روايات وقصص

تولين للكاتبه اسما السيد 2

### الفصل الخامس عشر

**رواية تولين**
**بقلم أسما السيد**

استيقظ أيهم فوجد نفسه غافيًا بين أحضانها، وكأنه طفل صغير وجد أخيرًا مكانه الآمن. نظر إليها بألم، فقد كانت بالنسبة له مصدر راحته، والسبب في أن روحه بدأت تستعيد هدوءها من جديد.

كلما تذكر ما مر به، شعر بثقل كبير في صدره. كان يتمنى فقط أن يعيش حياة هادئة إلى جوار تولين، وأن يحقق معها أحلامه البسيطة، وأن يرى طفلًا صغيرًا يشبهها.

أليس من حقه أن يحيا سعيدًا؟

ما الخطأ الذي ارتكبه حينما أحبها وتمسك بها؟

لو خُيّر بين أموال الدنيا كلها وبين يوم واحد يقضيه بين أحضانها، لاختارها دون تردد.

زوجته وحبيبته ورفيقة عمره التي أصبحت أغلى ما يملك.

أفاق من شروده على يدها وهي تمسح دموعه برقة. نظرت إليه بنظرة مطمئنة جعلته يشعر بأنه ليس وحيدًا في هذا العالم.

تنهد بألم، فاقتربت منه وقبلت جبينه بحنان.

قالت بصوت رقيق:

“بتوجعك؟”

أجابها وملامحه مثقلة بالمشاعر:

“قلبي بيوجعني أكتر.”

نظرت إليه بحب وقالت:

“سلامة قلبك يا قلب تولين.”

اعتدل في جلسته، ثم أشار إليها كي تجلس بجواره. اقتربت منه واحتضنته بحب.

قبل جبينها وقال:

“لازم أكون قوي عشان أحافظ عليكي وعلى بيتنا، ومش عاوز أي حد يستغل وجودك جنبي.”

نظرت إليه بقلق، فقال مطمئنًا:

“محمد وميرال هيوصلوا ومعاهم سليم وساجد، وهتروحي معاهم لمكان آمن. متقلقيش، هتكوني بخير.”

نظرت إليه بخوف:

“لا، مش عاوزة أبعد عنك.”

ضمها إليه وقال:

“تولين، إنتي بتثقي فيا، مش كده؟”

أومأت برأسها.

فأكمل:

“يبقى نفذي اللي بقولك عليه. اللي جاي محتاج هدوء، ومش عاوزك تقلقي.”

ثم وضع يده على قلبها وقال:

“إنتي عنواني يا تولين. هرجعلك عشان نعيش حياتنا بهدوء ونبدأ من جديد.”

اقترب منها واحتضنها طويلًا، وكأنه يحاول أن يحتفظ بكل لحظة معها في ذاكرته.

بعد قليل وصلت ميرال بصحبة الطفلين، بعدما تمكنت تسنيم من مساعدتها في الوصول إليهما.

اقتربت تولين من طفليها واحتضنتهما بسعادة:

“حبايب ماما، وحشتوني أوي.”

ضحك الطفلان وهما يقتربان منها.

اقترب أيهم منهم، فرفع سليم يديه نحوه.

حمله أيهم مبتسمًا:

“يا عيون بابا، سليم باشا، وحشتني أوي.”

ثم اقترب من ساجد وابتسم قائلًا:

“إيه يا عم الشاطر، لسه بتدور على الأكل؟”

ضحكت تولين:

“الله، وإنت متضايق ليه؟”

رد عليها مازحًا:

“العيال دي محتاجة تنظيم شوية.”

ضحكت، ثم نظرت إليه بحب.

بعدها وقف أيهم أمام تولين وقال:

“يلا، محمد مستنيكم بره.”

نظرت إليه بحزن:

“مش هتيجي معانا؟”

اقترب منها وقبل جبينها:

“متخافيش يا قلب أيهم. أنا عارف أنا بعمل إيه.”

ثم أضاف:

“وحياتك عندي هفضل أعمل كل اللي أقدر عليه عشان أحافظ عليكي.”

—

### الفصل السادس عشر

بعدما غادرت تولين مع محمد وميرال، بقي أيهم لبعض الوقت يستعيد أفكاره.

كان يعرف أن المرحلة القادمة تحتاج إلى الكثير من الهدوء والتركيز، لكنه كان مطمئنًا لأن تولين أصبحت في مكان أكثر أمانًا.

وفي مكان آخر، كان محمد يقف بجوار ميرال.

اقتربت منه واحتضنته فجأة، فبادلها احتضانها بحنان.

قالت له:

“محمد، كنت خايفة عليك أوي. وحشتني.”

ابتسم وقال:

“وإنتي أكتر يا روح محمد.”

ضحكت وضربته بخفة على كتفه:

“ابعد الشر عنك، وبطل هزار.”

قال مبتسمًا:

“بحبك.”

ردت بخجل:

“وأنا كمان بحبك.”

نظر إليها بسعادة:

“قوليها تاني.”

ضحكت:

“بحبك يا غبي.”

اقترب منها وقال:

“صلاة النبي أحسن، كده أنا هطير من الفرحة.”

ضحكت وهي تهز رأسها:

“إنت مستحيل تتغير.”

احتضنها من الخلف وقال:

“بحبك بجنانك ومقالبك وهزارك.”

أراحت رأسها على صدره وقالت:

“الحمد لله إنك هنا.”

رد عليها:

“أنا أهو بين إيديكي.”

—

بعد فترة، كان أيهم يستعد للعودة إلى تولين، بعدما اطمأن على كل شيء.

وفي الوقت نفسه كانت تولين تجلس في الفيلا، تستعيد كلمات أيهم الأخيرة.

تذكرت قوله:

“أنا جنبك وحواليكي. متقلقيش. اللي جاي محتاج ثقة وصبر، وكل حاجة هتتظبط بإذن الله.”

شعرت بالقلق عليه، لكنها حاولت أن تتمسك بكلماته.

قالت في نفسها:

“يارب تحميه وتطمن قلبي عليه.”

وفي تلك الأثناء كان أيهم يواصل ترتيب أموره، محاولًا أن ينهي كل ما يشغله حتى يستطيع العودة إليها.

كان يعرف أن الطريق أمامه لن يكون سهلًا، لكنه كان مستعدًا لبذل كل ما يستطيع من أجل استقرار أسرته.

أما تولين، فكانت تجلس في غرفتها وهي تستعيد ذكرياتها القديمة.

تذكرت شريف، وكيف كانت حياتها معه مليئة بالمشاعر المتناقضة.

كانت تحبه، لكنها كانت تفتقد الإحساس الحقيقي بالأمان.

ومع مرور الوقت، بدأت تفهم أن الحب وحده لا يكفي لبناء حياة مستقرة.

ثم جاء أيهم إلى حياتها، ومنحها شيئًا كانت تفتقده منذ سنوات طويلة.

الأمان.

السند.

الشخص الذي تستطيع أن تعود إليه في نهاية يوم طويل، فتجد من يستمع إليها ويطمئنها ويشعر بها.

بدأت تدرك أن وجود أيهم بجوارها جعلها تنظر إلى الحياة بطريقة مختلفة.

لم تكن تريد أن تخسر ما وجدته أخيرًا.

قالت في نفسها:

“يمكن الإنسان يفتكر إن الحب هو كل حاجة، لكن الحقيقة إن الأمان والسند أهم مما كنا نتخيل.”

ثم ابتسمت بحزن:

“أيهم كان السند اللي كنت محتاجاه من زمان.”

—

### الفصل السابع عشر

في اليوم التالي، كان أيهم قد عاد إلى المنزل.

دخل بهدوء، واطمأن على الجميع، ثم توجه إلى الغرفة التي كانت تولين تجلس فيها.

وجدها نائمة، فجلس بجوارها للحظات.

لم يشعر بالراحة إلا عندما رأى ملامحها الهادئة.

اقترب منها برفق، وما إن شعرت بوجوده حتى فتحت عينيها.

نظرت إليه بدهشة:

“أيهم؟”

ابتسم:

“أيوه، أنا هنا.”

اقتربت منه واحتضنته بسعادة:

“وحشتني أوي.”

ضمها إليه وقال:

“وإنتي كمان وحشتيني.”

ثم نظر إليها وسألها:

“إنتي كويسة؟”

أومأت برأسها.

قال:

“كنت محتاج أشوفك.”

ابتسمت وقالت:

“وأنا كمان.”

جلسا معًا يتحدثان طويلًا عن الأيام الماضية، وعن أحلامهما القادمة.

قال أيهم:

“أنا نفسي نبدأ صفحة جديدة. نعيش بهدوء، ونركز في بيتنا وولادنا.”

نظرت إليه بحب:

“وأنا كل اللي نفسي فيه إننا نفضل مع بعض.”

ابتسم لها:

“وهنفضل، بإذن الله.”

احتضنها، وشعر لأول مرة منذ فترة طويلة أن قلبه بدأ يستعيد راحته.

—

### الفصل الثامن عشر

تلك الليلة لم تستطع تولين النوم بسهولة.

كانت تستعيد الكثير من الذكريات، وتشعر بتداخل مشاعرها القديمة مع حياتها الجديدة.

دخلت عمتها إليها، فوجدتها شاردة.

جلست بجوارها وربتت على كتفها:

“ليه كده يا تولين؟ ليه شايلة كل ده في قلبك؟”

ارتمت تولين في أحضانها وقالت:

“أنا مش عارفة أعمل إيه.”

قالت عمتها:

“إنتي دلوقتي محتاجة تبصي لقدام. الماضي انتهى، وحياتك دلوقتي مع أيهم.”

سكتت تولين تستمع إليها.

أكملت عمتها:

“الحب حاجة جميلة، لكن الأمان والاستقرار حاجة تانية. الإنسان محتاج حد يطمنه ويقف جنبه.”

نظرت إليها تولين بعينين دامعتين.

قالت عمتها:

“أيهم بيحاول يكون سند ليكي. خدي بالك من النعمة دي، واحمدي ربنا عليها.”

احتضنتها تولين بقوة.

بعد منتصف الليل، عاد أيهم إلى المنزل.

دخل بهدوء، ثم توجه إلى غرفتها.

وجدها نائمة، فجلس بجوارها للحظات.

كانت بين يديها صورة قديمة تجمعها بزوجها السابق، فتوقف للحظة.

شعر بشيء من الغيرة والحيرة، وبدأ يسأل نفسه إن كانت لا تزال تحمل له بعض المشاعر.

لكنه تذكر أن الماضي أصبح جزءًا من حياتها فقط، وأن الحاضر الذي يجمعهما أهم.

وبينما كان شاردًا، استيقظت تولين.

فتحت عينيها ورأته أمامها.

ابتسمت فورًا:

“أيهم، إنت هنا بجد؟”

اقترب منها وقال:

“أيوه يا تولين، أنا هنا.”

احتضنته بقوة:

“وحشتني أوي.”

ضمها إليه وقال:

“وإنتي كمان وحشتيني.”

ثم نظر إلى عينيها وقال:

“عاوزك تطمني. أنا مش عاوز غير إنك تكوني مرتاحة معايا.”

قالت وهي تبكي:

“أنا بحبك يا أيهم.”

ابتسم ومسح دموعها:

“وأنا بحبك أكتر.”

أضافت:

“أنا ساعات بخاف من مشاعري، وبسأل نفسي إذا كنت بعمل حاجة غلط.”

رد عليها بهدوء:

“متجلديش نفسك. الإنسان مش بيتحكم في كل مشاعره، لكن يقدر يختار إزاي يتعامل معاها.”

ثم قال:

“المهم إننا نحترم بعض ونحافظ على بيتنا، ونبدأ حياتنا من هنا.”

ابتسمت له واحتضنته.

قالت:

“أنا مرتاحة معاك.”

رد:

“وده كل اللي نفسي فيه.”

وبقيا معًا يتحدثان عن المستقبل، وعن البيت، وعن الأطفال، وعن الأيام الجميلة التي يتمنيان أن يعيشاها سويًا.

وفي تلك اللحظة، شعرت تولين أن الماضي بدأ يبتعد شيئًا فشيئًا، بينما أصبح الحاضر أكثر وضوحًا أمامها.

كان أيهم بجوارها، وكانت تلك بالنسبة لها كافية لتشعر بالطمأنينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى