روايات وقصص

حوش عيسى حكايات اسما السيد 2

الجملة وقعت عليا كأن حد  في صدري.

— يعني إيه أعرف أبويا  إزاي؟ أبويا  بأزمة قلبية… أنا بنفسي كنت في المستشفى يومها.

سارة فضلت ساكتة.

— ردي عليا يا سارة.

رفعت عينيها ليا وقالت:

— أبوك دخل المستشفى بأزمة فعلًا… بس قبلها بساعات كان عندي في القاهرة.

اتجمدت.

— عندك إنتِ؟

— آه.

— وإنتِ ماقولتيليش؟!

— هو اللي منعني.

حسيت إني مش فاهم أي حاجة.

سارة قعدت على طرف السرير، حطت إيدها على بطنها، وبدأت تحكي.

— قبل وفاته بحوالي سبع شهور، أبوك كلمني وقال إنه محتاج استشارة قانونية من غير ما حد يعرف. وقتها إنت كنت فاكر إني سبت المحاماة نهائي، لكن الحقيقة إني كنت لسه بساعد في قضايا بسيطة من بعيد.

— كان عايز إيه؟

— كان شاكك إن في فلوس بتختفي من المصنع.

افتكرت فجأة إن أبويا قبل موته بكام شهر كان متغير.

كان يقفل على نفسه المكتب بالساعات.

يسألني أسئلة غريبة عن حسابات المصنع.

وفي مرة قال لي:

“يا محمود، لو جرالي حاجة، متصدقش كل حاجة تتقال لك.”

وقتها ضحكت وقلت له يبطل كلام وحش.

دلوقتي الجملة رجعت ترن في ودني.

سارة كملت:

— راجعنا الحسابات. اكتشفنا تحويلات بمبالغ كبيرة لشركة باسم شخص مالوش أي علاقة بالمصنع في الظاهر.

— مين؟

سكتت ثانيتين.

— جوز داليا.

رجعت خطوة لورا.

— مستحيل.

— أنا كمان تمنيت يكون مستحيل.

فتحت الموبايل وورتني صور تحويلات بنكية.

أرقام.

تواريخ.

إمضاءات.

وفي أكتر من ورقة كان فيه توقيع أمي.

قلت وأنا حاسس بمرارة في بقي:

— يعني أمي وداليا كانوا بيسرقوا أبويا؟

— في الأول كنا فاكرين كده.

— وفي الآخر؟

بصتلي.

— اكتشفنا إن الموضوع أكبر من سرقة.

قبل ما أسأل، صوت خبط عنيف جه على الباب.

خرجت بسرعة.

لقيت أمي واقفة في الصالة، لكن داليا اختفت.

— داليا راحت فين؟

أمي ردت ببرود:

— بيتها.

— من غير ما تقول حاجة؟

— خايفة من مراتك المحامية.

قربت منها.

— كنتِ بتسرقي أبويا؟

لأول مرة، عينيها اتهزت.

لكنها تماسكت بسرعة.

— أبوك كان راجل كبير ومريض، وأنا كنت بدير كل حاجة.

— بس الفلوس كانت بتروح لشركة جوز داليا.

صرخت:

— علشان كان بيساعدنا!

سارة خرجت من الأوضة.

— بيساعدكم في إيه يا مدام نعمت؟ بيع أرض من غير علم صاحبها؟ ولا رهن جزء من المصنع بعقود مزورة؟

أمي اندفعت ناحيتها.

— اخرسي!

وقفت بينها وبين سارة.

— صوتك ما يعلاش عليها تاني.

أمي بصتلي كأنها مش مصدقة.

— بقيت تقف قدام أمك علشانها؟

— لأ… بقيت أقف قدام الغلط.

وشها اتغير.

قربت مني وقالت بصوت واطي:

— إنت لسه ما تعرفش مراتك عملت إيه في أبوك.

لفيت لسارة.

— عملت إيه؟

أمي ابتسمت.

— اسألها مين آخر واحدة أبوك قابلها قبل ما يتعب.

قلت:

— هي قالتلي… كانت هي.

— طيب اسألها ليه أبوك نقل كل حاجة باسمها هي، مش باسم ابنه الوحيد.

سارة قالت:

— لأنك عارفة السبب.

أمي ضحكت.

— أنا عارفاه… بس محمود لأ.

حسيت إن رأسي هتنفجر.

— حد يفهمني!

أمي قربت من الترابيزة، شالت شنطتها وقالت:

— أبوك اكتشف قبل موته إن محمود ممكن يخسر حقه في كل حاجة.

قلت:

— ليه؟

وقبل ما ترد، الباب اتفتح.

داليا دخلت.

لكنها ماكانتش لوحدها.

كان معاها راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي وماسك ملف أسود.

أول ما سارة شافته، وشها اتغير.

الراجل بص لأمي وقال:

— كان لازم تقوليلي إن الظرف اتفتح.

سألت:

— مين حضرتك؟

ما ردش عليا.

حط الملف على الترابيزة وفتحه.

طلع شهادة قديمة جدًا.

وبعدين بص لي.

— اسمك محمود عبد الرحمن؟

— آه.

طلع بطاقة من جيبه.

— أنا المستشار القانوني اللي كان مسؤول عن أوراق والدك قبل وفاته.

أمي صرخت:

— ملكش دعوة! امشي من هنا!

الراجل تجاهلها.

وقال لي:

— والدك سلمني الملف ده وقال لي ما افتحوش قدامك إلا لو حصل واحد من شرطين… يا إما زوجتك تولد، يا إما حد يحاول يتصرف في المصنع قبل الولادة.

قلبي بدأ يدق أسرع.

— وليه ولادة ابني مهمة للدرجة دي؟

فتح الملف.

طلع ورقة مختومة.

لكن قبل ما يديني إياها، بص لسارة.

— إنتِ ماقولتيلوش؟

سارة هزت راسها.

— وعدت والده.

خدت الورقة من إيده.

كانت وثيقة تأسيس قديمة للمصنع.

اسم أبويا مكتوب فيها.

وتحته اسم شخص تاني عمرى ما سمعته.

قلت:

— مين الراجل ده؟

المستشار قال:

— الشريك الأصلي لوالدك.

— وماله بابني؟

قلب الصفحة.

كان فيه بند محدد عليه بالقلم الأحمر.

قرأته مرة.

واتنين.

وتلاتة.

وبعدين رفعت عيني وأنا مصدوم.

المستشار قال:

— نصف المصنع أصلًا ماكانش ملك والدك علشان يورثه لأي حد.

أمي بدأت ترجع ناحية الباب.

مسكتها بعيني.

— استني… رايحة فين؟

قالت بتوتر:

— تعبت.

لكن المستشار كمل:

— الشريك مات من سنين، وحصته انتقلت لوريثه الوحيد.

قلت:

— مين وريثه؟

سكت.

وبص لسارة.

أنا كمان بصيتلها.

سارة دموعها نزلت.

وقالت:

— أبويا.

مافهمتش في الأول.

وبعدين فهمت.

— يعني… أبوكي كان شريك أبويا؟!

هزت راسها.

المستشار قال:

— وده معناه إن سارة كانت مالكة لنص المصنع قبل ما تتجوزك أصلًا.

بصيت لأمي.

كل الإهانات رجعت في دماغي.

“طمعانة في فلوسنا.”

“بنت فقيرة.”

“جايالك علشان المصنع.”

“ملهاش حاجة عندنا.”

وسارة كانت ساكتة.

قلت بصوت :

— ليه ماقولتيليش؟

قالت:

— لأن أبويا مات وأنا صغيرة، ووالدك كان بيدير نصي في المصنع بأمانة. ولما كبرت، اتفقت معاه إني ماطالبش بحاجة طول ما المصنع فاتح بيوت العمال.

المستشار قاطعها:

— لكن ده مش كل شيء.

طلع ورقة تانية.

— والد محمود اكتشف إن نعمت بتحاول تبيع المصنع كله… بما فيه نص سارة.

أمي صرخت:

— كفاية!

لكنه كمل:

— علشان كده نقل نصه هو كمان باسم سارة مؤقتًا، ومنع التصرف فيه لحد ولادة أول طفل ليها من محمود.

قلت:

— ليه؟

الراجل بص لي مباشرة.

— لأنه كتب في وصيته إن بعد ولادة الطفل، الملكية يعاد تقسيمها بينك وبين سارة والطفل بطريقة تمنع أي فرد من بيع المصنع وحده.

أخيرًا فهمت معنى “الطفل هو المفتاح”.

لكن سارة فجأة مسكت بطنها.

شهقت.

— محمود…

جريت عليها.

— مالك؟

وشها كان شاحب.

— بطني…

وبصيت تحت رجليها.

المية بدأت تنزل.

صرخت:

— سارة!

المستشار قرب بسرعة.

— لازم مستشفى فورًا.

شلتها بين إيديا وخرجت بيها.

لكن وأنا بعدّي من جنب أمي، سمعتها بتقول لداليا بصوت واطي جدًا:

— لو الطفل اتولد… إحنا خسرنا كل حاجة.

وقفت.

بصيت لها.

لكن سارة صرخت من الوجع، فخرجت بيها ناحية العربية.

ماكنتش أعرف إن الجملة اللي سمعتها كانت أخطر من كل الأوراق اللي اكتشفناها.

لأن بعد أقل من ساعة، وإحنا في المستشفى…

الدكتورة خرجت من أوضة الكشف وهي متوترة.

وقالتلي:

— مين كان مسؤول عن أكل وشرب مراتك النهارده؟

اتجمدت.

— ليه؟

بصتلي بجدية.

— لأن التحاليل فيها حاجة مش طبيعية… وإحنا محتاجين نعرف فورًا هي شربت إيه قبل ما تيجي هنا.

وساعتها افتكرت كوباية الأعشاب اللي أمي أصرت إن سارة تشربها الصبح.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى