Uncategorized

حوش عيسي حكايات اسما السيد 3

حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.

— تقصدي إيه يا دكتورة؟ حاجة مش طبيعية إزاي؟

الدكتورة بصتلي بجدية وقالت:

— مش هسبق التحاليل النهائية، لكن في مؤشرات خلتنا نسأل عن أي أدوية أو أعشاب أو مشروبات أخدتها النهارده. خصوصًا إنها حامل في الشهر التامن وبدأت عندها انقباضات بدري.

افتكرت الصبح.

كنت نازل الشغل، وأمي واقفة قدام سارة بكوباية أعشاب سخنة.

— اشربيها يا بنتي… دي مفيدة للحامل.

حتى استغربت وقتها من طريقتها.

لأن أمي من شهور ما قالتش لسارة كلمة حلوة.

بصيت للدكتورة.

— شربت أعشاب الصبح… أمي اللي عملتهالها.

— تعرف كانت إيه؟

— لأ.

— طيب حاول تجيب أي بقايا منها أو المكونات اللي استخدمتها. وإحنا هنكمل الفحوصات هنا.

طلعت موبايلي واتصلت بأمي.

مقفول.

اتصلت بداليا.

مقفول.

ساعتها قلبي قال لي إن الموضوع مش صدفة.

اتصلت بالمستشار اللي كان معانا في البيت.

رد بسرعة.

— محمود؟

— حضرتك لسه عند البيت؟

سكت ثانيتين.

— لأ… خرجت وراكم، لكن في حاجة حصلت لازم تعرفها.

— إيه؟

— أمك وداليا خرجوا بعدكم بدقايق، وكان معاهم شنطتين.

حسيت نفسي اتخنقت.

— خدوا إيه؟

— معرفش، لكن لما رجعت أجيب ملف نسيته، لقيت باب مكتب والدك مفتوح والخزنة فاضية.

قفلت المكالمة وجريت على البيت.

وأنا في الطريق، كل موقف قديم بدأ يتجمع قدامي.

إصرار أمي إن سارة تفضل معاها في البيت.

رفضها إني أجيب حد يساعدها وهي حامل.

إهانتها المستمرة.

محاولتها تخليني أشك في مراتي.

والنهارده بالذات…

الكوباية.

جردل المية الساقعة.

عقد البيع.

كأن كل حاجة كانت لازم تخلص النهارده.

وصلت البيت ودخلت المطبخ.

كل حاجة كانت متقلبة.

فتحت الدولاب اللي أمي بتحط فيه الأعشاب.

فاضي.

ولا كيس واحد موجود.

لكن وأنا بقفل الباب، لمحت حاجة صغيرة واقعة ورا البوتاجاز.

كيس ورق مقطوع.

شيلته بمنديل، وحطيته في كيس نظيف من غير ما ألمس اللي جواه.

وفجأة سمعت صوت ورايا.

— بتدور على إيه؟

لفيت بسرعة.

كانت داليا.

واقفة عند باب المطبخ.

لوحدها.

— أمك فين؟

— مش عارفة.

— بتكدبي.

— محمود، إنت اتجننت؟ مراتك لعبت في دماغك.

قربت منها.

— ليه موبايلك كان مقفول؟

— البطارية فصلت.

— وليه مكتب أبويا اتفتح؟

سكتت.

— وليه الخزنة فضيت؟

ملامحها بدأت تتغير.

وبعدين بصت للكيس اللي في إيدي.

الخوف ظهر في عينيها.

مدت إيدها بسرعة.

— هاته.

رجعت خطوة.

— ليه؟

— ده زبالة.

— وإنتِ عرفتي منين هو إيه أصلًا؟

سكتت.

وكان سكوتها كفاية.

حطيت الكيس في جيبي.

— ابعدي من قدامي.

وقبل ما أخرج قالت:

— محمود… لو بتحب مراتك بجد، متكبرش الموضوع.

وقفت.

— يعني إيه؟

قالت وهي بتحاول تثبت صوتها:

— يعني يمكن أمي غلطت… بس ماكانش قصدها يحصل لسارة حاجة.

اتجمدت.

— أنا ماقولتش إن أمي عملت حاجة.

داليا فهمت غلطتها.

وشها اصفر.

— أنا… قصدي…

قربت منها.

— إنتِ عارفة إيه؟

فجأة انفجرت:

— أنا مليش دعوة! جوزي هو اللي قال لأمي إن لازم البيع يتم قبل الولادة! هو اللي قال إن بعد الولادة العقود هتبقى مالهاش قيمة!

— والكوباية؟

حطت إيديها على ودانها.

— معرفش!

— داليا!

صرخت:

— أمي قالت إنها هتخلي سارة تتعب يومين بس! قالت مش هيحصلها حاجة!

الكلام نزل عليا كالصاعقة.

— تتعبها ليه؟

بدأت تعيط.

— علشان تأجل الولادة؟ تخوفها؟ معرفش! والله معرفش!

— وأمي فين؟

— راحت لجوزي.

— فين؟

قالت اسم مخزن قديم تابع للمصنع.

سابتها وجريت على المستشفى الأول.

سلمت الكيس للدكتورة وشرحت لها اللي حصل.

وبعدها طلبت منهم يوثقوا كل حاجة طبيًا ويتصرفوا بالطريقة القانونية اللازمة لو ظهر أي شيء مريب.

دخلت لسارة.

كانت على السرير، وأجهزة المتابعة حواليها.

أول ما شافتني، مدت إيدها.

مسكتها.

— الطفل؟

قالت بصوت ضعيف:

— الدكتورة قالت نبضه كويس… بيحاولوا يوقفوا الانقباضات.

حطيت راسي على إيدها.

— سامحيني.

— على إيه؟

— على كل مرة سكت فيها. كل مرة قلتلك: “استحملي أمي علشاني.”

سارة بصتلي وقالت:

— الحساب بعدين يا محمود… دلوقتي لازم تلحق الملف.

رفعت راسي.

— ملف إيه؟

— الخزنة.

— إنتِ عارفة إنهم أخدوه؟

— كنت متوقعة.

— فيه إيه؟

قالت:

— الأصل الوحيد لوصية أبوك… ومعاها دفتر حسابات المصنع الحقيقي.

— يعني لو اختفى؟

— هنقدر نثبت حاجات كتير بالنسخ… لكن هما ممكن يستخدموا الأصل في حاجة أخطر.

— إيه؟

— تزوير تنازل جديد.

افتكرت كلام داليا عن المخزن.

قمت.

— عارف هما فين.

سارة شدت إيدي.

— متروحش لوحدك.

اتصلت بالمستشار وقلتله كل حاجة، وطلبت منه يتصرف رسميًا ويتواصل مع الجهات المختصة.

وبعدها اتحركت ناحية المصنع.

لما وصلت قريب من المخزن القديم، ما دخلتش.

وقفت بعيد.

من الشباك الجانبي شوفت أمي.

وداليا.

وجوز داليا.

وقدامهم الأوراق.

جوز داليا كان ماسك ولاعة.

سمعته بيقول:

— الأصل يتحرق، والنسخة الجديدة تتقدم بكرة، وساعتها خلي المحامية تثبت اللي هي عايزاه.

أمي كانت متوترة.

— وإنت متأكد إن محمود هيمضي؟

ضحك.

— لما يعرف الحقيقة عن أبوه، هيمضي وهو ساكت.

تجمدت.

أي حقيقة تانية لسه مستخبية؟

قربت أكتر من الشباك.

أمي قالت:

— إحنا اتفقنا إن محمود عمره ما يعرف إن أبوه اكتشف موضوع الحساب قبل موته.

جوز داليا رد:

— المشكلة مش في الحساب.

سكت لحظة.

وبعدين قال الجملة اللي خلتني أنسى حتى إني بتنفس:

— المشكلة في التسجيل اللي أبوكي سجله ليلة ما تعب.

أمي صرخت:

— التسجيل ده اتدمر!

ضحك جوز داليا.

— لأ.

وطلع من جيبه فلاشة صغيرة.

— كان موجود في الخزنة.

أمي اندفعت عليه.

— اديني الفلاشة!

رفع إيده بعيد عنها.

— اهدَي… دي ضماني.

وبعدين شغل لابتوب قديم فوق الترابيزة.

ضغط على الملف.

وطلع صوت أبويا.

صوت تعبان… لكنه واضح.

— لو التسجيل ده وصل لمحمود، يبقى أنا غالبًا ماقدرتش أقوله بنفسي…

حسيت رجلي مش شايلاني.

الصوت كمل:

— يا محمود… أمك مش هي اللي بدأت سرقة المصنع.

أمي غمضت عينيها.

وبعدين صوت أبويا قال:

— أنا اللي عملت أول مخالفة من سنين… ونعمت عرفت السر، ومن يومها وهي بتستخدمه ضدي.

اتصدمت.

أبويا؟!

الراجل اللي طول عمري شايفه أشرف واحد أعرفه؟

لكن التسجيل لسه ماخلصش.

وبعدين سمعته ياخد نفسًا متعبًا.

دموعي نزلت من غير ما أحس.

يعني سارة كانت شايلة سر أبويا كمان.

وفجأة جوز داليا وقف التسجيل.

— الباقي أهم.

أمي قالت:

— امسحه.

— لما نخلص البيع.

مد إيده ناحية الأوراق.

وفي اللحظة دي، دوى خبط قوي على باب المخزن.

واتسمع صوت من بره يطلب منهم فتح الباب.

جوز داليا اتوتر.

مسك الفلاشة والأوراق وحاول يجري ناحية الباب الخلفي.

وأنا اتحركت من مكاني.

لكنه شافني من الشباك.

عيونه اتسعت.

— محمود!

فتح الباب الخلفي وجري.

وأنا جريت وراه.

لكن موبايلي رن.

كانت المستشفى.

رديت وأنا بجري.

— ألو؟

صوت الممرضة جه سريع:

— أستاذ محمود، حضرتك لازم ترجع فورًا.

وقفت مكاني.

— سارة حصلها إيه؟!

— الحالة اتغيرت، والدكاترة قرروا إن الولادة لازم تتم دلوقتي.

بصيت قدامي.

جوز داليا كان بيهرب ومعاه الفلاشة ووصية أبويا.

وبصيت للموبايل.

مراتي وابني في المستشفى.

وفي اللحظة دي ما احتجتش أفكر.

لفيت ورجعت ناحية عربيتي.

الأوراق ممكن تتجاب.

الحقيقة ممكن تتثبت.

لكن سارة وابني…

مفيش حاجة في الدنيا أهم منهم.

ولما وصلت المستشفى، لقيت الدكتورة مستنياني قدام باب العمليات.

قالت:

— هنبدأ حالًا.

سألتها:

— سارة والطفل كويسين؟

سكتت لحظة.

وقالت:

— إحنا هنعمل كل اللي نقدر عليه.

وقبل ما الباب يقفل، سارة بصتلي من على السرير وقالت:

— محمود…

قربت منها.

همست:

— لو حصل لي حاجة، افتح درج مكتب أبوك من تحت… مش الدرج العادي.

اتصدمت.

— فيه إيه؟

لكنهم بدأوا يدخلوا السرير.

صرخت:

— سارة! فيه إيه في الدرج؟!

بصتلي للمرة الأخيرة وقالت:

— الحاجة اللي أمك كانت بتدور عليها من أول يوم دخلت فيه البيت.

واتقفل باب العمليات بيني وبينها.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى