بين عينيك ذنبي وتوبتي بقلم الكاتبه اسما السيد 2

إن عاصم من اللحظة دي…
ما بقاش عايز يسيبني.
وده كان أغرب شيء ممكن يحصل.
الراجل اللي من عشر دقايق بس كان بيتكلم عني كأني حمل تقيل اتحط فوق كتفه، فجأة بقى واقف قدامي وعينيه متعلقة بيا كأنه اكتشف إني حاجة تخصه وممنوع حد يقرب منها.
لكن أنا؟
أنا كنت خلصت.
لفيت ناحية عمي وقلت بهدوء:
— أنا هطلع أغير هدومي يا عمي… عندي شيفت بدري بكرة.
لكن صوت عاصم وقفني.
— استني.
ما لفيتش.
قال بصوت أعلى:
— بقولك استني يا حورية.
وقفت.
بعدين لفيتله ببطء.
— نعم؟
قرب خطوتين.
— إحنا لسه مخلصناش كلامنا.
— أنا خلصت.
— لأ، مخلصناش.
ضحكت بهدوء.
— غريبة.
قطب حاجبيه.
— إيه اللي غريب؟
— من شوية كنت مستعجل جدًا تنهي الموضوع… دلوقتي فجأة بقى عندك كلام؟
أمه تدخلت بسرعة:
— حورية! إنتِ بتكلمي عاصم بالطريقة دي ليه؟
بصيتلها.
— أنهي طريقة يا مرات عمي؟
اتصدمت من اللقب.
طول عمري تقريبًا كنت بقول لها “يا أمي”.
حتى وهي عمرها ما عاملتني كبنت.
قالت:
— مرات عمك؟!
— أمال أقولك إيه؟
سكتت.
عاصم قرب أكتر.
— سيبي أمي دلوقتي. أنا بسألك إنتِ… إيه حكايتك مع مروان الدسوقي؟
رفعت حاجبي.
— حكاية؟
— أيوه.
— وإنت مالك؟
الجملة نزلت عليه زي القلم.
— نعم؟!
— بقولك إنت مالك؟
— أنا جوزك!
ضحكت.
مش سخرية.
ضحكة وجع.
— افتكرت؟
وشه شد.
قلت:
— من خمس دقايق كنت بتقول لأبوك إنك مستحيل تكمل مع واحدة جاهلة جاية من ورا الجاموسة… دلوقتي بقيت جوزي؟
قال بسرعة:
— أنا كنت فاهم غلط.
— لأ.
— يعني إيه لأ؟
— يعني إنت كنت فاهم صح جدًا… إنت كنت شايف حورية اللي قدامك، بنت عمك اللي عاشت في البيت ده، واللي كنت فاكر إنها بتربي فراخ وبتحلب جاموس… وقررت إنها أقل منك.
سكت.
قربت منه خطوة.
— الفرق الوحيد إنك اكتشفت إن ورا الجلابية شهادة.
نزلت عينه للحظة.
لكني كملت:
— لو ماكانش فيه شهادة يا عاصم… كنت هتفضل شايفني أقل منك.
قال بعصبية:
— إنتِ بتحاكميني على جملة قلتها وأنا متعصب؟
— لأ.
— أمال؟
— بحكم عليك من نظرتك.
سكت.
لأن النظرة دي أنا شفتها.
من أول ما رجع البلد.
كل مرة كان يعدي من قدامي.
كل مرة يشوفني واقفة جنب عمي.
كل مرة يشوفني بساعد ست كبيرة من أهل البلد.
كان بيبصلي كأن المسافة بيننا بقت أكبر من إنها تتردم.
قال بصوت أهدى:
— طب ومروان؟
— ماله؟
— عرفتيه إزاي؟
— مش من حقك تسأل.
ضرب كفه في ضهر الكرسي بعصبية.
— حورية!
عمي قام.
— وطي صوتك.
عاصم لف لأبوه.
— بابا، دي مراتي!
عمي رد بمنتهى الهدوء:
— واللي يقول على مراته الكلام اللي إنت قلته من شوية، يبقى يستحمل لما تقول له مش من حقك.
أمه صرخت:
— يعني إيه؟! إنت واقف في صفها ضد ابنك؟
عمي بص لها.
— أنا واقف في صف الحق.
— دي ضحكت علينا سنين!
اتجمدت.
— أنا؟
قربت مني.
— أيوه إنتِ! عاملة فيها الغلبانة، وفي الآخر طلعتي بتدرسي وتشتغلي وإحنا آخر من يعلم!
قلت:
— وإنتِ لو عرفتي كنتِ سيبتيني؟
فتحت بوقها.
لكن مفيش إجابة طلعت.
قلت:
— فاكرة يوم نتيجة الثانوية؟
وشها اتغير.
— إيه؟
— لما جبت مجموع يدخلني طب؟
عاصم لف لأمه.
وأنا كملت:
— فاكرة قولتيلي إيه؟
سكتت.
— أنا فاكرة.
صوتي اتهز لأول مرة.
— قولتيلي: “إحنا مش هنصرف على بنت آخرها تتجوز وتقعد في بيت جوزها.”
عاصم بص لأمه بصدمة.
— ماما قالتلك كده؟
ضحكت بمرارة.
— دي كانت من الجمل الخفيفة.
عمي قال:
— كفاية يا حورية.
بصيتله.
كان خايف عليا.
مش منها.
من الذكريات.
هزيت راسي.
— عندك حق.
اتحركت ناحية السلم.
لكن عاصم قال:
— أنا عايز أكلمه.
وقفت.
— مين؟
— مروان.
لفيتله بالكامل.
— ليه؟
— عايز أعرف نيته.
ضحكت.
— نيته؟
— أيوه.
— وإنت ولي أمري؟
— أنا…
اتلخبط.
قلت:
— عمي موجود.
أشرت لعمي.
— والراجل جه وكلمه من شهرين، واحترمني واحترم وجود عقد بيني وبينك أكتر منك.
الكلمة دي وجعته.
بانت.
قال:
— يعني كنتِ بتقابليه وإنتِ على ذمتي؟
الصالة كلها اتجمدت.
حتى عمي نفسه بصله بغضب.
أما أنا…
ففضلت ثواني كاملة ساكتة.
وبعدين مشيت ناحيته.
وقفت قدامه.
— عيدها.
عاصم فهم إنه غلط.
— حورية أنا…
— قول اللي إنت قلته تاني.
— مقصدتش.
— لكن قلته.
عمي صاح:
— عاصم! اعتذر لبنت عمك حالًا.
عاصم بصلي.
كان الغضب والغيرة بياكلوه.
لكن في النهاية قال:
— أنا آسف.
هزيت راسي.
— مش مقبول.
وطلعت.
قفلت باب أوضتي.
وأول ما بقيت لوحدي…
وقعت دموعي.
مش علشان عاصم.
يمكن علشان البنت الصغيرة اللي جوايا كانت مستنياه سنين.
كنت بحوش حاجات لجهازي من وأنا عندي ستاشر سنة.
مرة ملاية.
مرة طقم كوبايات.
مرة مفرش صغير.
كنت بتخيل بيتي معاه.
حتى وأنا في كلية الطب…
لما زميلاتي كانوا بيتكلموا عن الارتباط، كنت أقول:
“أنا مكتوب كتابي.”
كنت مخلصة لوعد هو نفسه تقريبًا نسيه.
وبعدين…
ظهر مروان.
مسحت دموعي بسرعة لما موبايلي نور.
مروان.
فضلت أبص للاسم.
ما رديتش.
رن تاني.
برضه ما رديتش.
بعد دقيقة وصلت رسالة:
“أنا مش هسألك حصل إيه… بس عمك كلمني وقال إنك عرفتي. لما تحبي تتكلمي أنا موجود.”
ابتسمت وسط دموعي.
هو ده مروان.
عمره ما حاصرني.
عمره ما قال:
“لازم.”
ولا:
“من حقي.”
ولا:
“إنتِ بتاعتي.”
كان دايمًا يقول:
“لما تكوني جاهزة.”
كتبت:
“إنت ليه كلمت عمي من غير ما تقولي؟”
الرد جه بعد ثواني:
“لأنك كنتِ متجوزة على الورق، وأنا لو بحبك فعلًا لازم أحترم ده قبل ما أحترم رغبتي.”
قفلت عيني.
نزلت دمعة.
كتبت:
“وعمي قالك إيه؟”
“قالي لو نيتك حلال استنى.”
“واستنيت؟”
الرد اتأخر شوية.
وبعدين ظهر:
“كنت هستنى عشر سنين.”
عضيت شفايفي علشان ما أعيطش أكتر.
لكن فجأة…
خبط عنيف على الباب.
مسحت وشي.
— مين؟
— أنا.
عاصم.
قلبي اتقبض.
— عايز إيه؟
— افتحي.
— لأ.
— حورية، افتحي عايز أتكلم معاكي.
— بكرة.
— مش هعرف أنام.
بصيت للباب.
الغريب إني زمان كنت أتمنى أسمع منه الجملة دي.
دلوقتي؟
ما حركتش فيا حاجة.
قلت:
— دي مشكلتك يا عاصم.
سكت برا.
افتكرت إنه مشي.
لكن بعد دقيقة سمعت صوته.
هادي.
مكسور لأول مرة.
— هو أحسن مني؟
غمضت عيني.
ما رديتش.
— مروان أحسن مني يا حورية؟
فضلت ساكتة.
فقال:
— علشان أغنى؟
فتحت الباب فجأة.
كان واقف قدامي.
قلت:
— لأ.
— علشان أشهر؟
— لأ.
— أمال ليه؟
بصيت في عينه.
وقلت:
— لأنه شافني.
اتصدم.
— يعني إيه؟
— شاف حورية قبل ما يعرف إنها دكتورة.
سكت.
قلت:
— وإنت يا عاصم… كنت شايف كل حاجة إلا أنا.
وقف عاجز عن الرد.
قفلت الباب بهدوء.
وسندت ضهري عليه.
أما هو…
ففضل واقف بره فترة طويلة.
ولأول مرة في حياته…
بدأ عاصم يدفع تمن غروره….
يتبع
تاني يوم صحيت الساعة ستة.
لبست بسرعة ونزلت.
كنت فاكرة إن البيت كله نايم.
لكن أول ما وصلت آخر السلم…
لقيت عاصم قاعد في الصالة.
بنفس هدوم امبارح تقريبًا.
قدامه فنجان قهوة بارد.
واضح إنه ما نامش.
حاولت أعدي.
— صباح الخير.
وقفت.
— صباح النور.
قام.
— رايحة المستشفى؟
— أيوه.
— عندي مؤتمر قريب من هناك… أوصلك.
— شكرًا.
— حورية.
— نعم؟
— أنا بحاول أتكلم معاكي طبيعي.
— وأنا برد طبيعي.
اتنهد.
— إنتِ بتعاقبيني؟
بصيتله باستغراب.
— أعاقبك؟
— أيوه.
— أنا مش فاضية أعاقب حد.
لبست نظارتي الشمس.
— عندي حياة يا عاصم.
الجملة استفزته.
— والحياة دي فيها مروان؟
نزعت النظارة تاني.
— هو إحنا هنصحى وننام على مروان؟
— طالما هو داخل بينا، أيوه.
ضحكت.
— هو مدخلش بينا.
قرب.
— أمال؟
— هو جه بعد ما “إحنا” انتهينا من زمان.
قبل ما يرد، صوت عربية اتسمع قدام البيت.
بصيت من الشباك.
قلبي عرف صاحبها قبل عيني.
عربية مروان.
عاصم لاحظ تغير وشي.
— هو؟!
ما رديتش.
خرجت.
مروان كان نازل من عربيته.
لابس قميص أبيض وبنطلون غامق، وفي إيده ملف.
أول ما شافني ابتسم.
— صباح الخير يا دكتورة.
— صباح النور.
ناولني الملف.
— نسيتيه في العربية آخر مرة.
— يا نهار أبيض! أنا دورت عليه.
— علشان كده جبته قبل اجتماعك.
وفجأة…
عاصم خرج.
وقف على الباب.
— صباح الخير.
مروان لف.
عرفه فورًا.
مد إيده بهدوء.
— دكتور عاصم.
عاصم سلم عليه.
— مروان الدسوقي.
— تشرفنا.
الاتنين كانوا بيبتسموا.
لكن الجو بينهم كان ممكن عود كبريت.
عاصم قال:
— حضرتك جاي بدري أوي.
مروان رد:
— حورية عندها اجتماع الساعة تمانية.
عاصم عينه اتحولت ليا.
— عارف مواعيدها؟
مروان ابتسم.
— بعض المواعيد.
عاصم قال:
— واضح إنك عارف حاجات كتير.
مروان فهم.
قال بهدوء:
— اللي حورية حبت تحكيه.
حاولت أنهي الحوار.
— أنا اتأخرت.
مروان فتحلي باب العربية.
لكن عاصم قال:
— حورية هتيجي معايا.
بصيتله.
— مين قال؟
اتحرج.
— ما أنا قلتلك أوصلك.
— وأنا قلت شكرًا.
ركبت مع مروان.
قبل ما أقفل الباب، عاصم قرب.
— إمتى هترجعي؟
بصيتله.
— معرفش.
— طيب كلميني.
— ليه؟
السؤال قتله.
— علشان… أطمن.
سكت لحظة.
ثم قلت:
— عمي عنده رقمي لو احتاجني.
قفلت الباب.
العربية اتحركت.
مروان فضل ساكت.
بصيتله.
— مش هتقول حاجة؟
— عن إيه؟
— اللي حصل.
— مش شغلي.
ابتسمت.
— غيران؟
بص قدامه.
— جدًا.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
— أمال عامل هادي ليه؟
قال:
— علشان غيرتي مش تصريح ملكية.
بصيتله فترة.
مد إيده على الكونسول، لكنه ما لمسش إيدي.
سابها قريبة بس.
وقال:
— أنا عايزك تختاريني وإنتِ حرة يا حورية… مش علشان زعلانة من عاصم.
الجملة خوفتني.
لأنها لمست حاجة جوايا.
قلت:
— وإنت مش واثق إني بحبك؟
— واثق.
— أمال؟
— خايف أكون باب هروب.
سكت.
فقال:
— أنا عايز أبقى بيت… مش باب هروب.
دموعي لمعت.
بصيت من الشباك.
قلت:
— إنت أكتر واحد حسسني إني مش محتاجة أهرب.
في المستشفى، حاولت أدفن نفسي في الشغل.
لكن الساعة اتناشر تقريبًا، الممرضة دخلت مكتبي.
— يا دكتورة حورية؟
— نعم؟
— فيه دكتور بيسأل عليكي.
رفعت راسي.
— مين؟
وقبل ما تجاوب…
دخل عاصم.
اتنهدت.
— إنت بتعمل إيه هنا؟
قفل الباب.
— كنت قريب.
— عاصم…
— عشر دقايق.
— عندي شغل.
— خمس دقايق.
بصيت للساعة.
— اتفضل.
قعد.
فضل ساكت.
قلت:
— الوقت بيعدي.
طلع نفس طويل.
— أنا اعتذرت.
— تمام.
— وإنتِ مش مسامحاني.
— المسامحة حاجة والرجوع حاجة.
رفع عينه.
— طب لو طلبت فرصة؟
قلبي اتقبض.
مش حبًا.
لكن لأن الجملة دي كانت حلم قديم.
قال:
— نبدأ من جديد.
— ليه؟
— علشان أعرفك.
— بعد إيه؟
— حورية، الإنسان بيغلط.
— أكيد.
— وأنا غلطت.
— تمام.
— يبقى اديني فرصة أصلح.
بصيتله.
— وإنت كنت هتديني فرصة لو كنت فعلًا جاهلة؟
سكت.
— لو كنت بنت ريفية بسيطة جدًا، بتعرف تقرأ بالعافية، كنت هتقول نبدأ من جديد؟
— الموضوع مش كده.
— هو كده بالظبط.
قام بعصبية.
— طب وإنتِ ليه مصممة تحطيني في أسوأ صورة؟
— أنا مش بحطك في صورة… أنا بحط قدامك مراية.
في اللحظة دي الباب اتفتح.
رئيس القسم دخل.
— دكتورة حورية، الحالة وصلت.
قمت فورًا.
— جاية.
لكن رئيس القسم لمح عاصم.
ابتسم.
— دكتور عاصم الشناوي؟
عاصم قام.
— أيوه.
— أهلًا وسهلًا. حضرتك تعرف الدكتورة حورية؟
عاصم بصلي.
قبل ما يرد، رئيس القسم ضحك وقال:
— دي فخر القسم عندنا. العملية اللي عملتها الأسبوع اللي فات الناس بتتكلم عنها في المؤتمر الجاي.
عاصم فضل باصصلي.
وقال ببطء:
— واضح إني… لسه بعرفها.
خرجت.
وسبته واقف.
بالليل رجعت البلد متأخرة.
لقيت عمي مستنيني.
قعدت جنبه.
قال:
— عاصم راحلك المستشفى؟
بصيتله.
— إنت عرفت؟
ضحك.
— ابني يا بنتي… حافظه.
— هو مش بيحبني يا عمي.
عمي سكت.
— هو بس مش قادر يتقبل إني مش عايزاه.
هز راسه.
— يمكن.
— ويمكن إيه؟
— ويمكن أول مرة يشوفك فعلًا.
قلت:
— متأخر.
عمي بصلي.
— قلبك مع مروان؟
ابتسمت غصب عني.
— أوي.
ضحك.
— يبقى خلاص.
لكن قبل ما أكمل كلامي، الباب اتفتح بعنف.
دخل عاصم.
وشه متغير.
وفي إيده موبايله.
قرب مننا.
حط الموبايل قدامي.
على الشاشة كانت صورة ليا أنا ومروان خارجين من المستشفى.
قال:
— الصورة دي منتشرة في جروب العيلة.
اتجمدت.
— إيه؟!
عمي خطف الموبايل.
قرأ التعليقات.
وشه احمر من الغضب.
واحدة كاتبة:
“دي مش لسه مرات عاصم؟”
والتانية:
“أمال مين الراجل اللي معاها؟”
حسيت الدنيا بتلف بيا.
عاصم قال:
— أنا هعرف مين عمل كده.
لكن المفاجأة…
إن عمي رفع عينه ناحية باب المطبخ.
مرات عمي كانت واقفة هناك.
وملامحها اتغيرت أول ما شافت نظرة جوزها.
عمي قال بصوت مرعب:
— هاتِ موبايلك.
قالت بتوتر:
— ليه؟
— قولت هاتِ موبايلك.
وساعتها…
فهمت إن الحقيقية لسه بتبدأ…
يتيع




