روايات وقصص

مصير مجهول حكايات اسما السيد 4

وصل ياسين وسلمى إلى المستشفى خلال دقائق. كان فؤاد في العناية، مصابًا بعد حادث سيارة، والأطباء يستعدون لإدخاله غرفة العمليات. عندما رأى ابنه، أدار وجهه. ثم وقعت عيناه على سلمى. — عايز أكلمها لوحدها. قال ياسين: — مستحيل. لكن سلمى أمسكت ذراعه. — استنى بره. نظر إليها. — متأكدة؟

 

— متأكدة.

خرج ياسين على مضض.

اقتربت سلمى من السرير.

قال فؤاد بصوت ضعيف:

— أنا ظلمتك.

— عارفة.

أغمض عينيه.

— بس فيه حاجة ياسين ما يعرفهاش.

— إيه؟

نظر نحو الباب.

— ليلى ما اختفتش عشان حادث وبس.

شعرت سلمى بانقباض في صدرها.

— أمال؟

قال:

— لأنها اكتشفت ملفًا قديمًا… ملف لو ظهر، هيغير حياة ياسين وآدم معاه.

— ملف إيه؟

مد فؤاد يده المرتجفة إلى درج بجوار السرير وأخرج مفتاحًا صغيرًا.

— خزنة مكتبي القديم. الرقم السري تاريخ ميلاد ياسين.

أخذت سلمى المفتاح.

— إيه اللي فيها؟

أجاب:

— الحقيقة عن عيلة العطار.

دخل الطبيب.

— لازم نتحرك حالًا.

وقبل أن يبتعد السرير، أمسك فؤاد يد سلمى.

— مهما قريتي… ما تخليش ياسين يبقى زيي.

ثم أُغلق باب غرفة العمليات.

الفصل السادس والعشرون: الخزنة

ذهبت سلمى وياسين إلى مكتب فؤاد القديم.

أدخل ياسين تاريخ ميلاده.

انفتحت الخزنة.

وجد ملفات وعقودًا وصورًا قديمة.

وفي الأسفل ظرفًا كتب عليه:

“إلى ياسين… إذا وصلتَ إلى هنا، فقد انتهى زمن الكذب.”

فتح ياسين الرسالة.

قرأها بصمت.

ثم جلس.

قالت سلمى:

— مكتوب إيه؟

ناولها الورقة.

كانت رسالة اعتراف كتبها فؤاد قبل سنوات.

اعترف فيها بتبديل سجلات الميلاد وإخفاء هوية سعاد.

واعترف بأنه سمح لوالده بالسيطرة على حياة الجميع خوفًا من خسارة المال والمستشفى.

لكن السطر الأخير كان الأغرب:

“هناك شخص واحد لم أستطع حمايته من أبي… أخوك.”

شهقت سلمى.

نظر ياسين إليها.

— أخويا؟

بدأ الاثنان يقلبان الملفات.

حتى وجدا شهادة ميلاد قديمة.

اسم الأم:

سعاد محمود.

وفي خانة الطفل:

عمر.

تاريخ الميلاد كان قبل ميلاد ياسين بثلاث سنوات.

قال ياسين:

— أمي كان عندها ابن قبلي؟

ثم وجد صورة.

سعاد شابة تحمل طفلًا صغيرًا.

وعلى ظهرها:

“عمر — عامه الثاني.”

قالت سلمى:

— لازم نسأل سعاد.

الفصل السابع والعشرون: عمر

عندما رأت سعاد الصورة، انهارت.

قال ياسين:

— مين عمر؟

جلست وهي ترتجف.

— أخوك.

— عايش؟

لم تجب.

اقترب.

— أمي… أخويا عايش؟

كانت تلك أول مرة يناديها “أمي”.

رفعت سعاد عينيها إليه، واختلط الألم بالفرح.

— أيوه.

— فين؟

— ما أعرفش.

ثم بدأت تحكي.

قبل ولادة ياسين بثلاث سنوات، أنجبت سعاد طفلًا من فؤاد.

لكن والد فؤاد رفض الاعتراف به.

وبعد أشهر اختفى الطفل.

قالت سعاد:

— قالوا لي إنه مات.

