روايات وقصص

امي واختي حكايات اسما السيد 2

ركبت أول عربية راجعة من الفيوم للجيزة، وطول الطريق جملة منى كانت بتتكرر في دماغي: — أنا مش واثقة إن أحمد كان ناوي يرجع من الغردقة ويعيش معاكي أصلًا. عمر وملك سيبتهم عند أبويا وأمي. ما كنتش عايزة العيال يشوفوني وأنا بالشكل ده. وصلت مكتب منى قبل المغرب بشوية. أول ما دخلت، لقيتها حاطة قدامها ملف كبير وكذا ورقة متعلمين بقلم أحمر.

 

قعدت قدامها وقلت من غير مقدمات:

— قولي.

منى شبكت صوابعها وقالت:

— الأول لازم تفهمي إننا لسه بنراجع المستندات، ومش هنتهم حد بحاجة قبل ما نتأكد رسميًا.

— منى… قولي اللي لقيتيه.

زقت ورقة ناحيتي.

— دي صورة من ورقة مرتبطة بالشقة.

بصيت فيها.

اسمي.

اسم أحمد.

عنوان شقتنا.

وتحتهم توقيع.

توقيعي أنا.

لكن أنا ما وقعتش الورقة دي في حياتي.

رفعت عيني لها.

— ده مش توقيعي.

— متأكدة؟

— طبعًا متأكدة!

قربت الورقة مني أكتر.

التوقيع كان شبه توقيعي فعلًا.

لكن حرف النون في اسمي كان مختلف.

تفصيلة صغيرة جدًا.

أي حد غيري ممكن ما ياخدش باله منها.

قلت:

— هو حاول يقلد توقيعي.

منى ردت:

— ما نستبقش التحقيق. لكن عشان كده قلتلك إن الموضوع محتاج مراجعة رسمية.

حسيت إيدي بتترعش.

— والورقة دي بتعمل إيه؟

— فيها بيانات وإقرارات مرتبطة بإجراء مالي كان بيحاول يتم على الشقة.

بصيت لها.

— يعني إيه؟

— يعني كان فيه محاولة لاستخدام الشقة كضمان في معاملة مالية.

اتسمرت.

الشقة.

الشقة اللي أنا دفعت معظم مقدمها.

اللي كنت بسدد قسطها كل شهر من مرتبي.

الشقة اللي فيها أوضة عمر.

وسرير ملك.

وصور أولادي على الحيطان.

قلت:

— من غير ما أعرف؟

منى قالت:

— ده اللي لازم نثبته رسميًا.

حطيت إيدي على وشي.

لكنها قالت:

— استني. لسه فيه الأرض.

طلعت ورقة تانية.

— التوكيل اللي والدك عمله لأحمد كان محدود لإجراءات معينة، على حسب النسخة اللي معاه.

تنفست شوية.

لكن منى كملت:

— إنما فيه مستند تاني ظهر بعده.

— إيه هو؟

— ورقة بتدي انطباع إنك موافقة على تصرف أوسع بخصوص نصيبك.

بصيت للتوقيع.

نفس التقليد.

نفس حرف النون الغلط.

همست:

— نفس التوقيع.

منى هزت راسها.

— بالضبط.

في اللحظة دي موبايلي رن.

أحمد.

منى بصت للشاشة وقالت:

— ما تقوليلوش إنتِ عرفتي إيه.

رديت.

— ألو؟

صوته كان مختلف.

مش عصبي زي الصبح.

هادي زيادة عن اللزوم.

— نورهان، إحنا لازم نهدي الموضوع.

ضحكت بمرارة.

— دلوقتي عايز نهدي؟

— آه. إحنا بينا عيال و14 سنة جواز. مش معقول نخرب بيتنا عشان كارت بنك.

بصيت لمنى.

هي كانت بتراقبني في صمت.

قلت:

— صح. مش معقول نخرب بيتنا عشان كارت.

أحمد ارتاح.

سمعت النفس اللي طلعه.

— أهو. كده بنتكلم بعقل.

وبعدين قال:

— افتحي الكروت وأنا لما أرجع هفهمك كل حاجة.

— هترجع إمتى؟

سكت لحظة.

— بكرة.

— مش كنتوا حاجزين أربع أيام؟

— غيرنا رأينا.

قلت بهدوء:

— ليه؟

— عادي.

وفجأة سمعت صوت داليا بعيد:

— أحمد! ماما بتقولك الراجل مستني تحت!

اتغير صوت أحمد فورًا.

— هكلمك بعدين.

وقفل.

بصيت لمنى.

— سمعتي؟

— الراجل مين؟

هزيت راسي.

— معرفش.

لكن بعدها بدقيقة وصلتني رسالة من رقم غريب.

رقم ما كانش متسجل عندي.

فتحتها.

“مدام نورهان؟ أنا آسف إني بكلم حضرتك، بس لازم تعرفي إن جوزك موجود هنا عشان يقابل مشتري، مش عشان يصيف.”

قلبي وقف لحظة.

بعت بسرعة:

“مشتري إيه؟”

ظهرت علامة الكتابة.

اختفت.

ظهرت تاني.

وبعدين وصلت صورة.

أحمد.

قاعد في كافيه داخل الفندق.

قدامه حماتي وداليا.

وراجل معرفوش.

وعلى الترابيزة بينهم ملف.

كبرت الصورة.

وعلى أول ورقة في الملف كان فيه عنوان واضح.

عنوان أرض أهلي في الفيوم.

قمت من الكرسي مرة واحدة.

— منى…

بصت للصورة.

وشها اتغير.

— مين بعت دي؟

— معرفش.

اتصلت بالرقم.

محدش رد.

وبعد ثواني وصلت رسالة تانية:

“أنا وسيط عقارات. كنت فاكر إن الأرض ملكه. لكن لما طلبت أشوف أصل المستندات، اكتشفت إن فيه أسماء تانية. ولما سألته عن حضرتك، قال إنك موافقة على البيع.”

حسيت الدم بيغلي في عروقي.

كتبت:

“أنا لم أوافق على بيع أي شيء.”

الرد جه بسرعة:

“عشان كده كلمتك.”

منى مدت إيدها.

— اديني الموبايل.

قرأت الرسائل كلها.

وبعدين قالت:

— احتفظي بالمحادثة والصور. وما تواجهيهوش دلوقتي.

قلت:

— ده كان رايح يبيع أرض أهلي وهو بيقولي رايح يصيف؟

— إحنا هنثبت الوقائع الأول.

لكن عقلي رجع لجملة داليا:

“من غير حد قاعد يحسب كل جنيه.”

فجأة كل حاجة بقت مفهومة.

كانوا عايزينني في الفيوم.

بعيدة.

مشغولة بالأرض.

ومعايا العيال.

وأحمد ياخد الكارت الاحتياطي، ويسافر يقابل الشخص اللي مستنيه.

لكن كان فيه سؤال واحد مجنني.

— ليه سعاد وداليا معاه؟

منى ما ردتش.

وأنا عرفت إن الإجابة مش هتعجبني.

رجعت شقتي في الجيزة لوحدي.

دخلت أوضة النوم.

فتحت دولاب أحمد.

فضلت أدور.

جيوب البدل.

الشنط القديمة.

الأدراج.

لحد ما لقيت شنطة لابتوب قديمة فوق الدولاب.

جواها ملف أزرق.

فتحته.

إيصالات.

صور بطاقات.

أوراق تخص الأرض.

ونسخة من عقد الشقة.

وفي الآخر لقيت ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط أحمد:

“بعد البيع: سداد الدين — مقدم الوحدة — الباقي يتقسم.”

فضلت باصة للجملة.

“مقدم الوحدة؟”

وحدة إيه؟

صورت الورقة وبعتها لمنى.

بعد أقل من عشر دقايق اتصلت بيا.

— نورهان، عندك كمبيوتر أحمد؟

— آه.

— ما تدخليش على أي حساب خاص بيه. بس احتفظي بالأوراق اللي تخصك، وسيبي أي فحص قانوني يتم بالطريقة الصح.

— حاضر.

وأنا بقفل الملف، ورقة وقعت منه على الأرض.

انحنيت وخدتها.

كان إيصال حجز.

وحدة سكنية جديدة.

دفعة حجز مدفوعة من شهور.

واسم صاحب الحجز:

أحمد محمود.

لكن تحت اسمه كان فيه اسم تاني.

اسم ست.

مش اسمي.

ولا اسم أمه.

ولا داليا.

فضلت أحدق في الاسم وأنا حاسة إن نفسي بيتسحب مني.

وفي نفس اللحظة، سمعت صوت مفتاح في باب الشقة.

اتجمدت.

أحمد قال إنه راجع بكرة.

لكن الباب اتفتح.

وسمعت صوت حماتي في الصالة:

— ادخل يا أحمد… خلينا نخلص الموضوع الليلة قبل ما نورهان ترجع من الفيوم.

قفلت الملف بسرعة.

خطواتهم قربت من أوضة النوم.

وبعدين سمعت أحمد يقول:

— الورق هنا. أول ما ناخده نمشي.

سعاد سألته:

— وهي لو اكتشفت؟

ضحك أحمد ضحكة قصيرة وقال:

— هتكتشف إيه؟ هي دلوقتي واقفة وسط البطاطس.

كنت واقفة على بعد أمتار منه.

والورقة اللي عليها اسم الست الغريبة في إيدي.

ولأول مرة من 14 سنة…

ما كنتش خايفة أعرف الحقيقة.

كنت مستنية بس أحمد يفتح باب الأوضة…

ويشوفني.

يتبع…

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى