؟

قالت:

— تثبت إن جزء كبير من المشروع كان باسمه.

سكتت.

— وفي الليلة اللي اختفى فيها، جه علشان ياخد حقه.

قلت:

— وإنتِ كنتِ هناك.

قالت:

— أيوه.

— وعمي.

— أيوه.

— وأبويا.

هزت راسها.

قلت:

— إيه اللي حصل؟

أمي بدأت تتنفس بسرعة.

قربت منها.

— أمي.

قالت:

— حصلت خناقة.

— بين مين؟

— سالم وأبوك.

— وبعدين؟

قالت:

— سالم قال قدامنا كلنا إنه هيروح الصبح يعمل بلاغ، وهيثبت إن في تزوير في أوراق الشركة.

قلت:

— تزوير؟

وشها اتغير.

قلت:

— مين زوّر؟

قالت:

— ماعرفش.

— أمي!

قالت بسرعة:

— والله ما كنت أعرف كل التفاصيل وقتها.

سكتت لحظة.

— سالم مسك في أبوك.

— وأبويا ضربه؟

قالت:

— الاتنين ضربوا بعض.

— وبعدين؟

إيديها بدأت ترتعش.

— سالم وقع.

قلبي وقف.

قلت:

— وقع فين؟

قالت:

— على جنب الطاولة الحديد.

سكتت.

— وخبط راسه.

قلت:

— مات؟

قالت:

— ماعرفناش وقتها.

— يعني إيه؟

قالت:

— كان بيتنفس.

رفعت صوتي:

— أومال اختفى إزاي؟!

أمي حطت إيديها على ودانها.

— ما تصرخش.

نزلت صوتي بالعافية.

— كملّي.

قالت:

— أبوك قال لازم ننقله المستشفى.

قلت:

— ووديتوه؟

سكتت.

قلت:

— وديتوه المستشفى؟

هزت راسها بالنفي.

حسيت الدم نزل من وشي.

— ليه؟

قالت:

— عمي قال إن الشرطة هتفتكرها محاولة قتل، وسالم كان مهددهم قبلها بدقايق.

قلت:

— فعملتوا إيه؟

أمي انهارت في العياط.

— أنا خرجت.

قلت:

— خرجتي؟

— أيوه.

— وسيبتيه معاهم؟

قالت:

— كنت مرعوبة. روحت البيت.

— وبعدها؟

— تاني يوم قالولي إنه صحى ومشي.

ضحكت بصدمة.

— وإنت صدقتي؟

قالت:

— عايزة أصدق.

— وبعد ما اختفى تمامًا؟

— أبوك قال إنه هرب.

قلت:

— وعمي؟

— أكد نفس الكلام.

رجعت بظهري للحائط.

دلوقتي فهمت ليه أمي كانت جزء من السر من غير ما تعرف النهاية.

قلت:

— يعني إنتِ ما تعرفيش هو مات ولا لأ؟

قالت:

— لأ.

سكت.

وبعدين سألتها:

— الست اللي قابلتها… أم بنت سالم… تعرفيها؟

أمي هزت راسها.

— أعرفها.

— كانت إيه لسالم؟

قالت:

— مراته.

الجملة نزلت عليا تقيلة.

قلت:

— كان متجوز؟

قالت:

— بعد ما جوازنا حصل، اتجوزها.

قلت:

— والبنت عندها 23 سنة.

قالت:

— يبقى اتولدت بعد اختفائه أو قبله بشهور.

قلت:

— وأبويا بيدفع لها ليه؟

قالت:

— معرفش.

قلت:

— أكيد عندك شك.

قالت:

— يمكن ذنب.

سكتنا.

وفجأة افتكرت حاجة.

قلت:

— لما وريتك الرسالة، كنتِ عارفة الرقم.

أمي بصتلي.

قلت:

— الرقم بتاع عمي.

ما ردتش.

قلت:

— كان بيبعتلك ليه؟

قالت:

— لأنه كان خايف إن أبوك يقولك الحقيقة كلها.

قلت:

— ليه هو خايف؟

قالت:

— علشان عمي مش بريء.

سكت.

قلت:

— يعني إيه؟

قالت:

— بعد ليلة اختفاء سالم… عمي بدأ يشتغل مع أبوك في كل حاجة.

— وبعدين؟

— اتحسن حاله فجأة.

رجعت أفتكر الدين.

قلت:

— بس دلوقتي هو مديون لأبويا.

قالت:

— بعد سنين.

سكتت.

وبعدين قالت:

— زمان… أخد قطعة أرض.

قلت:

— من مين؟

قالت:

— من الشركة.

رفعت عيني.

— مقابل إيه؟

قالت:

— دي الحاجة اللي عمري ما عرفت إجابتها.

قبل ما أرد، الباب اتفتح.

مراتي دخلت بسرعة.

قالت:

— في حد برا بيسأل عليك.

بصيتلها.

— مين؟

قالت:

— البنت اللي شوفتها في المحل.

أنا وأمي بصينا لبعض.

قلت:

— بنت سالم؟

هزت راسها.

خرجت بسرعة.

لقيتها واقفة في الصالة.

وشها متوتر.

وفي إيدها ظرف بني قديم.

أول ما شافتني قالت:

— ماما عرفت إني جيت هنا وهتقتلني.

قلت:

— إنتِ جيتي ليه؟

مدتلي الظرف.

— علشان دي حاجات أبويا سابها قبل ما يختفي.

أمي خرجت من الأوضة.

أول ما البنت شافتها اتجمدت.

وأمي هي كمان.

البنت قالت بصوت واطي:

— حضرتك…

أمي قربت منها.

ملامحها كانت بتتغير وهي بتتأمل وشها.

قالت:

— إنتِ بنت سالم؟

البنت هزت راسها.

أمي دموعها نزلت.

البنت رفعت الظرف ناحيتي.

— ماما مخبية ده من سنين.

فتحته.

كان جواه صور قديمة.

أوراق.

ومظروف صغير مقفول.

وعليه اسم مكتوب بخط إيد قديم:

“لإبني… لو عرفت الحقيقة يومًا.”

إيدي اتجمدت.

قلت للبنت:

— ده كان عندكم؟

قالت:

— أيوه.

— ليه مكتوب لإبني؟

قالت:

— معرفش.

أمي شهقت.

مدت إيدها للمظروف.

— وريني.

بعدته عنها.

فتحت المظروف.

جواه ورقة واحدة.

الخط كان باهت.

لكن أول سطر كان واضح:

“لو الرسالة دي وصلتلك، فمعنى كده إنهم فضلوا ساكتين طول السنين.”

كملت.

وعيني كانت بتجري على السطور.

“أنا ما سرقتش فلوس الشركة.”

“وما هربتش.”

“ولو حصل لي حاجة، دوروا تحت أرضية المخزن رقم 3.”

اتجمدت.

المخزن رقم 3.

المخزن القديم.

المخزن اللي أنا وعمي كنا واقفين فيه من أقل من ساعة.

رفعت عيني لأمي.

قالت:

— المخزن ده لسه موجود؟

قلت:

— أيوه.

البنت قالت:

— في آخر الرسالة حاجة تانية.

بصيت للورقة.

آخر سطر كان مكتوب بخط أسرع من باقي الكلام:

“ولو ابني كبر من غيري… قوله إني حاولت أرجعله.”

يدي بدأت ترتعش.

أمي حطت إيدها على بوقها.

والبنت بصتلي.

قالت:

— هو يقصدك إنت؟

ماعرفتش أرد.

لكن الحاجة الوحيدة اللي كنت متأكد منها…

إن تحت أرضية المخزن رقم 3 كان في إجابة.

ويمكن جثة.

ويمكن دليل.

ويمكن حقيقة تثبت مين أبويا فعلًا.

خرجت من البيت وأنا ماسك الرسالة.

مراتي نادت:

— رايح فين؟

بصيتلها.

قلت:

— المخزن.

ولأول مرة من بداية الحكاية…

ماكنتش رايح أسأل حد.

كنت رايح أحفر.

يتبع…

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى