٨ شهور حكايات اسما السيد

من حوالي 8 سنين، كنت حامل في توأم… الولادة حصلت بدري جدًا، ولما فوقت بعد يومين، لقيت مكان طفل واحد بس جنب مكاني.«فين البيبي التاني؟»جوزي وطّى عينه وقال:«هو… ماكملش.»أنا عمري ما شفت الطفل التاني، ولا حضرت له . الدكاترة قالوا إني كنت ضعيفة جدًا، وجوزي هو اللي تولّى كل حاجة وأنا .بعدها، حطيت كل الحب اللي جوايا في ابني الوحيد.لكن لما بدأ المدرسة، ابتدى يشتكي من ولد اسمه ستيفان.في يوم رجع ورمى شنطته على الأرض وقال:
«هو ناداني أخوه تاني!» قلت له: «يمكن بيهزر معاك.» رد بضيق: «ده كل شوية بيقول إن أبونا واحد، بس أمهاتنا مختلفة! بجد بقى حاجة تقرف!» لثانية واحدة، بطني اتقبضت. لكن حاولت أطرد الفكرة من دماغي قلت لنفسي إنها مجرد صدفة غريبة… والأطفال ساعات بيألفوا كلام من دماغهم. لكن بعد أسبوع، المدرسة اتصلت بيا. قالوا: «ابنك دخل في خناقة كبيرة مع ستيفان… تاني. لازم تيجي فورًا.» أول ما دخلت المكتب، جريت على ابني. سألته بقلق:
«إنت كويس يا حبيبي؟» من غير ما ينطق، أشار بإيده للولد اللي كان قاعد ورايا.
ولما بصيت عليه…
اتجمدت مكاني.
نفس العيون الرمادي.
حتى علامة الميلاد الصغيرة اللي جنب حاجبه كانت مطابقة تمامًا.
كانوا شبه بعض بشكل مخيف…
كأن نفس الطفل اتقسم نصين.
الاختلاف الوحيد كان شعرهم.
شعر ابني كان فاتح، بينما شعر ستيفان كان أسود تقريبًا.
همست وأنا مش قادرة أصدق:
«إزاي ده ممكن يحصل؟»
رد المسؤول:
«إحنا مستنيين وليّ أمر الولد التاني… وساعتها هتفهمي كل حاجة.»
وفجأة…
الباب اتفتح بعنف.
لفّيت ورايا، وأول ما شفت الشخص اللي دخل… صرخت:
«إنت؟!»
الراجل اللي دخل مكتب المدرسة وقف مكانه.
كان جوزي السابق… والد ابني.
نفس الراجل اللي وقف جنب مكاني من 8 سنين، وطأ عينه وقال لي إن طفلي التاني «ماكملش».
بص لي.
وبعدين بص لابني.
وبعدين لستيفان.
وشه بقى أبيض كأنه شاف شبح.
همست:
«إنت بتعمل إيه هنا؟»
ما ردش.
المسؤول في المدرسة بص لنا باستغراب وقال:
«حضرتك والد ستيفان؟»
جوزي فتح بقه، لكن مفيش صوت خرج.
أنا حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
لفيت ناحية ستيفان.
العيون الرمادي.
علامة الميلاد.
نفس شكل ودان ابني.
حتى طريقته وهو بيعض شفته لما يكون متوتر كانت نفس طريقة ابني بالظبط.
رجعت بصيت لجوزي.
«سألتك سؤال… إنت بتعمل إيه هنا؟»
قال بصوت مبحوح:
«ممكن نتكلم بره؟» كل اللي في المكتب اتخض.
ابني قرب مني.
مسكت إيده فورًا.
قلت:
«هنتكلم هنا. مين الولد ده؟»
جوزي بص لستيفان.
قال:
«الموضوع مش زي إنتِ فاكرة.»
ضحكت من الصدمة.
«أنا أصلًا مش فاهمة حاجة! إنت اللي قلتلي ابني جوزي قال بسرعة:
«الأطفال يطلعوا بره الأول.»
لكن ستيفان وقف.
«بابا… هي بتقول إيه؟»
ابني بص لي.
«ماما؟»
حاولت أتماسك.
المسؤول تدخل وقال إن الأفضل الأطفال يقعدوا مع المرشدة الاجتماعية شوية.
خرج الولدين.
وقبل ما ستيفان يطلع، لف ناحية ابني.
لأول مرة ماكانش في عينه تحدي.
كان فيه خوف.
الباب اتقفل.
لفيت لجوزي.
«عندك دقيقة واحدة تقول الحقيقة.»
قعد على الكرسي.
حط إيده على وشه.
وبعدين قال:
«هما الاتنين عاشوا.»
حسيت الصوت اختفى من الدنيا.
قلت:
«إيه؟»
«التوأم… الاتنين عاشوا.»
رجعت خطوة لورا.
«لأ.»
«اسمعيني.»
«أنا عارف.»
«تمن سنين وأنا بترحم على ابني!»
«تمن سنين وأنا كل عيد ميلاد بحط شمعة زيادة في قلبي لطفل فاكرة إنه تحت التراب!»
جوزي بدأ يعيط.
«أنا غلطت.»
«غلطت؟!»
خبطت بإيدي على الترابيزة.
«ده مش غلط! الغلط إنك تنسى معاد! إنك تكسر حاجة! مش إنك تخبي طفل عن أمه تمن سنين!»
قلت وأنا ببص في عينه:
«ليه؟»
سكت.
«ليه عملت كده؟»
قال:
«أمي.»
اتجمدت.
«أمك؟»
نزل عينه.
«وقت الولادة حالتك كانت صعبة جدًا. كنتِ في العناية، والتوأم كانوا في الحضانات. واحد فيهم كان أضعف بكتير، والدكاترة في البداية كانوا قلقانين عليه.»
«وبعدين؟»
«حالته بدأت تتحسن.»
«وبعدين؟!»
«أمي كانت موجودة طول الوقت.»
بدأت أفهم قبل ما يكمل.
أمه عمرها ما حبتني.
كانت شايفة إني أخدت ابنها منها.
من أول يوم جواز وهي بتتعامل معايا كأني ضيفة مؤقتة.
قال:
«كانت بتقول إننا مش هنقدر نربي طفلين، وإن الديون كتير، وإنك لما تفوقي هتكوني محتاجة شهور عشان تتعافي.»
حدقت فيه.
«فعملتوا إيه؟»
«أختي ماكانتش بتخلف وقتها.»
إيدي بدأت تبرد.
«لأ…»
قال بسرعة:
«هي وجوزها كانوا نفسهم في طفل من سنين.»
صرخت:
«لأ!»
«أمي أقنعتني إن ده أحسن للجميع.»
فضلت باصة له.
ماكنتش قادرة أصدق إن الإنسان اللي قدامي هو نفس الراجل اللي كنت في يوم بنام وأنا مطمنة إنه جنبي.
قلت:
«وستيفان؟»
هز راسه.
«هو ابننا.»
رجلي ما شالتنيش.
قعدت.
ابني كان حي.
كل السنين دي كان حي.
بيكبر.
بيمشي.
بيتكلم.
بيحتفل بعيد ميلاده.
يدخل المدرسة.
وأنا ماعرفش.
همست:
«هو عارف؟»
«لأ.»
«أختك عارفة؟»
«طبعًا.»
رفعت عيني بسرعة.
«وجوزها؟»
سكت.
فهمت.
«كلكم كنتم عارفين؟»
قال:
«مش كل العيلة.»
«أمك؟»
«عارفة.»
«أختك؟»
«عارفة.»
«وإنت؟»
نزل راسه.
قلت:
«وأنا الوحيدة اللي كنت بزور قبر فاضي في دماغي؟»
ما ردش.
خرجت من المدرسة وأنا حاسة إني مش شايفة الطريق.
ما أخدتش ستيفان.
وما حاولتش أقول له حاجة.
مهما كان اللي اتعمل فيا، هو طفل.
وابني طفل.
ماكنتش هفجر حياتهم الاتنين في ممر مدرسة.
أخدت ابني وروحت البيت.
طول الطريق كان ساكت.
وأول ما دخلنا، سألني:
«ماما… ستيفان أخويا بجد؟»
قعدت قدامه.
ماكنتش عايزة أكذب.
وفي نفس الوقت، ماكانش عندي إثبات رسمي لسه.
قلت:
«فيه حاجات كبيرة لازم الكبار يتأكدوا منها الأول.»
قال:
«بس هو شبهي.»
دموعي نزلت.
«آه.»
«وأنا حاسس إنه شبهي من زمان.»
«عشان كده كان بيقول إن أبونا واحد؟»
هز راسه.
«مرة شاف بابا جاي ياخده من التدريب.»
اتجمدت.
«باباك كان بيروحله؟»
«آه. ستيفان قال إن ده باباه. وأنا قلتله ده بابايا أنا. هو ضحك وقال: يبقى إحنا إخوات.»
هنا فهمت.
جوزي ماكانش بس عارف إن ابنه عايش.
كان موجود في حياته.
كان بيشوفه.
طول السنين دي.
تاني يوم استعنت بمحامية.
ما كنتش عايزة انتقام.
كنت عايزة حقيقة موثقة.
طلبنا السجلات الطبية المتعلقة بالولادة بالطريق القانوني، وأي أوراق رسمية تخص الطفلين، وبدأنا نراجع اللي حصل فعلًا بدل ما أعتمد على اعتراف جوزي وحده.
وكل ورقة كانت بتكشف جزء جديد.
كان واضحًا في السجلات إن الولادة كانت لتوأم.
وإن الطفلين خرجا أحياء من الولادة.
مفيش شهادة وفاة للطفل التاني ضمن الأوراق اللي قدرت أوصل لها.
مفيش جنازة.
مفيش قبر.
القصة اللي عشت مصدقاها تمن سنين بدأت تقع قدامي ورقة ورا ورقة.
لكن إثبات إن ستيفان هو طفلي كان محتاج الطريق الرسمي المناسب.
وبعد الإجراءات اللازمة، حصل تحليل نسب.
يوم النتيجة…
كنت قاعدة قدام المحامية وإيدي بتترعش.
حطت الورقة قدامي.
ما احتجتش أقرأ غير السطر الأساسي.
النتيجة أثبتت إن الطفلين توأم، وإن ستيفان ابني البيولوجي.
غطيت بوقي بإيدي.
كنت فاكرة إني لما أتأكد هصرخ.
لكن ماصرختش.
فضلت أعيط في صمت.
تمن سنين من الحزن اتحولوا في ثانية لنوع تاني من الوجع.
ابني ما .
لكن طفولته اللي فاتت من غيري…
محدش يقدر يرجعهالي.
المواجهة الأصعب كانت مع أخت جوزي.
قابلتها بحضور المحامين.
أول ما دخلت، كانت بتعيط.
قالت:
«أنا عارفة إنك عمرك ما هتسامحيني.»
قلت:
«أنا مش جاية أتكلم عن مسامحة. أنا جاية أفهم.»
قالت:
«كنت مدمرة وقتها. كنت حاولت أخلف سنين، وكل المحاولات فشلت. وأمي قالت إنك حالتك خطيرة وإنك مش هتقدري تربي طفلين.»
«وإنتِ صدقتي إن أم تتنازل عن ابنها وهي فاقدة الوعي؟»
سكتت.
قلت:
«جاوبيني.»
همست:
«لأ.»
«يبقى كنتِ عارفة.»
بدأت تعيط أكتر.
«كنت خايفة لو فوقتي تاخديه.»
ضحكت بمرارة.
«لأنه ابني!»
قالت:
«بس هو ابني أنا كمان… أنا اللي ربيته.»
الجملة وجعتني.
لأن جزءًا منها كان حقيقة مؤلمة.
هي ارتكبت في حقي حاجة ماقدرش أوصفها.
لكن ستيفان كان بيناديها «ماما» من أول ما عرف الكلام.
هي اللي اهتمت بيه لما تعب.
هي اللي وصلته المدرسة.
هي اللي عاشت الثماني سنين اللي اتسرقوا مني.
ماكنتش هعاقب ابني بأنزع منه فجأة الإنسانة اللي عرفها كأم طول حياته.
قلت لها:
«أنا مش جاية أخطفه منك.»
رفعت عينيها.
«لكن مش هتسرقي منه الحقيقة أكتر من كده.»
بمساعدة متخصصين مناسبين للأطفال والأسرة، بدأنا نقول للولدين الحقيقة بالتدريج وبطريقة تناسب سنهم.
اليوم اللي عرف فيه ستيفان إني أمه البيولوجية…
قعد قدامي ساكت فترة طويلة.
كنت مستعدة إنه يكرهني.
مستعدة إنه يرفض يشوفني.
سألني:
«إنتِ كنتِ عارفة إني موجود؟»
السؤال كسرني.
هزيت راسي.
«لأ يا حبيبي.»
«يعني ما سبتيشني؟»
نزلت على ركبتي قدامه.
«عمري ما كنت هسيبك بإرادتي.»
فضل باصصلي.
وبعدين سأل:
«طب ليه بابا قالك إني مت؟»
ماعرفتش أجاوب.
قلت:
«ده سؤال هو لازم يجاوبك عليه لما تكون مستعد.»
ستيفان سكت.
وبعدين قال:
«يعني هو فعلًا أخويا؟»
وأشار لتوأمه.
ابتسمت وسط دموعي.
«أيوه.»
الولد التاني كان واقف بعيد.
قال بانتصار طفولي:
«ما أنا قلتلك!»
ستيفان بصله.
«وإنت ضربتني لما قلتلك!»
رد:
«عشان افتكرتك بتستفزني!»
ولأول مرة من أسابيع، ضحكت.
وستيفان ضحك.
وبعدين التوأم وقفوا جنب بعض.
نفس الطول تقريبًا.
نفس العيون.
نفس علامة الميلاد.
وفجأة ستيفان قال:
«طب مين فينا الكبير؟»
بصيت لهم.
ولأول مرة قدرت أقول معلومة عن يوم ولادتهم من غير ما أحس إن نص اليوم ضاع مني.
قلت:
«إنت جيت قبله بأربع دقايق.»
ستيفان ابتسم لأخوه.
«سمعت؟ احترم أخوك الكبير.»
رد التاني:
«أربع دقايق مش محسوبين!»
وانفجروا هما الاتنين في الضحك.
وأنا وقفت أبص عليهم.
ثماني سنين كنت بتخيل شكل ابني اللي فقدته.
كنت بسأل نفسي:
كان هيبقى طويل؟
كان هيحب الرسم؟
كان صوته هيبقى عامل إزاي؟
ماكنتش أعرف إنه كان على بعد شوارع مني.
وإن القدر نفسه هو اللي رجعه لأخوه…
في فصل مدرسة.
اللي حصل بعد كده ماكانش سهل ولا سريع.
بدأت إجراءات قانونية وأسرية معقدة لتصحيح الوضع وحماية حقوق الطفل، وكل قرار بقى بيتاخد بناءً على مصلحته هو، مش على غضب الكبار.
أما علاقتي بجوزي السابق…
فانتهت تمامًا.
قال لي مرة:
«كنت صغير وخايف، وأمي ضغطت عليا.»
قلت له:
«كنت أب.»
سكت.
قلت:
«وأنا كنت أم. والفرق إنك أخدت فرصة تختار… وأنا أخدت مني حتى فرصة أعرف إن ابني بيتنفس.»
ماكانش عندي كلام تاني أقوله.
بعد حوالي سنة، كنت واقفة في المطبخ بعمل تورتة.
سمعت خناقة جاية من الصالة.
«أنا الأكبر!»
«بأربع دقايق يا أهبل!»
«برضه أكبر!»
خرجت لقيتهم بيتخانقوا على مين يطفي الشموع الأول.
حطيت إيدي على وسطي.
«الاتنين مع بعض.»
وقفوا جنب بعض قدام التورتة.
بصيت للشمعتين اللي عليهم الرقم 9.
تسع سنين.
دي كانت أول مرة أشوف ابنيَّ الاتنين قدام تورتة عيد ميلاد واحدة.
غنينا.
نفخوا الشموع مع بعض.
وبعدها ستيفان قرب مني.
قال:
«ممكن أسألك سؤال؟»
«طبعًا.»
«السنة الجاية نعمل تورتتين؟»
ضحكت.
«ليه؟»
قال بمنتهى الجدية:
«عشان إحنا شخصين، مش نسخة من بعض.»
اتجمدت لحظة.
وبعدين حضنته.
«عندك حق.»
لأن دي كانت أهم حاجة اتعلمتها.
أنا قضيت شهور بعد اكتشاف الحقيقة أبص لهم وأقول:
شبه بعض قد إيه.
لكن مع الوقت بدأت أشوف الاختلافات.
واحد بيحب الكورة.
التاني بيحب الرسم.
واحد بياكل أي حاجة.
والتاني ممكن يقعد نص ساعة يشيل البصل من الساندوتش.
كانوا توأم…
لكن كل واحد فيهم كان طفل كامل لوحده.
وفي آخر الليل، بعد ما ناموا، دخلت أوضتهم.
كانوا نايمين في مكانين جنب بعض.
وقفت عند الباب.
افتكرت نفسي من تسع سنين وأنا بفوق بعد الولادة.
مكان طفل واحد جنبي.
وصوتي الضعيف:
«فين البيبي التاني؟»
وقتها قالولي:
«ماكملش.»
لكن الحقيقة؟
هو كمل.
كبر.
ضحك.
دخل المدرسة.
اتخانق مع أخوه.
ورجعلي بطريقة ماكانش ممكن أي حد يخطط لها.
قربت منهم، غطيت كل واحد بالبطانية، وطفيت النور.
وقبل ما أقفل الباب سمعت ستيفان يقول وهو شبه نايم:
«ماما؟»
وقفت.
قلبي دق.
رغم مرور شهور، الكلمة دي منه كانت لسه بتعمل فيا حاجة ماعرفش أوصفها.
قلت:
«نعم يا حبيبي؟»
قال:
«تصبحي على خير.»
ابتسمت نزلت على خدي.
«وإنت من أهله.»
قفلت الباب بهدوء.
ولا أقدر أمسح الوجع اللي حصل.
لكن عندي حاجة أهم من الماضي دلوقتي.
عندي بكرة.
وعندي طفلان بدل الواحد اللي صحيت عليه من تسع سنين.
والطفل اللي سنين أفتكره في دعائي…
بقى بيناديني:
**ماما.**
**تمت**




