حوش عيسى حكايات اسما السيد 1

دخلت الحوش، لقيت مراتي الحامل بتترعش وهي بتغسل الهدوم، وإيديها بقت زرقا من شدة البرد. أمي رمت عليها جردل مية ساقعة وقالت باحتقار:
— يا فلاحة يا فاشلة! إنتِ حتى الهدوم مش عارفة تفرزيها؟!
جريت ناحيتهم، لكن مراتي مسكت إيدي وهمست:
— متوقفهاش… الأول شوف إيه اللي خبيته في جيب جاكت أمك.
طلعت الظرف، وساعتها فهمت إن الإهانة دي كانت مجرد البداية…
المية الساقعة نزلت على سارة كأنها صفعة، وصرختها ضربت قلبي قبل ما ألحق أعدّي الحوش. كانت راكعة جنب حوض الغسيل، حامل في الشهر التامن، وإيديها زرقا وجسمها كله مبلول من برد يناير.
أمي، نعمت، كانت ماسكة الجردل الفاضي وبتبصلها بابتسامة كلها احتقار.
— يا فلاحة يا فاشلة! إنتِ حتى الهدوم مش عارفة تفرزيها؟!
حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت. جريت عليها، لكن سارة مسكتني من إيدي.
— متوقفهاش… — همست وهي بتخبط سنانها من البرد — الأول شوف إيه اللي خبيته في جيب جاكت أمك.
وش أمي اصفر فجأة.
مديت إيدي في جيب الجاكت وطلعت ظرف أصفر قديم، عليه ختم مكتب توثيق في القاهرة.
جواه كان فيه نسخة من عقد ملكية، وتوكيل بنكي، وخطاب موقع بإيد أبويا الله يرحمه.
قريت سطرين بس، ورفعت عيني وأنا مش قادر آخد نفسي.
البيت اللي عايشين فيه مش ملك أمي.
ولا الأراضي.
ولا حتى مصنع العصير الصغير اللي طول عمرها بتقول إنه بتاعها.
كل حاجة كانت اتنقلت قانونيًا باسم سارة قبل أبويا بست شهور.
— دي كدبة! — صرخت نعمت. — مراتك هي اللي مزورة الورق!
سارة قامت بصعوبة، لكن كان في عينيها هدوء غريب، هدوء عمري ما شفته قبل كده.
— أبوك طلب مني أخلي الموضوع سر لحد ما الطفل يتولد. كان عارف إنك هتحاولي تبيعي كل حاجة.
أمي اندفعت ناحية الظرف، لكني بعدته عنها.
سنين وأنا بصدق إهاناتها وأوامرها وتهديداتها.
كانت دايمًا تقنعني إن سارة متجوزاني علشان الفلوس، مع إننا بالكاد كنا عايشين من مرتبي ككهربائي.
أمي كانت بتدير المصنع، وبتقبض إيجارات الأراضي، وبتكرر طول الوقت إن كل حاجة ملكها.
وفجأة ظهرت أختي داليا من المطبخ.
— يا محمود، متبقاش أهبل. الست دي بتلعب بعقلك.
سارة بصتلها في عينيها وقالت:
— وإنتِ كمان هتقولي إنك مش معترفة بإمضتك؟
وطلعت من جيب مريلتها صورة لعقد بيع كانت داليا بتحاول تسجله الصبح.
السعر المكتوب فيه كان تلت قيمة العقار الحقيقية، والمشتري كان شركة مرتبطة بجوزها.
أمي رجعت تبتسم بثقة وقالت:
— حتى لو الورق ده حقيقي، محدش هيصدق واحدة خدامة ومن غير تعليم.
سارة ضغطت على إيدي وقالت بهدوء:
— ده اللي هما فاكرينه.
ساعتها بس عرفت السر اللي مراتي كانت مخبياه عني.
قبل ما ترجع بلدها علشان ترعى أمها المريضة، كانت سارة محامية متخصصة في قضايا النصب والاستيلاء على الممتلكات.
وطول الشهور اللي فاتت، وهي بتتظاهر إنها مجرد ست غلبانة وضعيفة، كانت بتجمع كل إيصال، وكل تسجيل، وكل تحويل بنكي.
في اليوم ده، أنا ما أنقذتهاش.
هي كانت بتحضر من شهور علشان تنقذنا كلنا…
يتبع في التعليقات 👇لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
أول حاجة عملتها إني سحبت سارة من قدام الحوض ولفيت عليها الجاكت بتاعي.
— كفاية يا أمي… اللي حصل ده مش هيتكرر تاني.
أمي ضحكت بسخرية، كأن الظرف اللي في إيدي ماكانش موجود أصلًا.
— وإنت صدقت شوية الورق دول يا محمود؟ دي واحدة بتضحك عليك من يوم ما دخلت البيت.
كنت هرد، لكن سارة شدت على إيدي وقالت بصوت واطي:
— محمود… دخلني جوه الأول.
