روايات وقصص

قبل موعدي حكايات اسما السيد 3

بعد تحسن حالة العاملة، طلبت التحدث معي. كان اسمها مريم. جلست أمامي وذراعها مغطاة بالكدمات. قلت: — ليه ما اتصلتيش بيا؟ بدأت تبكي. — حاولت. ثم أخبرتني أن زوجتي أخذت هاتفها الشخصي بعد أسبوعين فقط من سفري. كانت تقول لها إن استخدام الهاتف أثناء العمل ممنوع. وبعد ذلك بدأت التهديدات. كلما حاولت مريم الاعتراض على طريقة معاملة أمي، كانت زوجتي تقول:

 

— لو فتحتِ بُقك، هقول إنك سرقتينا.

سألت:

— والتسجيلات؟

قالت:

— الحاجة هي اللي قالتلي أسجل.

نظرت إليها بدهشة.

ابتسمت مريم لأول مرة.

— والدتك أذكى مما كانوا فاكرين.

اتضح أن أمي فهمت الخطة مبكرًا.

وعندما حاولوا إجبارها على التوقيع، بدأت تتظاهر أحيانًا بأنها أكثر ضعفًا وتشوشًا مما هي عليه.

كانت تريد منهم أن يتكلموا أمامها بحرية.

قالت مريم:

— الحاجة قالتلي: «خليهم يفتكروني عجوز مش فاهمة.»

ابتسمت رغم كل شيء.

هذه أمي.

ثم سألت مريم:

— المفتاح وصل للعلبة إزاي؟

قالت:

— سامح وقع منه مرة. الحاجة خدته وخبته.

— والهاتف؟

— اشتريته من فلوسي. كنا بنسجل عليه.

ثم تغير وجهها.

قالت:

— بس فيه حاجة حضرتك لسه ما تعرفهاش.

شعرت بقلبي ينقبض.

— إيه؟

قالت:

— زوجتك كانت بتحط حاجة في دوا والدتك.

تجمدت.

— إيه؟

— مش عارفة. بس شفتها أكتر من مرة تفتح الكبسولات وتحط مكانها مسحوق تاني.

وقفت فورًا.

أُبلغ الأطباء.

أُخذت عينات جديدة.

وبعد الفحوص، جاء الطبيب إليّ.

قال:

— كويس إن والدتك وصلت المستشفى في الوقت ده.

سألته:

— ليه؟

نظر إلى الملف.

— لأن بعض أدويتها لم تكن تحتوي على الجرعات المفترض وجودها.

ثم أضاف:

— وفي جسمها آثار لمادة مهدئة لم تكن موصوفة لها.

جلست.

لم تعد المسألة إساءة معاملة.

ولا تزوير أوراق.

ولا سرقة.

كان هناك شخص يتعمد إبقاء أمي ضعيفة ومشوشة…

حتى يصدق الجميع أنها فقدت عقلها.

وعندما أخبرت الشرطة زوجتي بنتيجة التحليل…

قالت جملة واحدة:

— أنا مش اللي بدأت الموضوع.

ومن تلك اللحظة، انقلب التحقيق كله.بدأت زوجتي تتحدث.

ليس لأنها ندمت.

بل لأنها أدركت أن الأدلة أصبحت أكثر مما تستطيع إنكاره.

قالت إن سامح هو من اقترح فكرة الاستيلاء على بيت أمي.

كان غارقًا في الديون.

وعرف أن قيمة المنزل ارتفعت كثيرًا.

لكنها اعترفت بأنها وافقت.

سألتها أثناء التحقيق:

— ليه؟

نظرت إليّ وقالت:

— لأنك طول عمرك بتحط أمك قبلي.

لم أصدق ما أسمعه.

— فتعذبيها؟

قالت:

— أنا ما عذبتهاش!

قلت:

— منعتِ عنها المية.

سكتت.

خفضت عينيها.

— لعبتي في دواها.

صرخت:

— دي كانت فكرة سامح!

سأل المحقق:

— والرحلة؟

تغير وجهها.

قالت:

— ملهاش علاقة.

لكن الشرطة كانت قد وصلت إلى الشخص الثالث.

الرجل الذي تحدثت معه في الهاتف بشأن الحجز.

لم يكن موظف سفر.

كان ميكانيكيًا يعرف سامح.

وعندما واجهوه، اعترف بأنه تلقى مالًا مقابل العبث بجزء في السيارة التي كان من المفترض أن نستأجرها.

لم يكن الهدف — بحسب اعترافه — ضمان موتي.

كان المطلوب أن يحدث «عطل» على طريق جبلي.

لكن عندما سأله المحقق:

— وإذا مات؟

كان الرد:

— سامح قال إن التأمين هيحل كل حاجة.

شعرت أنني لا أستطيع التنفس.

نظرت إلى زوجتي.

— كنتِ عارفة؟

بكت.

— أقسم بالله ما كنت أعرف إنه ناوي يعمل كده.

سألها المحقق:

— لكنك كنتِ تعرفين بوجود خطة تتعلق بالتأمين؟

سكتت.

وكان صمتها كافيًا لي.

وقفت.

قالت:

— استنى!

لم ألتفت.

صرخت باسمي.

واصلت المشي.

ثم قالت الجملة التي آخر شيء بقي من زواجنا:

— أنا عملت كل ده عشان مستقبلنا!

توقفت.

التفت إليها.

قلت:

— مفيش «إحنا» من النهارده.

وخرجت.

مرت شهور قبل أن تبدأ حياتنا في العودة إلى شكل يشبه الطبيعي.

تعافت أمي تدريجيًا.

عندما عادت إلى المنزل، رفضت العودة إلى غرفتها القديمة.

قالت:

— غيرولي لون الحيطان الأول. مش عايزة حاجة تفكرني بالأيام دي.

غيرنا كل شيء.

الدهان.

الأثاث.

الستائر.

حتى كرسيها المتحرك اشترينا لها واحدًا جديدًا.

أما مريم، فكنت أعتقد أنها ستترك العمل فورًا.

كان من حقها.

لكنها جاءت لزيارة أمي بعد خروجها من المستشفى.

بمجرد أن رأتها أمي، فتحت ذراعيها.

بكت مريم.

وبكت أمي.

قالت لها:

— إنتِ مش شغالة عندي يا بنتي.

ابتسمت مريم.

— أمال إيه؟

قالت أمي:

— إنتِ بنتي.

وقفت عند الباب وأنا أشاهد الاثنتين.

هذه الفتاة كان يمكن أن تهرب.

كان يمكن أن تقول إن الأمر لا يعنيها.

وخاطرت بنفسها لتجمع الأدلة.

وأخفت الهاتف والمفتاح لأنها كانت تعرف أن الحقيقة قد تحتاج يومًا إلى شخص يحميها.

أما زوجتي السابقة، فلم أعد أراها بالطريقة التي عرفتها بها.

انتهى زواجنا.

وتولت الجهات المختصة بقية القضية بناءً على ما أثبتته التحقيقات والأدلة.

لم أشعر بالانتصار.

هناك أشياء لا يكون فيها منتصرون.

كنت فقط أشعر بالخجل.

جلست ذات مساء بجوار أمي وقلت:

— سامحيني.

نظرت إليّ.

— على إيه؟

— إني سبتك.

قالت:

— إنت كنت بتشتغل.

— كان لازم آخد بالي.

رفعت يدها ووضعتها على يدي.

قالت:

— كنت هتعرف إزاي وهي كل مرة تكلمك تقعد جنبي؟

تذكرت المكالمات.

كنت أسأل:

«ماما كويسة؟»

فترد زوجتي قبل أن تتحدث أمي:

«زي الفل.»

كنت أسمع صوت أمي ضعيفًا وأسألها:

«مالك؟»

فتقول:

«مفيش.»

لم أكن أعرف أن زوجتي كانت تقف أمامها.

قلت:

— كان لازم أفهم.

ردت أمي:

— المهم إنك فهمت قبل فوات الأوان.

ثم ابتسمت.

— وبعدين أنا ما كنتش لوحدي.

نظرت ناحية المطبخ.

كانت مريم تحضر الشاي.

بعد عام تقريبًا، كنت أراجع نظام الكاميرات الجديد.

لم تعد هناك كاميرات مخفية في غرف المعيشة.

لم أعد أريد أن يتحول البيت إلى مكان يعيش فيه الجميع تحت المراقبة.

لكنني احتفظت بقرص التخزين القديم.

لم أشاهده مرة أخرى.

لم أحتج.

وفي أحد الأيام سألتني أمي:

— لسه محتفظ بالتسجيلات؟

قلت:

— نسخة منها، عشان القضية.

قالت:

— ولما تخلص؟

فكرت.

— همسحها.

ابتسمت.

— كويس.

ثم أشارت إلى نفسها وقالت:

— أصل أنا طالعة وحشة في الفيديوهات.

ضحكت لأول مرة عندما تحدثنا عن تلك الأيام.

ضحكت هي أيضًا.

ثم قالت:

نظرت إليها بدهشة.

— إيه؟!

ضحكت بصوت عالٍ.

— أهو فيه حاجات إنت لسه ما شفتهاش!

كانت تلك أمي التي أعرفها.

عادت.

بعد فترة، سألت مريم لماذا خاطرت بكل هذا.

قالت:

— أول يوم اشتغلت هنا، والدتك سألتني أكلت ولا لأ.

ابتسمت.

— قلت لها آه وأنا كنت كدابة. كنت مكسوفة.

أكملت:

— دخلت المطبخ وعملتلي سندوتش بإيديها، رغم إنها كانت بتتحرك بالعافية.

نظرت إلى أمي النائمة على الكرسي.

قالت مريم:

— لما بدأت المشاكل، ماقدرتش أسيبها.

قلت:

— كان ممكن تتأذي أكتر.

ردت:

— عارفة.

— ومع ذلك فضلتي؟

قالت:

— هي كمان كانت هتفضل لو مكاني.

لم أستطع الرد.

وفي ذكرى اليوم الذي عدت فيه من السفر، اشتريت باقة ورد.

نفس نوع الورد الذي كنت قد اشتريته لزوجتي يوم عودتي.

لكن هذه المرة لم أعطه لها.

وضعت نصف الباقة في غرفة أمي.

والنصف الآخر أعطيته لمريم.

قالت أمي:

— وأنا ومريم نفس عدد الورد؟

قلت:

— طبعًا.

قالت:

— أنا أمك!

ردت مريم ضاحكة:

— خلاص يا حاجة، خدي وردتين من عندي.

ضحكنا جميعًا.

نظرت إليهما وفكرت في ذلك اليوم.

كنت أعتقد أنني عدت مبكرًا لأفاجئ زوجتي.

لكن الحقيقة أنني أنا الذي فوجئت بحياتي كلها.

اكتشفت أن المرأة التي كنت أثق بها تستطيع أن تخفي وجهًا لم أعرفه.

واكتشفت أن أمي، رغم ضعف جسدها، كانت أذكى وأقوى مما تخيلوا.

واكتشفت أن فتاة لم تكن تربطني بها صلة دم كانت مستعدة أن تضع جسدها بين امرأة عجوز وبين .

أما الكاميرات…

فقد سجلت الحقيقة.

لكنها لم تكن هي التي أنقذت أمي.

الشخص الذي أنقذها فعلًا كان إنسانة كان بإمكانها أن تنظر بعيدًا…

لكنها اختارت ألا تفعل.

وفي النهاية، فهمت أن العائلة ليست دائمًا الشخص الذي يعيش معك تحت سقف واحد.

أحيانًا تكون العائلة هي الشخص الذي يقف أمامك عندما يأتي الأذى…

ويقول:

«لو عايز توصل لها… لازم تعدي مني الأول.»

تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى