حمايا العزيز حكايات اسما السيد 3

ضلت باصة للموبايل كأني مستنية حد يقولي إن الصوت مش صوت أمي.
لكن مستحيل أغلط فيه.
نفس النبرة.
نفس الطريقة اللي بتنطق بيها اسمي.
قلت وأنا ببص لرجب:
— شغله تاني.
شغله.
وصوت محمود طلع:
— أنا وصلت… انزل.
وبعدين صوت راجل:
— محمود، اسمعني الأول.
وبعده صوت أمي:
— محمود… بالله عليك ما تقولش لسارة إني أنا اللي جبتك هنا.
قفلت التسجيل بإيدي.
— كفاية.
المحامي سألني:
— متأكدة إنها والدتك؟
قلت:
— أيوه.
كنت حاسة إني هقع.
أربع سنين أمي كانت أكتر واحدة واقفة جنبي.
يوم موت محمود هي اللي حضنتني.
هي اللي كانت معايا وأنا بصرخ في المستشفى.
هي اللي أخدت آدم وياسين عندها لما أنا ماكنتش قادرة حتى أقوم من السرير.
إزاي؟
بصيت لرجب.
— أمي كانت بتعمل إيه هناك؟
قال:
— كملي التسجيل للآخر.
شغلناه.
صوت محمود جه غاضب:
— طنط أمينة، إنتِ قولتيلي إن عندك حاجة تخص أبويا.
أمي ردت:
— عندي… وعشان كده طلبت منك تيجي.
صوت راجل دخل:
— وأنا اللي طلبت منها تكلمك.
محمود:
— شريف؟
شريف:
— اهدى بس واسمع.
محمود رد بعصبية:
— أسمع إيه؟ إنك بتزور إمضتي؟ ولا إن شركة الصفوة بتاعتك؟
نهى اللي ما كانتش معانا طبعًا ما سمعتش الكلام وقتها…
لكن أنا حسيت إن آخر شك عندي اختفى.
شركة الصفوة كانت لشريف.
التسجيل كمل.
شريف قال:
— أنا ما سرقتش منك حاجة.
محمود ضحك:
— خمسة وتلاتين مليون جنيه اتحولوا على مدار سنين وتقول ما سرقتش؟
شريف:
— الفلوس كانت بتتحرك بموافقة أبويا.
— من حصتي أنا!
وفجأة أمي قالت:
— محمود، بالله عليك وطي صوتك.
محمود رد:
— وإنتِ عرفتي الكلام ده منين يا طنط؟
سكتت.
محمود كرر:
— أمي سارة عرفت إزاي؟
شريف قال بسرعة:
— مالهاش دعوة.
محمود:
— لأ، ليها دعوة… لأنها هي اللي جابتني.
وبعدين سمعنا أمي بتعيط.
— أنا كنت بشتغل عند أبوك زمان يا محمود.
اتجمدت.
همست:
— إيه؟
المحامي بصلي.
وأنا نفسي ماكنتش أعرف.
أمي عمرها ما قالتلي إنها اشتغلت عند الحاج فؤاد.
التسجيل كمل.
قالت:
— قبل جوازك من سارة بسنين… كنت بشتغل في مخزن الحسابات القديم.
محمود:
— وبعدين؟
— شوفت ورق ماكانش المفروض أشوفه.
شريف صرخ:
— كفاية يا أمينة!
محمود:
— سيبها تتكلم!
أمي قالت:
— أبوك وشريف كانوا بينقلوا فلوس من الشركات، ولما بدأت تسأل عن نصيب أمك… خفت عليك.
شريف:
— بتكدبي!
أمي:
— وأنا معايا نسخ.
هنا حصل صوت حركة جامدة.
محمود صرخ:
— ابعد عنها يا شريف!
وبعدين صوت خبطة.
التسجيل اتشوش.
سمعنا محمود بيقول:
— إنت اتجننت؟!
شريف كان بيزعق:
— اديني الورق!
أمي صرخت:
— محمود خدهم وامشي!
وبعدين…
صوت باب عربية.
وصوت موتور.
التسجيل استمر.
محمود كان بيتنفس بسرعة.
وبعدين قال لنفسه:
— لازم أوصل لسارة.
ثواني…
رن موبايله.
رد.
— أيوه.
صوت شريف:
— محمود، ارجع.
— مش راجع.
— اسمعني، الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
— بكرة الصبح الورق ده هيبقى عند محامي.
سكت شريف.
وبعدين قال جملة قصيرة:
— يبقى إنت اللي اخترت.
المكالمة انتهت.
وبعدها بدقيقة تقريبًا…
سمعنا صوت كلاكسات.
محمود قال:
— إيه العربية دي؟
صوت فرامل.
خبطة عنيفة.
وبعدين صمت.
إيدي كانت على بقي.
مش قادرة أتنفس.
قلت لرجب:
— إنت كنت فين؟
قال:
— أنا كنت سايق العربية النقل.
رجعت لورا.
المحامي وقف قدامي فورًا.
— استنى يا رجب… إنت اللي خبطته؟
رجب بدأ يعيط.
— أيوه.
صرخت:
— إنت أذيت جوزي؟!
— والله ما كنت عايز!
قمت ناحيته.
— أربع سنين وأنا بربي ولادي لوحدي وإنت مستخبي هنا؟!
قال وهو بيعيط:
— العربية ماكانتش بتقف!
سكت.
كرر:
— الفرامل ما اشتغلتش.
المحامي سأله:
— يعني إيه؟
— قبلها بساعتين العربية كانت سليمة. وأنا كنت راجع من المخزن، وفجأة وأنا نازل الطريق شوفت عربية الأستاذ محمود قدامي. دوست فرامل… مفيش.
قلت:
— وليه قالوا إنك مت؟
مسح دموعه.
— لأن بعد الحادث أنا دخلت المستشفى باسم غلط.
— ليه؟
— خوف.
المحامي قال:
— خوف من مين؟
رجب رد:
— من الحاج فؤاد.
سكتنا.
قال:
— قبل الحادث بيوم، الحاج فؤاد عرف إني قابلت محمود. قالي: “إنت شغلك تسوق وبس… ملكش دعوة بالحسابات.”
قلت:
— يعني حمايا هو اللي بوظ الفرامل؟
رجب هز راسه بسرعة.
— أنا ما شوفتش مين لعب فيها… ومش هاتهم حد بحاجة ما شفتهاش.
المحامي قال:
— وده الصح.
رجب كمل:
— لكن فيه حاجة شفتها.
— إيه؟
— بعد ما العربية خبطت عربية محمود، فقدت الوعي شوية. لما فوقت، شفت عربية واقفة بعيد.
— عربية مين؟
— شريف.
جسمي برد.
— متأكد؟
— أنا اللي كنت بسوق له العربية دي ساعات.
المحامي سأله:
— شوفته؟
رجب سكت.
— شوفته نازل منها.
قلت:
— وعمل إيه؟
رجب بص في الأرض.
— راح ناحية عربية محمود.
— عشان يساعده؟
رجب رفع عينه.
— لأ.
قلبي دق بعنف.
— أمال؟
— فتح باب العربية… وأخد شنطة سودا كانت جنب محمود.
افتكرت كلام محمود في التسجيل:
“بكرة الصبح الورق ده هيبقى عند محامي.”
قلت:
— الورق.
رجب هز راسه.
— غالبًا.
— ومحمود كان لسه عايش؟
رجب دموعه نزلت.
— كان بيتحرك.
حطيت إيدي على قلبي.
— يعني شريف شاف أخوه عايش؟
— أيوه.
— طلب إسعاف؟
رجب سكت.
صرخت:
— طلب إسعاف؟!
— لأ.
انهرت على الكرسي.
المحامي قال:
— رجب، الكلام ده لازم يتقال رسميًا.
رجب هز راسه.
أنا جاهز.
رجعت البيت اليوم ده وأنا مش شايفة قدامي.
لكن كان عندي سؤال واحد.
أمي.
روحت لها.
فتحتلي الباب وهي مبتسمة:
— سارة؟ إنت جيتي من غير الولاد؟
دخلت وقفلت الباب.
طلعت الموبايل القديم وحطيته قدامها.
أول ما شافته…
وشها اتغير.
قلت:
— تعرفيه؟
قعدت ببطء.
— لقيتيه فين؟
الجملة كانت كفاية.
قلت:
— أربع سنين يا ماما.
بدأت تعيط.
— سامحيني.
— سامحك على إيه؟ إنك كنتِ هناك؟ ولا إنك خبّيتي عني إن جوزي كان ممكن يكون اتأذى؟
قالت:
— كنت خايفة عليكي وعلى ولادك.
صرخت:
— من مين؟!
بصتلي.
— من الحاج فؤاد
ق
لت:
— مات خلاص.
قالت:
— أنا عارفة.
— يبقى احكي.
سكتت فترة.
وبعدين قالت:
— أبو محمود ماكانش بيكره ولادك عشان محمود مات.
— أمال؟
أمي مسكت إيدي.
— كان بيكره وجودهم لأنهم كانوا أصحاب حق.
قلت:
— حق إيه؟
— ميراث جدتهم.
فهمت جزء من الكلام.
— أم محمود؟
هزت راسها.
— أم محمود كانت أغنى من الحاج فؤاد لما اتجوزته.
اتصدمت.
طول عمري فاكرة إن الثروة كلها بتاعته.
أمي كملت:
— أبوها كان عنده أراضي ومخازن وشركة كبيرة. ولما مات، هي ورثت معظمها. الحاج فؤاد هو اللي كان بيدير كل حاجة.
— وبعد ما ماتت؟
أمي قالت:
— كان المفروض نصيبها يروح لولادها.
— محمود وشريف ونهى.
— لأ.
سكتت.
قلت:
— يعني إيه لأ؟
أمي قامت وراحت للدولاب.
طلعت صندوق خشب صغير.
فتحته.
طلعت شهادة قديمة.
حطتها قدامي.
— اقري اسم صاحب الأملاك الأصلي.
قريت.
وبعدين بصيت لها.
— ده اسم جد محمود.
قالت:
— بصي تحت.
كان فيه بند مكتوب بخط واضح.
الأصول تنتقل بعد وفاة ابنته إلى…
ابنها الأكبر محمود وأبنائه من بعده.
إيدي اترعشت.
قلت:
— يعني إيه؟
أمي قالت:
— يعني جزء كبير من اللي الحاج فؤاد كتبه لشريف ونهى في وصيته…
ماكانش ملكه أصلًا.
وقبل ما أستوعب…
موبايلي رن.
المحامي.
رديت.
صوته كان متوتر.
— مدام سارة، إنتِ فين؟
— عند أمي.
— ما تتحركيش من عندك.
— ليه؟
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— النيابة بدأت مراجعة المستندات… وظهر مستند جديد.
— مستند إيه؟
— تقرير قديم خاص بعربية النقل.
قلبي دق.
— بيقول إيه؟
قال:
— الفحص اللي اتعمل بعد الحادث أثبت إن خرطوم الفرامل كان فيه قطع متعمد… مش عطل طبيعي.
حطيت إيدي على الحيطة.
لكنه كمل:
— وفيه أكتر.
— إيه؟
— فيه كاميرا محطة بنزين صورت شخص واقف جنب العربية قبل الحادث بساعات.
همست:
— شريف؟
المحامي قال:
— لأ.
سكت لحظة.
ثم قال:
— الشخص الظاهر في التسجيل… هو الحاج فؤاد نفسه.
رفعت عيني لأمي.
لكنها ما اتفاجئتش.
كانت باصة للأرض.
قلت ببطء:
— إنتِ كنتِ عارفة؟
دموعها نزلت.
وقالت:
— كنت عارفة إن فؤاد راح للمخزن الليلة دي…
وسكتت.
قربت منها.
— كملي.
قالت:
— بس فيه حاجة أنا مخبياها عنك من أربع سنين… ولو قلتها، ممكن تكرهيني طول عمرك.
قلت:
— بعد كل اللي عرفته، مفيش حاجة هتصدمّني.
رفعت عينيها ليا وقالت:
— فيه يا سارة.
وبعدين نطقت الجملة اللي خلتني أتجمد:
— محمود ما ماتش في مكان الحادث.
قلت:
— يعني إيه؟
أمي شهقت من العياط.
— لما وصلت له… كان لسه عايش.
— وصلتي له؟!
هزت راسها.
— أيوه.
— وعملتي إيه؟
مسكت إيدي بقوة وقالت:
— قبل ما الإسعاف توصل، محمود فتح عينه وكلمني.
نفسي اتقطع.
— قالك إيه؟
أمي بصتلي وهي بتعيط:
— قاللي جملة واحدة يا سارة…
“ما تثقيش في تقرير المستشفى… لأن اللي حاول يأذيني لسه مش عارف إن معايا النسخة الأصلية.”
وقفت قدامها مصدومة.
وسألتها:
— نسخة إيه؟
أمي فتحت الصندوق الخشبي مرة تانية…
وشالت القاع المبطن من جوه.
كان تحته ظرف أصفر قديم.
وعليه بخط محمود:
“الأصل الوحيد — عقد الملكية.”
مدت إيدها بالظرف ناحيتي وقالت:
— عشان كده يا بنتي… لو العقد ده صحيح، إحنا مش بنتكلم عن نصيب صغير في الميراث.
فتحت الظرف.
وأول ما المحامي شاف صورة العقد بعدها بساعة، فضل ساكت فترة طويلة.
ثم قال:
— سارة…
— خير؟
رفع عينه ليا.
— لو الأصل ده اتثبتت صحته…
سكت.
قلت:
— قول.
قال:
— ولادك مش المفروض ياخدوا جزء من ثروة الحاج فؤاد.
قلبي وقف.
لكنه أكمل:
— جزء كبير من الثروة اللي كانوا بيتخانقوا عليها… ملك ولادك من الأساس