بصيت عليها، لقيت شفايفها مزرقة وجسمها بيترعش، فشلتها تقريبًا ودخلت بيها أوضتنا.
داليا جريت ورانا وهي بتقول:
— استنى! الظرف ده بتاع أمي، هاته!
لفيت لها.
— من اللحظة دي، محدش هيلمسه.
قفلت الباب.
جبت لسارة هدوم ناشفة، وشغلت الدفاية، وقعدتها على السرير وأنا مش عارف أسألها عن إيه الأول.
عن أبويا؟
عن البيت؟
عن المصنع؟
ولا عن إنها كانت محامية طول الوقت وماقالتليش؟
قعدت قدامها وقلت:
— سارة… أنا عايز الحقيقة كلها.
بصتلي فترة طويلة، وبعدها مدت إيدها تحت المرتبة وطلعت موبايل قديم.
— الحقيقة موجودة هنا.
فتحت الموبايل.
كان عليه عشرات التسجيلات والصور.
أمي وهي بتتكلم مع سمسار.
داليا وهي بتصور أوراق من مكتب أبويا القديم.
جوز داليا وهو بيقول إن المصنع لازم يتباع بسرعة قبل ما “الوريث الحقيقي يظهر”.
وقفت عند الجملة دي.
— الوريث الحقيقي؟ مين؟
سارة ما ردتش.
فتحت تسجيل تاني.
وصوت أمي طلع واضح:
— لازم كل حاجة تخلص قبل ما سارة تولد… أول ما الطفل ييجي الدنيا، الموضوع هيبقى أصعب.
حسيت الدم وقف في عروقي.
بصيت لبطن سارة.
— ابني ماله بكل ده؟
سارة قفلت الموبايل وقالت:
— أبوك ما نقلش الممتلكات باسمي علشان بيحبني أكتر منكم… عمل كده علشان يحمي حاجة أكبر.
— إيه هي؟
قبل ما تجاوب، سمعنا صوت باب البيت الخارجي بيتفتح بعنف.
وبعدها صوت راجل غريب في الصالة:
— مدام نعمت؟ إحنا جايين ناخد الورق قبل ما تحصل مشكلة.
سارة قامت مرة واحدة.
الخوف ظهر في عينيها لأول مرة.
— وصلوا أسرع مما توقعت.
— مين دول؟
بصتلي وقالت:
— الناس اللي أمك كانت هتبيع لهم المصنع النهارده.
خرجت للصالة.
لقيت راجلين واقفين جنب أمي، واحد منهم ماسك شنطة أوراق، والتاني واقف عند الباب.
أمي رجعت لها ثقتها فورًا.
— أهو محمود جه… خلوه يمضي هو كمان ونخلص.
الراجل فتح الملف وحط قدامي ورقة.
بصيت لأول سطر.
“إقرار بالتنازل عن الحقوق الميراثية.”
رفعت عيني لأمي.
— إنتِ كنتِ عايزاني أتنازل عن ورث أبويا؟
قالت ببرود:
— ورث إيه يا حبيبي؟ دي إجراءات علشان نحافظ على المصنع.
لكن سارة خرجت من الأوضة وقالت:
— لأ… دي مش إجراءات.
الراجل بص لها.
هي كملت:
— ده إقرار معمول علشان محمود يشهد بنفسه إن أبوه ماكانش مالك الممتلكات وقت وفاته… وبكده تقدروا على نقل الملكية.
الصالة سكتت.
الراجل قفل الملف بسرعة.
— حضرتك مين؟
سارة قربت منه خطوة.
— المحامية اللي هتثبت إن العقد اللي في إيدك جزء من محاولة على ممتلكات.
داليا صرخت:
— محامية إيه؟!
سارة ابتسمت لأول مرة.
— أهو كده ابتدينا نتعرف على بعض.
الراجلين بصوا لبعض، ولمّوا أوراقهم ومشيوا بسرعة.
لكن قبل ما واحد منهم يخرج، وقف وبص لأمي وقال:
— إحنا ما اتفقناش إن مرات ابنك عارفة حاجة.
ساعتها عرفت إن أمي ماكنتش ضحية داليا ولا جوزها.
أمي كانت شريكة من البداية.
لكن الصدمة الحقيقية حصلت لما سارة فتحت الظرف الأصفر مرة تانية.
كان فيه ورقة صغيرة مطوية مستخبية جوه بطانة الظرف.
فتحتها.
واتغير وشها.
— إيه؟
ناولتهالي.
كانت رسالة بخط أبويا.
وفي آخرها جملة واحدة:
“لو محمود قرأ الرسالة دي، يبقى نعمت عرفت إن الطفل هو مفتاح كل حاجة.”
رفعت عيني لسارة.
— ابني مفتاح إيه يا سارة؟
حطت إيدها على بطنها، وقالت:
— لازم تعرف الأول أبوك مات إزاي فعلًا.
يتبع…




