روايات وقصص

بتلات الورد حكايات اسما السيد

قبل زفافنا بدقائق، قالت لي ابنة زوجي الصغيرة، التي كانت تحمل سلة الزهور: «دلوقتي بما إنك بقيتي ماما، أقدر أوريكي سر بابا.» وما أخرجته من تحت بتلات الورد جعل وجهي يشحب من الصدمة. قبل عشر دقائق فقط من موعد زفافي، دخلت ابنة زوجي، ذات الثماني سنوات، إلى غرفة العروس وهي تحمل سلة الزهور، ثم أغلقت الباب خلفها بعناية.

كنت أحب تلك الطفلة تقريبًا منذ أن بدأت أحب والدها. كانت والدتها قد اختفت من حياتهما عندما كان عمرها أربع سنوات، ونادرًا ما كان والدها يتحدث عنها، باستثناء قوله إنها اختارت حياة أخرى، وفي النهاية توقفت عن التواصل معهما تمامًا.
لم أشك في كلامه يومًا.
كنت أراه وهو يُحضّر لابنته طعام المدرسة، ويحاول تضفير شعرها قبل ذهابها، ويحضر كل عروضها واحتفالاتها. كان يبدو لي أبًا يتمنى أي طفل أن يكون لديه مثله.
وفي صباح يوم الزفاف، كانت الصغيرة في غاية السعادة لأنني سأصبح أمها «رسميًا». وتدربت مرات كثيرة على نثر بتلات الورد أثناء سيرها في ممر الزفاف.
لكنها الآن كانت جادة بشكل غريب.
همست لي:
«جبتلك حاجة.»
وقبل أن أسألها ما هي، ابتسمت وأضافت ببراءة:
«دلوقتي بما إنك بقيتي ماما، أقدر أوريكي سر بابا.»
ضحكت في البداية وقلت:
«سر إيه؟»
قالت:
«بابا قال لي إني ما ينفعش أوريهولِك قبل كده.»
الطريقة التي قالت بها الجملة جعلت ابتسامتي تختفي فورًا.
صعدت الصغيرة على الكرسي بجانبي وبدأت تبحث وسط بتلات الورد البيضاء.
قالت:
«لقيته في مكتب بابا. ولما عرف إني شوفته، اتعصب جدًا وخلاني أوعده إني ما أقولكيش.»
سألتها:
«طيب ليه جبتيه النهارده؟»
نظرت إليّ باستغراب، وكأن الإجابة واضحة جدًا.
«لأنك قبل كده ما كنتيش ماما.»
شعرت بانقباض في معدتي.
شرحت لي أنها تسللت إلى مكتب والدها في ذلك الصباح بينما كان يستحم، وأخذت السر من الدرج السفلي، ثم أخفته تحت بتلات الورد في سلتها حتى لا يلاحظ اختفاءه.
فجأة، طرق أحدهم الباب من الخارج.
«فاضل سبع دقايق!»
لكن الصغيرة تجاهلت الصوت.
أزاحت حفنة من بتلات الورد، ثم حفنة أخرى، حتى لاحظت شيئًا مخفيًا أسفل البطانة الحريرية للسلة…
حزمة ملفوفة بقطعة قماش بيضاء متسخة.
قالت وهي تنظر إليّ:
«شايفة؟ بابا ما يعرفش إنها معايا.»
ثم أخرجت الحزمة ووضعتها مباشرة بين يديّ.
حدقت فيها.
شعرت وكأن قلبي توقف عن النبض.
فتحت الحزمة ببطء…
وما وجدته بداخلها جعل الدم ينسحب من وجهي.
صرخت من هول ما رأيت… ⬇️

الفصل الثاني: ما تحت بتلات الورد

صرخت.

لم تكن صرخة عالية بقدر ما كانت صوتًا مختنقًا خرج مني دون إرادة.

تراجعت الصغيرة خطوة وهي تحدق في وجهي بخوف.

قلت بسرعة وأنا أحاول السيطرة على نفسي:

— لا تخافي يا حبيبتي… أنا بس اتفاجئت.

لكن الحقيقة أنني لم أكن متفاجئة.

كنت مرعوبة.

بين يدي كان هاتف قديم، مكسور الشاشة، وعلى غطائه الخلفي بقعة بنية داكنة بدت كأنها دم جاف.

وكان ملفوفًا معه شيء آخر.

سوار نسائي فضي.

عرفته فورًا.

رأيته من قبل في صورة قديمة لوالدة الصغيرة.

الصورة الوحيدة التي احتفظ بها زوجي السابق لها، قبل أن يقول لي يومًا:

— دي أم بنتي… سابتنا واختفت.

رفعت عيني إلى الطفلة.

— إنتِ متأكدة إن ده كان عند بابا؟

هزت رأسها.

— أيوه. في الدرج اللي بيقفله بالمفتاح.

ثم أضافت بصوت منخفض:

— وفي حاجات تانية.

شعرت ببرودة تسري في ظهري.

— حاجات إيه؟

اقتربت مني وهمست:

— صور لماما.

توقفت أنفاسي.

من الخارج جاء صوت أختي:

— خمس دقايق! العريس مستني!

نظرت إلى فستان زفافي الأبيض.

إلى المرآة.

إلى الهاتف.

ثم إلى الطفلة.

بعد دقائق، كان يفترض أن أمشي في الممر وأضع يدي في يد الرجل الذي أحببته لعامين.

الرجل الذي وثقت به.

الرجل الذي أخبرني أن زوجته السابقة تخلت عن طفلتها واختفت بإرادتها.

لكن شيئًا واحدًا لم أستطع إخراجه من رأسي.

إذا كانت قد رحلت فعلًا…

فلماذا كان سوارها الملطخ بالدم مخبأً في درج مكتبه؟

قلت للصغيرة:

— بابا يعرف إنك أخدتي الحاجة دي؟

— لأ.

— كويس. ما تقوليلوش.

رمشت بعينيها.

— هو عمل حاجة وحشة؟

جلست أمامها رغم أن فستاني كان يعيق حركتي وأمسكت بيديها.

— مش عارفة. وعشان كده لازم نكون هاديين.

ثم سمعت طرقًا على الباب.

هذه المرة كان أقوى.

— العريس بيسأل عليكم!

نظرت إلى الهاتف القديم.

وفجأة اهتزت يدي.

الشاشة كانت محطمة، لكن ربما…

ربما ما زال يعمل.

ضغطت زر التشغيل.

لا شيء.

ضغطته مرة أخرى.

ظهر ضوء ضعيف.

ثم شعار الشركة.

اتسعت عيناي.

الهاتف ما زال يعمل.

وبعد ثوانٍ ظهرت شاشة القفل.

كانت الخلفية صورة للطفلة وهي أصغر سنًا، نائمة بين ذراعي امرأة عرفتها من الصور.

أمها.

وفي أعلى الشاشة ظهرت رسالة لم أرها إلا للحظة:

بطاقة SIM غير موجودة.

لكن الهاتف لم يكن مقفلًا برمز.

سحبت الشاشة.

ودخلت.

أول شيء فتحته كان معرض الصور.

تجمدت أصابعي.

آخر الصور الموجودة على الهاتف يعود تاريخها إلى الليلة التي قال زوجي إن زوجته السابقة تركت المنزل.

فتحت الصورة الأخيرة.

كانت مظلمة ومهزوزة.

ممر البيت.

ثم صورة ثانية.

باب مكتب زوجي.

ثم ثالثة…

زوجي واقف أمام الباب.

وكان ينظر مباشرة إلى الكاميرا.

لكن وجهه لم يكن الوجه الهادئ الذي أعرفه.

كان غاضبًا.

مرعبًا.

والأغرب أن قميصه كان ملطخًا بالدم.

وضعت يدي على فمي.

لكن الصورة التالية كانت أسوأ.

كانت صورة للأرضية.

وبجانب قدم زوجي ظهر السوار نفسه الذي كنت أحمله الآن.

ثم وجدت مقطع فيديو.

مدته دقيقتان وسبع عشرة ثانية.

ضغطت تشغيل.

في البداية لم يظهر شيء.

فقط ظلام.

ثم جاء صوت امرأة تبكي.

— أرجوك… البنت نايمة.

عرفت صوتها رغم أنني لم أسمعه من قبل.

والدة الصغيرة.

ثم جاء صوته.

صوت الرجل الذي كان ينتظرني الآن أمام المذبح.

— قلتلك مش هتمشي.

ردت:

— أنا مش هسيب بنتي معاك.

ساد الصمت للحظة.

ثم صرخت المرأة:

— ابعد عني!

اهتزت الصورة .

سمعت ارتطامًا.

ثم صرخة.

ثم…

انقطع الفيديو.

لم أشعر بنفسي إلا وأنا أجلس على الأرض.

قالت الصغيرة بخوف:

— ماما؟

كانت أول مرة تناديني بها.

لكنني لم أستطع الرد.

لأنني كنت أنظر إلى تاريخ الفيديو.

كان قبل أربع سنوات بالضبط.

ليلة اختفاء والدتها.

الفصل الثالث: العروس التي لم تخرج

بدأ الطرق على الباب يتحول إلى قلق.

— كل حاجة تمام؟

كان صوت أختي.

فتحت الباب قليلًا وسحبتها إلى الداخل.

بمجرد أن رأت وجهي قالت:

— مالك؟

ناولتها الهاتف.

شاهدت الفيديو.

وعندما انتهى، رفعت عينيها نحوي وقالت كلمة واحدة:

— الشرطة.

أومأت.

لكن قبل أن تتصل، أمسكت يدها.

— استني.

— مستنية إيه؟!

أشرت إلى الصغيرة.

كانت تقف أمامنا محتضنة سلة الزهور.

— قالت إن فيه حاجات تانية في المكتب.

نظرت أختي إليّ.

— وإنتِ ناوية تعملي إيه؟

نظرت إلى باب الغرفة.

خلفه عشرات الضيوف.

وخلفهم رجل لا يعرف أننا اكتشفنا سره.

قلت:

— مش هواجهه.

ثم أضفت:

— ومش هخليه يعرف إننا عرفنا حاجة.

اتصلت أختي بالشرطة بهدوء وشرحت الموقف.

طلبوا منا عدم مواجهته، وعدم مغادرة المكان بمفردنا، والحفاظ على الهاتف كما هو.

لكن قبل أن تنهي المكالمة…

طرق شخص آخر الباب.

طرق خفيف.

ثم جاء صوته.

صوته هو.

— حبيبتي؟

شعرت بأن جسدي كله تجمد.

اقترب من الباب وقال مبتسمًا:

— هو أنا هفضل مستني كتير ولا إيه؟

لم أجب.

ثم سمعته يقول:

— والبنت عندك؟

وضعت الصغيرة يدها على فمها.

نظرت إليّ.

كان الخوف في عينيها واضحًا.

ثم جاء السؤال الذي جعل قلبي يغرق:

— هي أخدت حاجة من مكتبي؟

لم يتحرك أحد.

عاد يسأل، لكن نبرة صوته تغيرت:

— حبيبتي… افتحي الباب.

نظرت إلى أختي.

همست:

— هو عرف.

فجأة تحرك مقبض الباب.

مرة.

مرتين.

ثم توقف.

قال من الخارج:

— افتحي.

لم تعد نبرته ودودة.

كانت نفس النبرة التي سمعتها في الفيديو.

أمسكت الطفلة بيدي.

— ماما… أنا خايفة.

ضممتها إليّ.

وفي اللحظة نفسها، جاء صوت آخر من نهاية الممر:

— حضرتك ممنوع تدخل.

ثم أصوات خطوات سريعة.

وأصوات رجال.

وصوت زوجي يرتفع:

— إيه اللي بيحصل؟!

فتحت أختي الباب.

كان هناك شرطيان.

وبينما كان الضيوف يقفون مصدومين، اقترب أحدهما من الرجل الذي كان من المفترض أن يصبح زوجي بعد دقائق.

قال له:

— محتاجين حضرتك تيجي معانا.

نظر إليّ.

ثم نظر إلى الطفلة.

ثم وقعت عيناه على الهاتف في يدي.

تغير وجهه تمامًا.

لم يسأل لماذا.

لم يتظاهر بأنه لا يعرف الهاتف.

قال فقط:

— إنتِ جبتي ده منين؟

كانت تلك الجملة كافية.

تراجع خطوتين.

ثم استدار فجأة وركض.

الفصل الرابع: الدرج السفلي

لم يبتعد كثيرًا.

أمسك به رجال الأمن عند بوابة المكان، ثم اقتادته الشرطة.

أما الزفاف…

فلم يحدث.

بعد ساعات كنت أجلس في مركز الشرطة بفستان زفافي، والطفلة نائمة ورأسها على كتف أختي.

حكيت كل شيء.

أخذوا الهاتف والسوار.

ثم حصلوا على إذن لتفتيش منزله.

وكنت أعتقد أن الهاتف هو السر.

لكنه لم يكن إلا البداية.

في الدرج السفلي من مكتبه وجدوا صندوقًا معدنيًا صغيرًا.

داخله أوراق.

جواز سفر زوجته السابقة.

بطاقتها.

عدة صور.

ومفتاح عليه ملصق مكتوب عليه:

17

في البداية لم يعرف أحد ما الذي يفتحه.

حتى عثروا بين الأوراق على إيصال قديم لوحدة تخزين مستأجرة خارج المدينة.

رقمها 17.

ذهبت الشرطة إلى هناك في الليلة نفسها.

وفي الصباح اتصل بي المحقق.

قال:

— لازم تيجي.

سألته:

— لقيتوا إيه؟

صمت.

ثم قال:

— لقينا حاجة تخص والدة البنت.

شعرت بأنني أعرف ما سيقوله.

— هي ماتت؟

لكنه أجاب:

— لأ.

جلست مستقيمة.

— إيه؟

قال المحقق:

— هي عايشة.

لم أستطع الكلام.

ثم جاءت الجملة الأكثر غرابة:

— وإحنا عارفين هي فين.

الفصل الخامس: الحقيقة التي قلبت كل شيء

لم يكن زوجي قد .

لكن الحقيقة لم تكن أقل رعبًا.

قبل أربع سنوات، بعد مشاجرة بينهما، أصيبت زوجته في رأسها عندما دفعها فسقطت على حافة طاولة.

نزفت بشدة.

خافت منه.

وأخبرته أنها ستأخذ ابنتها وتبلغ الشرطة.

لكنه أخذ هاتفها ووثائقها ومنعها من المغادرة لساعات.

وفي النهاية استطاعت الهرب إلى منزل صديقة.

قدمت بلاغًا.

لكن قبل أن تتمكن من استعادة ابنتها، هددها.

كان يحتفظ برسائل وصور خاصة بها، وأخبرها أنه سيدمر حياتها ويتهمها بأنها أم غير مستقرة إذا حاولت الاقتراب من الطفلة.

ثم أقنع عائلته والجميع بأنها هجرتهم.

أما هي، فانتقلت إلى مدينة أخرى وعاشت سنوات تحاول جمع الأدلة وإعادة فتح قضيتها.

والمفاجأة؟

كانت ترسل رسائل إلى ابنتها طوال السنوات الأربع.

رسائل عيد ميلاد.

صورًا.

هدايا.

بطاقات.

لكن شيئًا منها لم يصل.

لأن والدها كان يعترض كل شيء.

بعض تلك الرسائل وجدتها الشرطة داخل وحدة التخزين رقم 17.

كان يحتفظ بها.

لا أعرف لماذا.

ربما لأنه كان يعتقد أن السيطرة على شخص لا تنتهي بمجرد اختفائه من حياتك.

بعد يومين…

كنت أجلس في غرفة صغيرة بمركز اجتماعي.

والطفلة بجانبي.

قالت لي:

— إحنا مستنيين مين؟

لم أعرف كيف أجيب.

ثم فتح الباب.

دخلت امرأة نحيفة، متوترة، وعيناها ممتلئتان بالدموع.

توقفت الصغيرة عن التنفس تقريبًا.

حدقت فيها.

والمرأة حدقت في ابنتها.

مرت ثوانٍ طويلة.

ثم همست الطفلة:

— ماما؟

انهارت المرأة على ركبتيها.

ركضت الصغيرة إليها.

وضمتها.

وبكتا معًا.

وقفت بعيدًا وأنا أبكي بصمت.

بعد قليل رفعت الصغيرة رأسها عن كتف أمها ونظرت إليّ.

ثم مدت يدها نحوي.

اقتربت.

أمسكت يدي ويد والدتها وقالت ببراءة:

— يعني دلوقتي عندي اتنين ماما؟

ضحكت والدتها وسط دموعها.

أما أنا فلم أستطع إلا أن أحتضنهما.

في ذلك اليوم فهمت شيئًا لن أنساه أبدًا.

كنت أعتقد أن تلك الطفلة جاءت إلى غرفة العروس قبل الزفاف لتكشف لي سرًا سيدمر أسعد يوم في حياتي.

لكنها لم تدمره.

هي أنقذتني.

وأنقذت أمها.

وربما أنقذت نفسها أيضًا.

أما سلة الزهور الصغيرة التي أخفت فيها الهاتف؟

فاحتفظت بها.

حتى اليوم.

ليس كتذكار لزفاف لم يحدث…

بل كتذكار لثمانية أعوام من البراءة كانت أشجع من رجل بالغ عاش سنوات كاملة وهو يختبئ خلف كذبة.

تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى