ثلاث توائم حكايات اسما السيد 1

ولدت ثلاث توام في سابقه خاصه في عيلتنا لكني ملحقتش افرح بيهم اتصدمت بابويا بيمد أيده وياخد واحد من ولادي وبيقولي — عندك ثلاثة أطفال، وأخوكي معندوش ولا طفل… اديه واحد وبطلي أنانية… لثواني، افتكرت إن البنج لسه مأثر عليا وإن اللي بسمعه مجرد هذيان… كنت نايمة على سرير في أوضة خاصة بالمستشفى، بطني بتوجعني بشدة من أثر العملية القيـ صرية الطارئة، وعيني تقيلة لدرجة إني بالعافية كنت قادرة أفتحها.
على بُعد خطوات مني، كانت فيه ثلاث حضانات شفافة نايمين فيها أطفالي التلاتة حديثي الولادة.
ثلاث معجزات صغيرة جم للدنيا قبل ميعادهم، عياطهم ضعيف ونَفَسهم متعب… لكنهم كانوا عايشين.
ثلاث أرواح أنا وجوزي استنيناهم سنين طويلة.
وقدامي، كان أبويا واقف عاقد دراعاته وبيتكلم عن واحد من ولادي كأنه حاجة زيادة ممكن أديها لحد!
كان عندي اتنين وتلاتين سنة، ومتجوزة من سبع سنين.
جوزي كان راجل هادي وصبور، من النوع اللي مش بيوعدك بالقمر والنجوم، لكنه ممكن يقوم الساعة تلاتة الفجر يجيبلك مية أو دوا أو أي حاجة تحتاجيها من غير ما يشتكي.
ولما الدكاترة قالولنا إني حامل في تلات توائم، جوزي خرج من العيادة وقعد في العربية وعيط من الفرحة.
وبعدها بدأ يجهز لكل حاجة…يقيس مساحة البيت، ويدور على عربية أطفال تناسب التلاتة، ويجهز الأوضة اللي كنا بنستخدمها مكتب علشان تبقى أوضة ولادنا.
لكن عيلتي ما استقبلتش الخبر بنفس الفرحة.
أمي كانت دايمًا تقول كلام شكله خوف عليا، لكن وراه معنى تاني:
— تلات أطفال حمل كبير يا بنتي… إنتِ مش عارفة داخلة على إيه.
أما أبويا، فكان راجل متعود إن كلمته هي اللي تمشي.
في بيته محدش بيناقش.
الكل بينفذ.
وأخويا الأصغر كان بقاله خمس سنين بيحاول يخلف هو ومراته.
لفوا على دكاترة، وجربوا علاجات كتير، ودعوا ربنا سنين، وكل تجمع عائلي تقريبًا كان فيه لحظة صمت مؤلمة لما حد يفتح سيرة الأطفال.
كنت مقدرة وجعهم.
وعلشان كده سكتّ عن تعليقات كتير كان المفروض أوقفها من البداية.
مرة مرات أخويا بصت لصور السونار وقالت:
— غريبة الدنيا… ناس ربنا يديها أطفال زيادة، وناس تتمنى طفل واحد ومتاخدوش.
جوزي سمعها، وشفت فكه اتشد من الغضب.
لكني غيرت الموضوع.
كنت فاكرة إنها مجرد غيرة بسبب الوجع.
مكنتش أعرف إن الموضوع أكبر بكتير.
كل حاجة اتعقدت في الشهر التامن من الحمل.
جوزي جاله اتصال ضروري من شغله، وكان لازم يسافر لمدة تلات أيام علشان يخلص شغل مهم جدًا.
رفض في البداية.
وهو بيطبق بطانية صغيرة للأطفال قال لي:
— ألغي السفر وخلاص.
مسحت على بطني الكبيرة وقلتله:
— لأ، روح. لسه قدامنا كام أسبوع، وماما قريبة مني. لو حصل أي حاجة هكلمها.
قبل ما يسافر، اتصلت بأمي.
— ماما، خلي موبايلك جنبك اليومين دول. جوزي هيكون مسافر تلات أيام.
قالتلي:
— حاضر يا بنتي، متقلقيش.
لكن بعد ليلتين، حوالي الساعة اتنين الفجر، صحيت على وجع قطع نفسي.
وبعده وجع تاني.
وبعدين تالت.
وفجأة حسيت إن المية نزلت.
الخوف ضرب قلبي.
مسكت الموبايل بإيد بتترعش واتصلت بأمي.
— ماما… أنا حاسة إن الولادة بدأت. بطني بتوجعني جدًا. ممكن تيجوا تاخدوني؟
سكتت بطريقة غريبة.
وبعدين قالت بصوت منخفض:
— متأكدة إنك مش مكبرة الموضوع؟
صرخت من الوجع:
— ماما، أنا مش قادرة حتى أقف!
سمعت صوت أبويا جنبها.
وبعد ثواني أخد منها التليفون.
قال بمنتهى البرود:
— لو حالة طوارئ، اتصلي بالإسعاف.
قلتله وأنا بعيط:
— بابا… أنا لوحدي.
رد:
— علشان كده فيه إسعاف. متعمليش دراما الساعة دي.
وقفل المكالمة.
فضلت أبص للموبايل وأنا مش مصدقة.
وفي الآخر اتصلت بالإسعاف وأنا منحنية من الوجع، إيد على بطني وإيد ماسكة التليفون.
ولما المسعفين حطوني في العربية، فضلت أبص ناحية أول الشارع.
كنت مستنية أشوف عربية أهلي جاية.
لكنهم مجوش.
بعد ساعات، ولادي التلاتة جم للدنيا بعملية قيصرية طارئة.
كانوا مولودين قبل ميعادهم، لكن حالتهم مستقرة.
عيطت لما سمعت صوت أول طفل.
وبعدين التاني.
وبعدين التالت.
تلات أصوات صغيرة شقّت الخوف اللي كان مالي قلبي.
جوزي كان بيتجنن من القلق وهو بعيد عني، وقدر يغير ميعاد رجوعه ووعدني إنه هيوصل بأسرع ما يمكن.
وأنا، رغم كل اللي حصل، عملت أكبر غلطة…
اتصلت بأمي وقلت لها:
— ولدت… التلاتة جم بالسلامة.
المرة دي عيلتي وصلت بسرعة جدًا.
أمي دخلت الأول، عينيها فيها دموع لكن ملامحها متوترة.
وراها أبويا.
وبعدين أخويا ومراته.
مرات أخويا راحت ناحية حضانات الأطفال مباشرة.
وقتها مكنتش فاهمة النظرة اللي في عينيها.
بعد دقائق من التمثيل والسؤال عن أوزان الأطفال وأساميهم وحالتهم، أبويا سحب كرسي وقعد جنب سريري.
وقال:
— لازم نتكلم عن أخوكي ومراته.
قلبي انقبض.
— نتكلم في إيه؟
بصلي من غير تردد وقال:
— عندك تلات أطفال. أخوكي معندوش ولا طفل. اديه واحد وبطلي أنانية.
حسيت إن الأوضة كلها اتجمدت.
بصيتله وقلت:
— ولادي مش بيتقسموا يا بابا.
مرات أخويا قربت من حضانة واحد من ولادي وقالت:
— فكري كويس. تلاتة كتير عليكي. مش هتعرفي تربيهم كلهم. إحنا نقدر نوفر لواحد منهم حياة جميلة.
حاولت أرفع نفسي من السرير رغم وجع العملية.
— ابعدي عن ابني.
رجعت خطوة وبصتلي كأن أنا اللي ظلمتها.
أخويا اتكلم أخيرًا:
— متبقيش قاسية. إنتِ عارفة إحنا عانينا قد إيه.
بصيتله وقلت:
— عارفة. وحاسة بوجعكم… بس ابني مش دوا لحزنكم.
أمي حطت إيدها على صدرها وقالت:
— يا بنتي محدش بياخد منك حاجة. الطفل هيفضل وسط العيلة.
بصيت للأربعة.
وفجأة فهمت.
الكلام ده مش فكرة جاتلهم وهما في طريقهم للمستشفى.
دول كانوا محضرين.
ومتفقين.
يمكن حتى حافظين هيقولوا إيه.
سألتهم:
— من إمتى وإنتوا مخططين لكده؟
محدش رد.
رفعت صوتي:
— من إمتى؟!
مرات أخويا بصت في الأرض وقالت بهدوء:
— من يوم ما عرفنا إنهم تلاتة.
حسيت بالغثيان.
افتكرت أسئلة أخويا الغريبة عن مصاريف الأطفال.
وافتكرت مكالمات أمي وهي بتسألني عن ترتيبات كل طفل.
وافتكرت هزار أبويا المتكرر:
— تلاتة كتير أوي عليكم.
مكنش هزار.
كانوا بيختبروني.
بصيتلهم وقلت:
— اطلعوا بره.
أبويا وقف ببطء وقال:
— إنتِ مش في حالة تسمحلك تاخدي قرارات. إنتِ لسه والدة وأعصابك تعبانة.
قلت بقوة أكبر:
— قولت اطلعوا بره.
لكنه متحركش ناحية الباب.
اتحرك ناحية حضانة ابني.
قلبي بدأ يدق بعنف.
— بابا… متلمسوش.
مد إيده جوه الحضانة.
وشال ابني الملفوف في بطانيته الصغيرة.
حسيت قلبي وقف.
— رجع ابني!
مرات أخويا فتحت دراعاتها والدموع بتلمع في عينيها.
— هاتهولي… أنا بس عايزة أشيله.
حاولت أقوم من السرير.
جرح العملية كان كأنه بيتفتح من جديد، والدنيا اسودت قدام عيني من الوجع، لكني مددت دراعاتي ناحية ابني.
أخويا وقف قدامي.
— اهدي… متبقيش هستيرية.
أبويا خد خطوة ناحية الباب والطفل بين إيديه.
صرخت:
— ابني مش هيخرج من الأوضة دي!
حاولت أمنعه.
وفي اللحظة دي، أبويا خبطني بذراعه في رأسي.
وقعت راسي على المخدة.
وسكتت الأوضة كلها.
وبعدين…
ابني بدأ يعيط.
مصرختش المرة دي.
مددت إيدي المرتعشة ناحية الزر الأحمر الموجود جنب السرير.
بصيت لأبويا في عينيه مباشرة…
وضغطت عليه.
صوت الإنذار دوي في الممر.
وفي اللحظة دي، وش أبويا اتغير.
لأول مرة شفت الخوف في عينيه.
كأنه فهم أخيرًا إن اللي عملوه طول الشهور اللي فاتت مش هيقدروا يخبوه أكتر من كده تحت كلمة:
“إحنا عيلة.”
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها…
إن ضغطتي على الزر الأحمر مش بس كانت هتنقذ ابني من إيديهم.
كانت هتكشف سرًا عيلتي كلها مخبياه عني من شهور… وسر رفضهم ييجوا ينقذوني ليلة الولادة كان جزء منه.
شكرًا إنكم وصلتوا معايا لحد هنا 🙌📖
صوت الإنذار شقّ هدوء جناح الولادة.
وفي ثواني، الباب اتفتح بعنف.
دخلت ممرضة، ووراها ممرضة تانية، وبعدهم دكتور الأطفال.
أول واحدة دخلت وقفت مكانها لما شافت المشهد.
أنا على السرير، وشي شاحب ودموعي على خدي، وأبويا واقف عند الباب شايل طفلي، وأخويا واقف بيني وبينه.
الممرضة قالت بسرعة:
— إيه اللي بيحصل هنا؟!
أشرت ناحية أبويا بإيد بتترعش.
— ابني… رجّعولي ابني.
أبويا حاول يتماسك.
— مفيش حاجة يا بنتي، إحنا أهلها. هي بس متوترة بعد العملية.
بصيت للممرضة وصرخت:
— هو أخد ابني من غير إذني وبيحاول يخرج بيه!
ملامحها اتغيرت فورًا.
قربت من أبويا ومدت إيديها.
— حضرتك سلّمني الطفل حالًا.
أبويا اتضايق.
— أنا جده.
ردت بصرامة:
— وحضرتك مش ولي أمره. سلّمني الطفل.
مرات أخويا تدخلت:
— حضرتك فاهمة غلط، إحنا كنا بس…
قاطعتها:
— لو سمحتي، محدش يتكلم.
الدكتور أخد ابني من إيد أبويا بحرص ورجعه للحضانة.
وأنا أول ما شفته رجع مكاني، جسمي كله ارتخى.
لكن الممرضة بصتلي، وبعدين بصت ناحية رأسي.
— حضرتك اتخبطتي؟
سكتّ لحظة.
أبويا سبقني:
— كانت بتحاول تقوم ووقعت.
رفعت عيني عليه.
لأول مرة في حياتي، الكذبة اللي خرجت من بقه ما خوفتنيش.
قلت:
— لأ.
الأوضة سكتت.
— أبويا خبطني بذراعه لما حاولت أمنعه ياخد ابني.
أمي شهقت:
— يا بنتي! إنتِ هتكبري الموضوع ليه؟
بصيتلها.
— أنا بكبر الموضوع؟
ثم أشرت ناحية الحضانات.
— دول ولادي.
مرات أخويا بدأت تعيط.
— إحنا مش حرامية!
الممرضة ضغطت زر في جهاز صغير متعلق في زيها.
وقالت جملة خلت وش أبويا يتغير:
— الأمن في الطريق.
أبويا انفجر:
— أمن إيه؟! إحنا عيلة!
ردت الممرضة:
— والمستشفى عنده إجراءات لحماية الأطفال، سواء الشخص قريب أو غريب.
بعد أقل من دقيقة، دخل فردين أمن.
أبويا بدأ يعلي صوته.
وأخويا حاول يشرح.
وأمي فضلت تقول:
— حصل سوء تفاهم.
لكن أنا كنت ببص لأولادي.
واحد.
اتنين.
تلاتة.
كلهم قدامي.
كلهم ليا ولأبوهم.
محدش هياخد واحد منهم علشان “يزن العيلة”.
وقبل ما الأمن يخرجهم، الممرضة الكبيرة قربت مني وقالت:
— تحبي نمنع دخولهم ليكي وللأطفال نهائيًا؟
بصيت ناحية أمي.
كانت مستنياني أضعف.
ناحية أخويا.
كان غاضب كأنه صاحب حق.
ناحية مراته.
كانت بتبص لطفلي اللي أبويا كان شايله بطريقة غريبة… نظرة أم فقدت طفلها، مش ست كانت بتطلب طفل حد من خمس دقايق.
وقلت:
— أيوه.
أبويا صرخ:
— هتطردي أبوكي؟!
بصيتله وقلت:
— أنا بحمي ولادي.
وقبل ما الباب يتقفل، قال جملة ما فهمتش معناها وقتها:
— هتندمي لما تعرفي إحنا عملنا ده ليه.
اتقفل الباب.
وبعدها بثواني، دخلت ممرضة تانية وهي ماسكة ملف.
بصت للحضانات.
ثم بصتلي.
وقالت بتردد:
— مدام… محتاجة أسألك سؤال غريب شوية.
— اسألي.
فتحت الملف.
— حضرتك أو جوزك طلبتوا قبل الولادة إن واحد من الأطفال يتسجل تحت بيانات مختلفة؟
اتجمد الدم في عروقي.
— إيه؟!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