سأل ياسين:

— وصدقـتي؟

— ما كانش عندي قوة أعمل حاجة.

قالت ليلى:

— بعد سنين اكتشفت إن الطفل ما ماتش. اتسجل باسم أسرة تانية.

— مين؟

نظرت ليلى إلى ياسين.

— معرفتش أوصل للاسم كامل.

ثم أخرجت ورقة قديمة.

— لكن عرفت الاسم الأول للأب بالتبني.

قرأ ياسين:

حجازي.

رفعت سلمى رأسها فجأة.

— حجازي؟

ساد صمت ثقيل.

قال كريم:

— اسم عيلتنا.

الفصل الثامن والعشرون: الاحتمال المرعب

بدأ كريم يبحث في أوراق والده القديمة.

وبعد ساعات عاد ووجهه شاحب.

وضع شهادة قديمة أمامهم.

قال:

— أبويا وأمي تبنوا طفلًا قبل ولادتي بسنين.

قالت سلمى:

— مين؟

نظر كريم إليها.

— أخونا الكبير.

— إحنا ما عندناش أخ كبير.

— كان عندنا.

أخرج صورة قديمة لرجل في العشرينيات من عمره.

تأملها ياسين.

شعر بقشعريرة.

العينان.

شكل الفك.

حتى طريقة الوقوف.

قال كريم:

— اسمه عندنا كان عمر حجازي.

سأل ياسين:

— فين دلوقتي؟

قال كريم:

— اختفى من حياتنا من حوالي عشرين سنة.

قالت سلمى:

— ليه؟

— حصل خلاف كبير بينه وبين أبويا. وبعدها سافر ومحدش عرف عنه حاجة.

أمسك ياسين الصورة.

— يعني أخويا اتربى وسط عيلة سلمى؟

قالت ليلى:

— أيوه.

لكن كريم أضاف:

— وفيه مشكلة أكبر.

نظروا إليه.

— عمر رجع من سنتين.

قال ياسين:

— فين؟

— قابلني مرة واحدة.

— وقال لك إيه؟

تردد كريم.

— كان بيسأل عنك.

الفصل التاسع والعشرون: صاحب الرسالة

فتح ياسين هاتفه القديم.

الرسالة المجهولة التي دمرت زواجه.

الصور.

الاتهام بالخيانة.

قال:

— لو أبويا ما بعتش الرسالة بنفسه…

نظرت سلمى إليه.

— بتفكر في عمر؟

قال كريم:

— مستحيل.

لكن ياسين لم يجب.

عادوا إلى الملفات.

وجدوا كشفًا لتحويلات مالية.

مبالغ كبيرة خرجت من حساب مرتبط بفؤاد إلى شخص باسم:

عمر حجازي.

وكان آخر تحويل قبل طلاق ياسين وسلمى بأيام.

قالت سلمى:

— أبوك كان بيدفع له.

قال ياسين:

— أو بيشتري سكوته.

رن هاتف كريم.

نظر إلى الشاشة.

رقم مجهول.

رد.

— ألو؟

جاء صوت رجل:

— أخيرًا لقيتوا الملف.

تجمد كريم.

وضع المكالمة على مكبر الصوت.

قال ياسين:

— عمر؟

ضحك الرجل.

— أهلًا يا أخويا الصغير.

وقف ياسين.

— إنت فين؟

— السؤال مش أنا فين.

ثم قال:

— السؤال: فؤاد قال لكم ليه كان بيحول لي فلوس؟

— قول.

— لأ. خليه هو يقول لو عاش.

ثم تغير صوته.

— وبالمناسبة يا سلمى…

تجمدت.

— إنت مين عشان تكلمني؟

— الشخص اللي بعت الصور لياسين.

شهق الجميع.

قالت سلمى:

— ليه؟

جاء الرد:

— لأن جوازكم كان آخر حاجة فؤاد عايزها.

قال ياسين:

— وأنت نفذت له؟

ضحك عمر.

— أنت لسه فاكر إن أبوك هو الشرير الوحيد؟

ثم أغلق الخط.

الفصل الثلاثون: العملية

عادوا إلى المستشفى.

كانت عملية فؤاد قد انتهت.

خرج الجراح.

— العملية نجحت، لكن حالته محتاجة متابعة دقيقة.

دخل ياسين إليه بعد ساعات.

فتح فؤاد عينيه.

قال ياسين:

— عمر عايش.

تغيرت ملامحه.

— كلمكم؟

— أيوه.

— قال إيه؟

— قال إنك كنت بتحوله فلوس.

أغمض فؤاد عينيه.

— كنت بحاول أصلح اللي عملناه فيه.

— بالفلوس؟

— في البداية.

فتح عينيه.

— بعدين بدأ يطلب أكتر.

— ابتزاز؟

— أيوه.

— وهل طلبت منه يفرق بيني وبين سلمى؟

صمت فؤاد.

ثم قال:

— طلبت منه يراقبها.

اشتعل وجه ياسين.

— ليه؟

— كنت عايز أي حاجة تثبت إنها مش مناسبة ليك.

— والصور؟

— هو اللي بعتها من نفسه.

قال ياسين:

— وإنت لما عرفت؟

— سكت.

ابتعد ياسين.

— يبقى شاركته.

— أيوه.

كانت أول مرة يعترف فؤاد دون تبرير.

ثم قال:

— لكن عمر ما كانش عايز فلوس بس.

— كان عايز إيه؟

نظر إليه فؤاد.

— مكانك.

الفصل الحادي والثلاثون: الأخ الأكبر

بعد أيام خرج فؤاد من العناية.

وفي الوقت نفسه، وصل إلى ياسين ظرف.

داخله عنوان وموعد.

وورقة كتب عليها:

“تعالى لوحدك لو عايز تعرف ليه أنا بكرهك.”

لم يذهب وحده.

أخبر سلمى وكريم بالمكان، ورفض أن يكرر عادته القديمة في التصرف منفردًا.

ذهب إلى مقهى عام.

كان عمر ينتظره.

رجل في أواخر الثلاثينيات.

وقف الاثنان أمام بعضهما.

قال عمر:

— شبه أبوك.

رد ياسين:

— وأنت شبهي.

ابتسم عمر.

— دي أكتر حاجة بكرهها.

جلسا.

قال ياسين:

— ليه دمرت جوازي؟

أجاب عمر:

— عشان أشوف فؤاد وهو بيخسر ابنه المفضل.

— وسلمى ذنبها إيه؟

لأول مرة صمت عمر.

قال ياسين:

— أنت انتقمت من أبوك في واحدة مالهاش ذنب. بالظبط زي ما هو عمل فيك.

تغير وجه عمر.

— ما تقارنّيش بيه.

— ليه؟ لأن الحقيقة بتوجع؟

وقف عمر.

لكن ياسين بقي جالسًا.

— أنا مش جاي أحاربك.

نظر عمر إليه.

— أمال جاي ليه؟

— أقولك إن اللي حصل لك ظلم.

سخر عمر.

— مش محتاج شفقة.

— مش شفقة.

ثم قال:

— أنت أخويا.

ارتبكت ملامح عمر للحظة.

قال:

— ما عنديش أخ.

رد ياسين:

— براحتك. لكن الحقيقة مش بتتغير عشان إحنا مش عاجبانا.

الفصل الثاني والثلاثون: الاعتذار الذي تأخر

بعد أسابيع، طلب فؤاد مقابلة سلمى.

رفضت في البداية.

ثم وافقت.

قال لها:

— أنا مش طالب تسامحيني.

جلست صامتة.

— أنا هسحب نفسي من أي نزاع يخص آدم. وهحوّل إدارة المستشفى لمجلس مستقل.

نظرت إليه.

— ليه؟

— لأني أخيرًا فهمت إن كل مرة حاولت أحافظ على اسم العيلة… كنت بدمر حد منها.

قالت سلمى:

— الاعتذار الحقيقي مش كلام.

— عارف.

— وليلى؟

خفض رأسه.

— مستعد أواجه أي تحقيق قانوني بخصوص اللي حصل.

— وسعاد؟

— اعتذرت لها.

— وياسين؟

نظر فؤاد إلى الباب.

كان ابنه يقف بعيدًا.

— دي أصعب واحدة.

قالت سلمى:

— لأنك شايف نفسك فيه.

لم يجب.

الفصل الثالث والثلاثون: الخاتم مرة أخرى

مرت ثلاثة أشهر أخرى.

وفي مساء هادئ، كان ياسين في منزل سلمى يلعب مع آدم.

أخرج الطفل شيئًا من جيب حقيبة أبيه.

علبة صغيرة.

رأتها سلمى.

رفعت حاجبها.

— دي لسه معاك؟

احمر وجه ياسين.

— آدم بيفتش في حاجتي.

ضحكت.

فتح آدم العلبة وأسقط الخاتم على الأرض.

أخذه ياسين.

ثم نظر إلى سلمى.

— إحنا اتقطعنا آخر مرة.

قالت:

— فعلًا.

— السؤال لسه قائم.

ابتسمت.

— وأنا إجابتي لسه قائمة.

وقف.

— يعني؟

مدت يدها.

— يعني حط الخاتم قبل ما ابنك يبلعه.

ضحك.

ووضعه في إصبعها.

صفق آدم بلا سبب مفهوم.

قال ياسين:

— شايفة؟ موافق.

ردت:

— ده غالبًا عايز ياكل.

— سيبيني أعيش اللحظة.

الفصل الرابع والثلاثون: البداية الثانية

اختارا حفلًا صغيرًا.

لم يدعُ ياسين الصحافة.

لم يحجز أفخم فندق.

لم يشترِ لسلمى فستانًا دون أن يسألها.

اختارت هي كل شيء معه.

وفي يوم عقد القران، وقف ياسين أمام المرآة.

دخل فؤاد.

ساد صمت بينهما.

قال الأب:

— مبروك.

— الله يبارك فيك.

همّ فؤاد بالخروج.

لكن ياسين قال:

— استنى.

توقف.

— أنا مش مسامحك على كل حاجة.

أومأ فؤاد.

— فاهم.

— ويمكن الموضوع ياخد سنين.

— هستنى.

نظر إليه ياسين.

— بس آدم محتاج جد… لو الجد ده عرف يحترم حدودنا.

امتلأت عينا فؤاد بالدموع.

— هحاول.

قال ياسين:

— ما تحاولش بالكلام.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

— ورّينا.

الفصل الخامس والثلاثون: رسالة عمر

بعد انتهاء الحفل، عاد ياسين وسلمى إلى منزلهما.

كان آدم نائمًا.

جلست سلمى بجوار ياسين.

قالت:

— غريبة.

— إيه؟

— أول مرة دخلت بيتك كنت حاسة إني ضيفة.

ثم نظرت حولها.

— هنا حاسة إنه بيتنا.

أمسك يدها.

رن هاتفه.

رسالة من عمر.

فتحها.

“مبروك.”

ابتسم ياسين.

ثم جاءت رسالة ثانية:

“أنا مسافر. محتاج وقت.”

كتب ياسين:

“خد وقتك.”

ثم توقف.

وأضاف:

“بس لما ترجع، عندك مكان.”

قرأ عمر الرسالة.

ولم يرد.

لكن بعد دقيقة ظهرت علامة صغيرة:

❤️

أغلق ياسين الهاتف.

سألته سلمى:

— عمر؟

— أيوه.

— كويس؟

— أتمنى.

أسندت رأسها على كتفه.

وفي الغرفة المجاورة بدأ آدم يبكي.

تنهد ياسين.

— كل مرة اللحظة الرومانسية تبوظ.

ضحكت سلمى.

— روح لابنك يا أشهر دكتور نسا في المدينة.

وقف.

ثم عاد وقبّل رأسها.

— حاضر يا ست سلمى.

الفصل الأخير: بعد خمس سنوات

كان ياسين واقفًا في مدخل مركز طبي جديد.

على الواجهة لم يكن مكتوبًا:

مستشفى العطار الدولي.

بل:

مركز آدم لصحة الأم والطفل.

جزء من خدماته كان مجانيًا للأسر غير القادرة.

دخلت سلمى وهي تمسك يد آدم، الذي أصبح في الخامسة.

وكانت تحمل طفلة صغيرة على ذراعها.

ركض آدم نحو أبيه.

— بابا!

انحنى ياسين وحمله.

— يا دكتور آدم.

قال الطفل:

— أنا مش هبقى دكتور.

— أمال؟

— طيار.

قالت سلمى:

— خلاص ضاع مستقبل العيلة.

ضحكوا.

وقفت سعاد وليلى في الخلف.

أما فؤاد، فقد أصبح أكثر هدوءًا وأقل حضورًا، لكنه كان موجودًا.

يحاول.

ويتحمل أن بعض الأخطاء لا تُمحى، وإنما يُقاس الندم عليها بما يفعله الإنسان بعدها.

وصلت سيارة.

نزل منها رجل يحمل حقيبة سفر.

نظر ياسين إليه.

كان عمر.

توقف آدم.

— مين ده؟

اقترب عمر.

نظر إلى الطفل.

ثم إلى ياسين.

قال ياسين:

— ده عمك عمر.

ابتسم عمر للمرة الأولى دون غضب.

مد آدم يده إليه.

— عندي لعبة طيارة. تيجي تشوفها؟

نظر عمر إلى اليد الصغيرة.

ثم أمسكها.

— أجي.

راقبهم ياسين.

اقتربت سلمى منه.

— بتفكر في إيه؟

قال:

— في اليوم اللي دخلتي فيه المستشفى وإنتِ بتولدي.

— يوم ما كنت مستفز؟

ضحك.

— كنت أسوأ من مستفز.

ثم نظر إليها.

— كنت فاكر إن اليوم ده أسوأ يوم في حياتي.

— وطلع إيه؟

نظر إلى آدم.

إلى ابنته الصغيرة.

إلى أمه.

إلى أخيه.

ثم إلى سلمى.

— طلع اليوم اللي حياتي بدأت فيه.

ابتسمت.

— متبالغش.

ضحك.

— حاضر.

ثم أضاف:

— بس فيه حاجة واحدة لسه مش فاهمها.

— إيه؟

— إزاي خبيتي حمل كامل تسع شهور؟

ضحكت سلمى.

— لأن الدكتور ياسين العطار، رغم عبقريته، كان مشغول جدًا بنفسه.

هز رأسه.

— مؤلمة… لكنها دقيقة طبيًا.

ضحكت.

ومشيا معًا نحو الداخل.

لم تكن النهاية أن ياسين استعاد المرأة التي خسرها.

ولم تكن أن سلمى سامحت ونسيت.

النهاية الحقيقية كانت أن كليهما رفض أن يجعل أخطاء الماضي تتحكم في مستقبل ابنهما.

فبعض البيوت لا تنجو لأنها لم تنكسر.

بل لأنها عندما انكسرت…

أعاد أصحابها بناءها بطريقة أقوى، وأصدق، وأرحم من الأولى.

ما بعد النهاية: بعد سبع سنوات

كان صباح الجمعة هادئًا في بيت سلمى وياسين، هدوءًا لم يستمر أكثر من ثلاث دقائق.

انطلق صوت آدم من غرفته:

— مامااا! ليان خدت الطيارة بتاعتي!

ورد صوت أخته:

— كداب! دي بتاعتي!

خرج ياسين من المطبخ يحمل كوب القهوة.

— أنا جراح. المشاكل دي محتاجة تخصص تاني.

نظرت إليه سلمى.

— لأ يا دكتور. دول عيالك.

— في العمليات المريض بيكون متخدر. الوضع أسهل.

ضحكت رغمًا عنها.

مرّت السنوات، ولم يصبح ياسين إنسانًا آخر تمامًا.

ظل عنيدًا.

دقيقًا بصورة مزعجة.

يضع مفاتيحه في المكان نفسه كل يوم، وينزعج إذا تأخر أحد خمس دقائق.

لكن شيئًا أساسيًا تغير.

لم يعد يرى الحب امتلاكًا.

ولا الأبوة سلطة.

ولا الاعتذار هزيمة.

دخل آدم المطبخ غاضبًا.

— بابا، قول لليان الطيارة بتاعتي!

جلس ياسين على ركبته أمامه.

— سمعت منها؟

— هي غلطانة!

ابتسمت سلمى من بعيد.

نظر إليها ياسين، وفهم الرسالة.

عاد إلى ابنه.

— حتى لو متأكد إنها غلطانة… اسمعها الأول.

كانت جملة بسيطة.

لكن سلمى شعرت بشيء دافئ في قلبها.

لأن الرجل الذي طردها يومًا دون أن يسمعها، أصبح يعلم ابنه ألا يحكم قبل أن يسمع.

الفصل الأخير فعلًا: سقوط الاسم وصعود الإنسان

كان التحقيق في مخالفات المستشفى القديمة قد استغرق سنوات.

ظهرت ملفات.

شهادات.

وتفاصيل كثيرة كان الزمن قد طمس بعضها.

تحمل فؤاد مسؤوليته عن الوقائع التي أمكن إثباتها، وانسحب نهائيًا من الإدارة والعمل الطبي.

أما المستشفى، فأعيدت هيكلته تحت إدارة مستقلة.

وفي يوم خرج فيه فؤاد من إحدى جلسات التحقيق الأخيرة، وجد ياسين ينتظره.

نظر الأب إليه باستغراب.

— جيت ليه؟

قال ياسين:

— أوصلك.

ركبا السيارة.

طوال الطريق لم يتحدثا.

ثم قال فؤاد:

— كنت فاكر إن أهم حاجة أسيبهالك هي اسمي.

ظل ياسين ينظر إلى الطريق.

— وأنا فضلت سنين فاكر إن الاسم هو اللي عاملني.

ابتسم فؤاد بحزن.

— وفي الآخر؟

— في الآخر اكتشفت إن الإنسان هو اللي يا إما يدي قيمة لاسمه… يا إما يفضحه.

أطرق فؤاد.

ثم قال:

— سامحتني؟

لم يجب ياسين فورًا.

— سامحت أجزاء.

نظر إليه فؤاد.

— والباقي؟

— لسه.

ثم أضاف:

— بس بطلت أعيش كل يوم وأنا غضبان منك.

كانت الإجابة أقل مما تمناه فؤاد.

وأكثر مما توقع.

عمر يعود

أما عمر، فلم يتحول فجأة إلى الأخ الحنون.

كان يحمل خمسة وثلاثين عامًا من الغضب.

وهذه الأشياء لا تختفي بعناق واحد.

دخل علاجًا نفسيًا.

ابتعد فترة.

عاد.

اختلف مع ياسين.

اختفى مرة أخرى.

ثم عاد.

لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا:

آدم أحبه.

وكان يناديه:

— عمو عمر!

وفي أحد الأيام جلس عمر مع سعاد وحدهما.

كانت المرة الأولى منذ سنوات طويلة.

قالت له وهي تبكي:

— سامحني.

نظر إليها.

— أنا فضلت عمري مستني الكلمة دي.

مدت يدها.

تردد.

ثم أمسكها.

— مش عارف أسامح دلوقتي.

أومأت.

— من حقك.

نظر إليها طويلًا.

— بس ممكن نبدأ نتعرف.

انهارت دموعها.

— نبدأ.

وهكذا بدأت أم في السبعين تتعرف من جديد إلى ابنها الذي سُرق منها طفلًا.

ليلى وسلمى

عاشت ليلى ما تبقى من عمرها بالقرب من ابنتها.

في البداية كانت سلمى غاضبة.

لم تستطع أن تتجاوز بسهولة فكرة أن أمها تركتها تعيش سنوات معتقدة أنها ماتت.

قالت لها ذات ليلة:

— كان ممكن تثقي فيا.

ردت ليلى:

— كنت فاكرة إني بحميكي.

قالت سلمى:

— كل الناس في الحكاية دي كانوا بيأذوا حد ويقولوا بنحميه.

صمتت ليلى.

ثم قالت:

— عندك حق.

وكان ذلك أهم من ألف تبرير.

بمرور الوقت، عادت العلاقة بينهما.

لم تعد كما كانت.

بل أصبحت أكثر صدقًا.

رسالة إلى سلمى

في الذكرى العاشرة لولادة آدم، استيقظت سلمى فوجدت ظرفًا بجوارها.

فتحت الرسالة.

