حكايات روماني مكرم 2

فضلت طول الليل أفكر.
وفي الآخر، قلت لنفسي إن الحل بسيط.
هروح لنادية الصبح، أديها التليفون، بس قبلها أسبق وأفهمها إن مصطفى لما يكلمها ممكن يسألها عن “فلوس مساعدة”، وإنها لو اتسألت تقول له إنها بتاخد مني شغل وفلوس على حسب احتياجها.
كنت ببرر لنفسي:
“أنا مش بكذب… أنا بس بحاول أظبط الكلام.”
بس الحقيقة إني كنت بكذب.
وبحاول أخليها تدخل في الكذبة من غير ما تعرف.
تاني يوم، أخدت التليفون وروحت لها.
بيت نادية كان صغير جدًا.
شقتين وصالة ضيقة، والحيطان عليها رطوبة، وهدوم العيال متعلقة على حبل عند الشباك.
أول ما شافت علبة التليفون في إيدي، عينيها وسعت.
— إيه ده؟
ابتسمت بالعافية.
— مصطفى باعتهولك.
حطت إيدها على بقها.
— ليا أنا؟
— أيوه.
مسكت العلبة كأنها ماسكة حاجة غالية قوي.
وقالت:
— هو فاكرني؟
الجملة وجعتني.
قلت:
— طبعًا فاكرِك.
فتحت العلبة ببطء، ولمست الموبايل بإيد مرتعشة.
— يا نهار أبيض… ده غالي أوي يا صباح.
— هو عايز يكلمك فيديو.
ضحكت لأول مرة من قلبها.
— والله؟ إمتى؟
— النهاردة الساعة خمسة.
وفي اللحظة دي حسيت إن الوقت بيجري عليا.
قعدت جنبها وبدأت أعلمها تفتح الجهاز.
عملنا حساب واتساب.
وحفظت رقم مصطفى.
وبعدين قلت وأنا بحاول أبان طبيعية:
— بصي يا نادية… ممكن مصطفى يسألك عن الفلوس.
رفعت عينها لي.
— فلوس إيه؟
قلبي وقع.
قلت بسرعة:
— يعني… مساعدات كده، هو ساعات بيقول لي أديكي لما تكوني محتاجة.
نادية قطبت حواجبها.
— مساعدات؟ من مصطفى؟
— آه… يعني مش كل شهر، حاجات بسيطة.
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
— أنا عمري ما أخدت منه فلوس.
اتلخبطت.
قلت:
— ما أنا اللي بديكي لما تشتغلي عندي.
بصت لي باستغراب أكبر.
— بس دي أجرة شغلي يا صباح.
ضحكت ضحكة مصطنعة.
— أيوه طبعًا، قصدي يعني ساعات هو بيشارك في اللي بديهولك.
نادية سكتت.
وبصت لي نظرة غريبة.
لأول مرة حسيت إنها مش مطمنة لكلامي.
قالت:
— صباح… مصطفى كان بيبعتلي فلوس؟
قلت بسرعة:
— لا لا، أنا ما قلتش كده.
— أمال إنتِ قلتي إيه؟
قبل ما أرد، الموبايل الجديد رن.
الساعة كانت خمسة بالظبط.
اسم مصطفى ظهر على الشاشة.
مصطفى فيديو.
نادية ابتسمت.
— ده هو!
إيدي بردت.
قلت:
— استني بس، خليني أنا أرد الأول.
لكنها كانت أسرع.
فتحت المكالمة.
ظهر مصطفى على الشاشة.
أول ما شاف أخته، وشه نور.
— ناديــــة!
نادية ضحكت وعيطت في نفس الوقت.
— مصطفى! يا واد يا مصطفى! وحشتني يا أخويا!
وأنا واقفة جنبها، حاسة إن روحي بتطلع.
مصطفى فضل يسألها عن العيال.
عن المدرسة.
عن صحتها.
عن البيت.
وبعدين، بعد حوالي خمس دقايق، قال الجملة اللي كنت خايفة منها.
— قولي لي بقى… الستة آلاف اللي ببعتهم لك كل شهر مكفينك ولا لأ؟
الصمت نزل على المكان.
نادية بطلت تبتسم.
بصت لي.
وبعدين بصت للشاشة.
— ستة آلاف إيه؟
مصطفى سكت.
أنا دخلت بسرعة:
— قصده الفلوس اللي…
لكن نادية رفعت إيدها ناحيتي.
لأول مرة تعملها.
وقالت:
— استني يا صباح.
وبعدين بصت للشاشة تاني.
— إنت بتبعتلي ستة آلاف كل شهر؟
صوت مصطفى اتغير.
— أيوه. من تلات سنين.
وش نادية بقى أبيض.
— تلات سنين؟
قال:
— أيوه. ببعتهم لصباح وهي تديهملك.
سكتت.
وبعدين قالت بصوت واطي جدًا:
— صباح عمرها ما ادتني مليم باسمك.
مصطفى ما ردش.
أنا حسيت إن ركبتي مش شيلاني.
نادية كملت:
— أنا بروح عندها أنضف، وأغسل، وأطبخ، وأمسح السلم… وهي بتديني أجرتي.
مصطفى قال:
— أجرتك؟
— أيوه. ألف جنيه في المرة. أربع مرات في الشهر تقريبًا.
سمعت نفس مصطفى اتغير.
وبعدين قال:
— يعني الأربع آلاف اللي بتاخديهم… مقابل شغل؟
— أيوه.
سكت.
وبعدين قال:
— وصباح عمرها ما قالتلك إن أنا ببعتلك ستة آلاف من غير مقابل؟
نادية بصت لي.
الدموع بدأت تنزل من عينيها.
قالت:
— لا.
الموبايل وقع تقريبًا من إيدها.
وأنا دخلت بسرعة:
— مصطفى، اسمعني…
صرخ من الشاشة:
— إنتِ تسكتي!
اتجمدت.
عمري ما سمعته بيكلمني بالنبرة دي.
قال:
— تلات سنين وأنا بسألك كل شهر: وصلتي الفلوس لنادية؟ وتقولِي حاضر.
قلت وأنا بعيط:
— كنت بديها أربعة…
صرخ:
— مقابل شغل!
ماعرفتش أرد.
قال:
— يعني أختي كانت بتغسل لك الأرض وتطبخ لك وتنضف بيتك عشان تاخد جزء من فلوسها؟
نادية حطت إيدها على وشها.
وأنا حاولت أبرر:
— أنا كنت بعمل كده عشان ما تحسش إنها بتاخد صدقة.
مصطفى ضحك بمرارة.
— صدقة؟ دي مش صدقة! دي فلوس أخ لأخته وعيال أخته!
قلت:
— وأنا كنت بشيل الباقي للزمن.
قال:
— فينهم؟
سكت.
— سألتك فينهم يا صباح؟
قلت بصوت واطي:
— صرفت جزء.
مصطفى ما اتكلمش.
الصمت بتاعه كان أخوف من الصراخ.
نادية قالت وهي بتبكي:
— أنا كنت بطلب شغل زيادة عشان أدفع مدرسة العيال…
مصطفى بص لها من الشاشة.
ملامحه اتكسرت.
— يا نادية… أنا الشهر اللي فات بعتلك ألفين زيادة عشان المدرسة.
نادية شهقت.
بصت لي.
وقالت:
— ألفين زيادة؟
أنا ماقدرتش أبص في عينها.
قالت:
— وأنا بنتي كانت هتتقفل عليها المدرسة عشان تلاتة آلاف!
الكلمة دي كانت أقسى من أي شتيمة.
مصطفى قال:
— صباح، أنا راجع مصر.
رفعت راسي بسرعة.
— راجع؟
— أيوه.
— إمتى؟
— أول طيارة ألاقيها.
قلت بخوف:
— مصطفى، والنبي ما تكبر الموضوع…
قال بهدوء مرعب:
— إنتِ اللي كبرتيه من تلات سنين.
وقفل المكالمة.
فضلت واقفة.
نادية قدامي.
الموبايل الجديد في إيدها.
وعينيها مليانة دموع.
قلت:
— نادية… اسمعيني.
قالت:
— لأ.
قربت منها.
— والله العظيم أنا ما كنتش قصدي أضرك.
ضحكت وهي بتعيط.
— ما كنتيش تقصدي تضريني؟
وأشارت لنفسها.
— أنا كنت بغسل حمامك يا صباح بفلوسي؟
ماعرفتش أرد.
قالت:
— كنت بشيل السجاد على ضهري بفلوسي؟
سكت.
— كنت بسيب عيالي لوحدهم وأجيلك أنضف لك البيت عشان آخد جزء من فلوسي؟
قلت:
— أنا كنت خايفة تطمعي…
أول ما الكلمة خرجت من بوقي عرفت إني غلطت.
وشها اتغير.
— أطمع؟
قالتها بهدوء.
— أنا أطمع؟
وبعدين بصت حواليها في شقتها الصغيرة.
— أنا اللي لما كنتِ تديني ألف زيادة كنت أرجعهالك وأقولك كتير؟
سكت.
— أنا اللي لما عرضتي عليا سلف لمصاريف المدرسة قلتلك لأ، عشان الحاجة اللي مش بتاعتي ما ترتاحش في إيدي؟
نزلت عيني.
قالت:
— وإنتِ كنتِ بتاخدي الحاجة اللي مش بتاعتك بكل راحة.
ماقدرتش أقول حاجة.
فتحت الباب.
وقالت:
— امشي يا صباح.
— نادية…
— لو سمحتي امشي.
خرجت.
وأول ما الباب اتقفل ورايا، عرفت إن المشكلة ما بقتش مصطفى بس.
أنا خسرت ثقة اتنين في لحظة واحدة.
رجعت بيتي وأنا مش قادرة أبطل عياط.
وأول ما دخلت، لقيت رسالة من مصطفى.
فتحتها.
كانت صورة حجز طيران.
وتحتها جملة واحدة:
“وصولي بكرة الساعة 11 الصبح. حضري كشف بكل جنيه استلمتيه باسمي وكل جنيه وصل لنادية.”
قعدت على الكنبة.
وحطيت إيدي على راسي.
أنا ماكانش عندي كشف.
ماكانش عندي حتى الفلوس.
لكن الأسوأ من ده كله…
إن تاني يوم الصبح، قبل وصول مصطفى بساعتين، جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت نادية واقفة.
بس المرة دي ماكانش في إيدها جردل ولا مقشة.
كان في إيدها كيس كبير.
حطته قدامي وقالت:
— دي كل الهدوم والحاجات اللي كنتِ بتديهالي بعد التنضيف.
قلت باستغراب:
— إنتِ بتعملي إيه؟
قالت:
— برجعلك كل حاجة.
وبعدين طلعت من شنطتها ورقة.
— ودي حساب الأربع آلاف اللي كنتِ بتديهالي كل شهر على إنها أجرة شغل.
بصيت لها.
قالت:
— أنا مش جاية آخد منك فلوسي.
سألت:
— أمال جاية ليه؟
بصت لي في عيني وقالت:
— جاية أقولك حاجة قبل ما أخويا يوصل.
وسكتت لحظة.
ثم قالت:
— مصطفى ما يعرفش إن الموضوع مش أول مرة.
اتجمدت.
— قصدك إيه؟
قربت مني.
— من سنة ونص، كنت عندك بنضف … ولقيت ورقة تحويل وقعت من درجك.
قلبي وقف.
قالت:
— شفت اسمي عليها.
بصيت لها مش مصدقة.
— يعني… إنتِ كنتِ عارفة؟
هزت راسها.
— عرفت إن أخويا بيبعت فلوس.
الدنيا لفت بيا.
صرخت:
— وعرفتي وسكتي؟!
نادية مسحت دموعها وقالت:
— أيوه.
— ليه؟!
ردت بجملة خلتني ماعرفش أنطق:
— عشان كنت مستنية أشوف… إنتِ هتوقفي لوحدك إمتى.
يتبع…



