تولين للكاتبه اسما السيد 5

### الفصل الثالث عشر
صمّم أيهم أن يأخذ تولين بعيدًا لمدة أسبوع، ويترك الأولاد مع عمتها، على أن تذهب والدته وتسنيم لزيارتهم من وقت لآخر في الفيلا الخاصة به.
كانت تولين تجهز حقيبتها للسفر، بينما جلس أيهم بجانبها، وكلما وضعت شيئًا في الحقيبة أخرجه وتأمله بنظراته المعترضة.
قال وهو يمسك إحدى القطع:
ـ ده ضيق.
ثم أخرج أخرى:
ـ وده قصير.
نظرت إليه بضيق وقالت:
ـ ألبس شوال أحسن!
ضحك وجذبها من يدها، فوقعت بجانبه، وقبّل خدها بحب.
ـ هو الجميل زعلان ليه؟
ثم أضاف ببراءة مصطنعة:
ـ يعني ده جزاتي إني بغير عليكي ومش عاوز حد يشوفك غيري؟
قالت وهي تحاول إخفاء ضحكتها:
ـ طب ماشي، والحل إيه؟
أخرج من خلف ظهره حقيبة صغيرة ومدها لها.
فرحت وقبّلت خده:
ـ الله! هدية عشاني؟
ابتسم:
ـ يا رب تعجبك يا قلبي.
لكنها ما إن فتحتها حتى اتسعت عيناها بدهشة، وأعادتها له بسرعة وهي تتمتم:
ـ مستحيل!
وانطلقت إلى الخارج.
ذهب خلفها وهو يضحك:
ـ خدي بس يا تولين، هفهمك!
ردت وهي تهبط الدرج:
ـ انسى!
قال بمكر:
ـ ماشي يا تولين، هنشوف كلام مين اللي هيمشي.
توقفت وعادت إليه، ثم قالت:
ـ أيهم!
نظر إليها بحب:
ـ يا عيون أيهم.
ابتسمت:
ـ خلاص، تنزل المرة دي.
اقتربت منه، وأحاطت عنقه بذراعيها، ثم قبّلت خده وقالت بخفوت:
ـ هو أنا قلتلك قبل كده إني بحبك؟
نظر إليها بدهشة مصطنعة:
ـ لا، أول مرة.
اقتربت من أذنه وهمست:
ـ إزاي؟ إنت متعرفش إني بموت فيك؟
ضحك وحملها بين ذراعيه:
ـ لا، الموضوع كده كبير ولازم نتكلم فيه.
ضحكت وهي تسأله:
ـ والطائرة؟
غمز لها:
ـ لسه بدري.
ثم سكتت شهرزاد عن الكلام الذي لا يُقال.
—
بعد أسبوع، كانا قد زارا معظم معالم الأقصر وأسوان، وكانت تولين سعيدة جدًا بهذه الرحلة.
كان ذلك أسعد أسبوع مر عليهما منذ فترة طويلة.
وفي آخر ليلة، تعرفت تولين على سيدة بسيطة من أهل النوبة تُدعى خديجة، صاحبة متجر صغير للملابس والهدايا.
أحبتها تولين سريعًا، وتبادلتا أرقام الهاتف، واتفقا على التواصل بعد العودة.
وفي الصباح، كانت تولين قد عادت إلى الفيلا، وأرادت أن تجعل آخر ليلة بينهما ذكرى مميزة.
جهزت الغرفة ببعض اللمسات البسيطة، وارتدت ملابس أنيقة، وصففت شعرها، ثم انتظرت أيهم.
عندما دخل الغرفة، فوجئ بما فعلته.
ابتسم بسعادة واقترب منها.
ـ إنتِ اللي عملتي كل ده؟
ضحكت:
ـ عشان آخر ليلة لينا هنا.
مد يده إليها:
ـ طب تعالي.
وبدأت الموسيقى الهادئة، وراحا يرقصان ويضحكان معًا.
كانت لحظة بسيطة، لكنها حملت كل مشاعر الحب التي جمعتهما.
وبعد انتهاء السهرة، اقترب منها أيهم وقال:
ـ إنتِ اللي جبتيه لنفسك يا توتو.
ضحكت وهي تختبئ بين ذراعيه.
وسكتت شهرزاد عن الكلام الذي لا يُقال.
—
بعد يومين، عادا إلى فيلا أيهم.
وفي صباح اليوم التالي، رن هاتفه.
تململت تولين وقالت:
ـ أيهم، تليفونك بيرن.
رد بنعاس:
ـ سيبيه.
لكن الهاتف استمر في الرنين.
مد يده وأجاب، فكان محمد.
بعد دقائق، قال أيهم:
ـ الأولاد وحشوني أوي.
ضحك محمد:
ـ الأولاد بس؟
ابتسم أيهم:
ـ إنت عارف إن نفسي ربنا يرزقني من تولين بأولاد وبنات.
ربت محمد على كتفه وقال:
ـ ربنا يفرح قلبك يا صاحبي.
وفي تلك اللحظة، شعر أيهم بأن هناك أمورًا كثيرة تحتاج إلى ترتيب، وأن عليه أن يواجه المرحلة القادمة بهدوء وحكمة.
—
بعد فترة قصيرة، كان أيهم يمر بمرحلة صعبة بسبب خلافات كبيرة داخل العائلة والعمل.
وبمساعدة صديقه معتز، بدأ يجمع المستندات التي تثبت حقوقه، ويتابع كل التفاصيل بهدوء.
قال معتز:
ـ متقلقش يا صاحبي، إحنا هنمشي خطوة خطوة لحد ما كل حاجة ترجع لمكانها.
أومأ أيهم:
ـ ربنا يسهل.
وفي الوقت نفسه، كان هناك من يحاول استغلال الخلافات داخل العائلة لمصلحته، لكن أيهم كان مصممًا على إنهاء كل شيء بالطرق القانونية، وحماية أسرته من أي ضغوط.
—
بعد ساعات طويلة، عاد أيهم إلى البيت.
دخل الغرفة ووجد تولين تنتظره.
ما إن رأته حتى اقتربت منه، وأمسكت يده.
ـ اتأخرت عليا.
نظر إليها بحب:
ـ كان لازم أخلص شوية حاجات.
وضعت رأسها على كتفه:
ـ المهم إنك رجعت.
ضمها إليه:
ـ وأنا مفيش حاجة في الدنيا أهم عندي من إني أرجعلك.
ابتسمت.
كان كلاهما يعرف أن الأيام القادمة لن تكون سهلة، لكنهما قررا مواجهتها معًا.
### الفصل الرابع عشر
مرت الأيام، وازدادت الضغوط حول أيهم.
كانت تولين تلاحظ شروده وتعبه، لكنها لم تكن تضغط عليه بالأسئلة.
كانت تعرف أنه حين يحتاج إليها سيخبرها بكل شيء.
وفي إحدى الليالي، جلست بجواره وقالت:
ـ أيهم، احكيلي.
نظر إليها باستغراب:
ـ أحكيلك إيه؟
ـ اللي جواك.
صمت للحظات، ثم قال:
ـ ساعات بحس إن كل حاجة حواليّا بتشدني من ناحية.
وضعت يدها فوق يده:
ـ وأنا هنا عشان أكون الناحية اللي تريحك.
نظر إليها طويلًا.
كانت كلماتها البسيطة كافية لتجعله يشعر بالأمان.
قال:
ـ عارف إيه أكتر حاجة بحبها فيكي؟
ابتسمت:
ـ إيه؟
ـ إنك بتفهميني من غير ما أتكلم.
ضحكت:
ـ عشان أنا مراتك.
اقترب منها وقال:
ـ وإنتِ مش بس مراتي، إنتِ بيتي.
احتضنته بهدوء.
وفي تلك اللحظة، شعر أيهم أن كل الضغوط الموجودة خارج هذا البيت لا تساوي شيئًا أمام راحته وهو بجوارها.
—
في اليوم التالي، بدأت تولين تستعيد بعض ذكرياتها القديمة.
كانت تتذكر شريف، والزواج الذي عاشته في ظروف معقدة، والسنوات التي شعرت خلالها بأنها وحيدة رغم وجود شخص تحبه.
لم تكن تشك في مشاعرها القديمة، لكنها أدركت مع الوقت أن الحب وحده لا يكفي.
كانت تحتاج إلى الأمان.
إلى شخص يقف بجانبها عندما تخاف.
إلى شخص تسمح له بأن يرى ضعفها دون أن تشعر بالخجل.
وكان أيهم هو الشخص الذي منحها ذلك الشعور.
دخلت عمتها عليها في إحدى الليالي، فوجدتها شاردة.
قالت لها:
ـ مالك يا تولين؟
حكت لها ما يدور داخلها.
ابتسمت عمتها وقالت:
ـ يا بنتي، متحمليش نفسك فوق طاقتها.
ثم أضافت:
ـ الإنسان مش بيتحاسب على الذكريات اللي عدت، بيتحاسب على اختياراته دلوقتي.
نظرت تولين إليها.
ـ يعني أنا غلطانة؟
ـ لأ. إنتِ بس محتاجة تفهمي قلبك.
ثم أمسكت يدها:
ـ شوفي مين واقف جنبك، مين بيطمنك، ومين بيخليكي حاسة إنك مش لوحدك.
خفضت تولين عينيها.
كانت تعرف الإجابة بالفعل.
أيهم.
—
في منتصف الليل، عاد أيهم إلى البيت بعد يوم طويل.
دخل غرفتها بهدوء، فوجدها نائمة.
جلس بجوارها للحظات، ونظر إليها بحب.
لاحظ صورة قديمة في يدها، فتوقف قليلًا.
كانت صورة تجمعها بشريف وطفلهما سليم.
شعر أيهم بمشاعر متداخلة.
غيرة، خوف، وقلق من أن تكون ذكريات الماضي ما زالت تحتل جزءًا من قلبها.
وقبل أن يستسلم لأفكاره، فتحت تولين عينيها.
نظرت إليه بدهشة:
ـ أيهم؟ إنت هنا بجد؟
اقترب منها:
ـ أيوه يا قلبي.
احتضنته بقوة.
ـ وحشتني أوي.
ضمها إليه، ثم قال بصوت متردد:
ـ تولين… قوليلي حاجة.
نظرت إليه:
ـ إيه؟
أخرج الصورة القديمة، وسألها:
ـ لسه الماضي بيوجعك؟
صمتت.
ثم قالت:
ـ الماضي جزء من حياتي، لكن مش هو حياتي دلوقتي.
نظر إليها باهتمام.
أكملت:
ـ أنا مش هقدر أمسح حاجة حصلت قبل ما أعرفك، لكن أقدر أقولك إن قلبي دلوقتي اختارك إنت.
تنفس بعمق.
ـ يعني مش ندمانة؟
ابتسمت وسط دموعها:
ـ ندمانة على حاجة واحدة.
ـ إيه؟
ـ إني خفت أقولك الكلام ده بدري.
ضحك رغم دموعه:
ـ طب قولي دلوقتي.
اقتربت منه:
ـ بحبك يا أيهم.
ابتسم:
ـ أكتر؟
ضحكت:
ـ بعشقك.
ضمها إليه وقال:
ـ وأنا كمان بعشقك.
ثم استقرا معًا في هدوء، وقد أدرك كلاهما أن ما يجمعهما الآن أقوى من أي ذكرى قديمة.
لم تكن تولين خائنة لماضيها، ولم يكن أيهم منافسًا لأحد.
كانا فقط شخصين وجدا أخيرًا المكان الذي يشعران فيه بالأمان.
وكان ذلك كافيًا ليبدأ فصل جديد من حياتهما.