كانت بخط ياسين:

“إلى سلمى،

من عشر سنين دخلتِ مستشفى وأنا كنت فاكر إنك شخص من الماضي.

وفي اليوم نفسه اكتشفت إنك شايلة مستقبلي بين إيديكي.

كنت فاكر إن أكبر شيء عملته في حياتي إني أنقذتك في غرفة العمليات.

بعد سنين فهمت الحقيقة.

أنتِ اللي أنقذتيني.

مش لأنك رجعتي لي.

لكن لأنك ما سمحتيليش أرجع لك بنفس الرجل القديم.

خليتيني أفهم إن الحب من غير احترام مؤذٍ، وإن الثقة ما تتطلبش… تتبني.

أنا مش فخور بالرجل اللي كنت عليه.

لكن كل يوم بصحى وأنا ممتن إنك خليتيني مسؤول عن الرجل اللي بقيت عليه.

ياسين.”

ظلت سلمى تقرأها بصمت.

دخل ياسين.

— قريتي؟

مسحت دمعة.

— آه.

— رأيك؟

طوت الورقة.

— الخط وحش.

فتح فمه مصدومًا.

فضحكت.

— تعالى هنا.

اقترب.

احتضنته.

المفاجأة الأخيرة

بعد أشهر، كان ياسين في مركز آدم عندما اتصلت به سلمى.

— ممكن ترجع البيت بدري؟

— حصل حاجة؟

— آه.

وصل مذعورًا.

فتح الباب.

— سلمى؟

خرجت من الغرفة تحمل علبة صغيرة.

— اقعد.

— ليه؟ إنتِ كويسة؟

— اقعد يا ياسين.

جلس.

وضعت أمامه اختبار حمل.

ظل ينظر إليه.

ثم رفع رأسه.

— ده…

ابتسمت.

— أيوه.

وقف.

ثم جلس مرة أخرى.

— حامل؟

ضحكت.

— أنت دكتور نسا، المفروض تستوعب أسرع من كده.

وضع يده على رأسه.

— طفل تالت؟

— شكلك مش مبسوط.

رفع رأسه بسرعة.

— أنا مرعوب.

ضحكت.

ثم اقترب منها.

— مبسوط جدًا.

وضع يده على بطنها.

ثم توقف.

— ينفع؟

نظرت إليه بحنان.

حتى بعد كل تلك السنوات…

ما زال يسأل.

— ينفع.

وضع كفه برفق.

قال:

— المرة دي هكون موجود من أول يوم.

ردت سلمى:

— المرة دي هتكون موجود في مواعيد الدكاترة كمان.

— أنا دكتور.

— لأ. في الحمل ده إنت الأب، مش الدكتور.

تنهد.

— حاضر.

الولادة الثانية

بعد تسعة أشهر، دخلت سلمى المستشفى للولادة.

كان ياسين بجوارها.

قالت وهي تتألم:

— ياسين!

— أنا هنا.

— إوعى تقول لي اهدي.

— مستحيل.

— وإوعى تقولي خدي نفس.

— تمام.

صرخت:

— طب قول حاجة!

ارتبك.

— بحبك؟

نظرت إليه بغضب.

— مش وقته!

ضحكت الممرضة.

وبعد ساعات، جاء صوت البكاء.

طفلة.

حملها ياسين.

نظر إليها والدموع في عينيه.

سألته سلمى:

— هنسميها إيه؟

اقترب منها.

— إنتِ اختاري.

— ليه؟

ابتسم.

— عشان أول مرة في حياتنا أخدت قرارات كتير لوحدي.

ثم نظر إلى طفلته.

— دلوقتي اتعلمت المشاركة.

قالت سلمى:

— مريم.

ابتسم.

— مريم.

دخل آدم وليان بعد قليل.

تحولت الغرفة إلى فوضى.

ابتسم ياسين.

وكان سعيدًا بالفوضى.

بعد خمسة عشر عامًا

كبر آدم.

وفي يوم تخرجه من المدرسة، وقف على المسرح لإلقاء كلمة قصيرة.

جلس ياسين وسلمى في الصفوف الأولى.

قال آدم:

— طلبوا مننا نتكلم عن الشخص اللي علمنا أهم درس.

ابتسم ياسين لسلمى.

أكمل آدم:

— بالنسبة لي، الشخص ده أبويا.

اتسعت عينا ياسين.

قال آدم:

— أبويا علمني إن الإنسان مش لازم يكون كامل عشان يكون كويس.

توقفت الكلمات لحظة في حلق ياسين.

— وعلمني إن الغلط مش نهاية القصة، لو عندك شجاعة تعترف بيه وتصلحه.

أمسكت سلمى يد ياسين.

أكمل آدم:

— وأهم حاجة علمني إياها: اسمع قبل ما تحكم.

خفض ياسين رأسه.

بكى.

همست سلمى:

— الدكتور ياسين العطار بيعيط؟

قال وهو يمسح دموعه:

— عندي حساسية.

ضحكت.

— طبعًا.

الوداع

مرت سنوات أخرى.

ورحل فؤاد بعد مرض قصير.

قبل وفاته كان ياسين بجواره.

قال فؤاد:

— كنت أب سيئ؟

لم يكذب عليه.

— في حاجات… آه.

أغمض فؤاد عينيه.

ثم قال ياسين:

— بس في الآخر حاولت تصلح اللي تقدر عليه.

فتح فؤاد عينيه.

— كفاية؟

أمسك ياسين يده.

— مش كل حاجة في الحياة بتتصلح بالكامل.

صمت.

ثم قال:

— بس المحاولة الصادقة ليها قيمة.

ابتسم فؤاد.

— خليك أحسن مني.

رد ياسين:

— وبحاول أخلي آدم أحسن مني.

كانت تلك آخر مرة يتحدثان فيها.

النهاية

بعد سنوات طويلة، عاد ياسين وسلمى إلى مستشفى الشفاء.

لم يعد ياسين يعمل هناك.

كانا مدعوين إلى افتتاح جناح جديد للأمهات غير القادرات.

وقفا في الممر نفسه.

الممر الذي بدأت فيه الحكاية.

قالت سلمى:

— فاكر؟

ابتسم.

— للأسف.

— أول حاجة قلتها لما شوفتني كانت “مين الأب؟”

غطى وجهه.

— ممكن ندفن الجزء ده من التاريخ؟

ضحكت.

وقف أمام باب غرفة الولادة القديمة.

قال:

— غريب.

— إيه؟

— اليوم ده كنت فاكر إني أنا الدكتور وإنتِ المريضة.

نظر إليها.

— كنت شايف نفسي الشخص القوي اللي هينقذك.

— وبعدين؟

ابتسم.

— اكتشفت إن الاتنين كانوا محتاجين إنقاذ.

أمسكت يده.

خرج الاثنان إلى شرفة المستشفى.

كانت المدينة تحتهم.

في الماضي، كان ياسين ينظر إليها من الطابق الثاني عشر ليشعر أنه فوق الجميع.

هذه المرة وقف بجوار سلمى دون أن يشعر أنه أعلى من أحد.

رن هاتفه.

رسالة من آدم، الذي أصبح طبيبًا شابًا رغم إصراره في طفولته أنه سيصبح طيارًا:

“بابا، أول ولادة ليا النهاردة. مرعوب.”

ضحك ياسين.

كتب:

“الخوف كويس. معناه إنك فاهم إن حياة الناس مش لعبة.”

ثم جاءت رسالة آدم:

“نصيحة أخيرة؟”

فكر ياسين.

نظر إلى سلمى.

ثم كتب:

“اسمع المريضة. دائمًا.”

قرأتها سلمى فوق كتفه.

ابتسمت.

— أخيرًا اتعلمت.

وضع الهاتف في جيبه.

— أخيرًا.

ثم مشيا معًا في الممر.

لا طبيب متكبر وامرأة مطلقة.

لا رجل غني وامرأة جرحها.

لا منتصر ومهزوم.

فقط شخصان أخطآ، وتأذيا، وتعلما، واختارا كل يوم أن يعيدا بناء ما بينهما.

ولم تكن معجزتهما أن الماضي اختفى.

بل أنه بقي موجودًا…

من دون أن يملك مستقبلهما.

وهنا انتهت حكاية سلمى وياسين فعلًا.

تمت النهاية.

تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى