روايات وقصص

بعد الانفصال حكايات اسما السيد 1

بعد دقائق من توقيعي على أوراق ، أمرني والدي أن أغيّر الرقم السري لكل بطاقاتي البنكية فورًا. وبعد ساعات، كان  يرفع كأسه احتفالًا بأنه “تخلّص مني” في حفلة تكلفتها تقارب 18 مليون بيزو… إلى أن اقترب منه النادل بجهاز الدفع وقال جملة واحدة جعلت الدم يهرب من وجهه.

— غيّري الرقم السري لكل بطاقاتك حالًا. من غير أسئلة… بس اعملي اللي بقولك عليه.

قالها لي والدي بعد 11 دقيقة فقط من إعلان القاضي انتهاء زواجي رسميًا.

كنت ما زلت ممسكة بالقلم، أنظر إلى توقيعي الذي شعرت أنه قسم حياتي إلى نصفين، عندما جاءني صوته حازمًا، بلا حضن ولا مواساة ولا حتى كلمة لطيفة.

لم أسأله.

فتحت تطبيق البنك فورًا وأنا جالسة على مقعد بارد في ممر المحكمة، بينما كان  يخرج مبتسمًا مع محاميه وكأنه حقق أكبر انتصار في حياته.

غيّرت الأرقام السرية لأربع بطاقات، وأوقفت بطاقتين إضافيتين، وألغيت جميع عمليات الشراء الدولية.

تنهد والدي وقال:

— الليلة هيحاول يدفع تمن حفلته من حسابك.

بصيتله باستغراب.

— حفلة إيه؟

لم يجب.

اكتفى بالنظر إليّ نظرة جعلتني أشعر أنه يعرف عدد المرات التي تعرضت فيها للخيانة داخل بيتي، بينما أنا ما زلت لا أعرف شيئًا.

الساعة 7:40 مساءً، بدأ هاتفي يهتز دون توقف.

أول إشعار كان عملية مرفوضة بقيمة 18 ألف بيزو مقابل زجاجات مشروبات فاخرة.

ثم عملية أخرى بقيمة 240 ألف بيزو كدفعة مقدمة لحجز قاعة.

وبعدها عملية ثالثة بقيمة مليون و780 ألف بيزو مقابل “خدمة احتفال خاصة”.

وهنا فهمت.

طليقي كان يحتفل بطلاقنا…

بفلوسي أنا.

الحفلة كانت في مطعم خاص وفخم، من الأماكن التي تشعر فيها أن الهدوء نفسه له ثمن، والنادل يمشي وكأنه يحمل أسرار الناس فوق الصينية.

وبحسب العمليات التي ظهرت في حسابي، كان إجمالي المبلغ المعد للدفع يصل إلى 17 مليونًا و980 ألف بيزو، أي ما يقارب مليون دولار، موزعة بين المشروبات، وتأجير القاعة، والموسيقيين، والحراسة، والمجوهرات، وحتى شاشة عملاقة لعرض فيديو مكتوب عليه:

“حر أخيرًا.”

حر.

هو كان يعتقد أنه تحرر مني.

أما أنا…

فكنت للتو أستيقظ.

وصلت إلى المطعم الساعة 8:25 مساءً، مرتدية فستانًا أسود بسيطًا ونظارة داكنة، لكن عقلي كان أكثر صفاءً مما كان عليه منذ شهور.

دخلت من الباب الجانبي.

لم يكن أحد يتوقع حضوري.

وبالتأكيد لم يكن طليقي يتوقعه.

طوال عام تقريبًا، كنت بالنسبة للجميع المرأة المريضة في شركة عائلتي.

الوريثة المرهقة.

المديرة التي تنسى الاجتماعات، وتخلط بين الأرقام، وتوقّع المستندات بعينين شاردتين، ثم تدخل الحمام وتبكي أحيانًا دون أن تتذكر حتى لماذا بدأت في البكاء.

وطليقي كان دائمًا بجانبي.

— خدي الدوا يا حبيبتي… الدكتور قال ممنوع تفوّتي الجرعة.

والطبيب؟

كان صديقه.

أما الحبوب…

فكانت القصة الأخطر.

في صباح يوم الطلاق، وجدت العبوة الزرقاء بجوار سريري.

الملصق عليها يقول إنها مجرد حبوب مهدئة خفيفة.

لكن العلامة المحفورة على القرص لم تكن مطابقة.

عرفتها بسبب مراجعة دوائية قامت بها شركتنا قبل ثلاث سنوات.

لم تكن مهدئًا بسيطًا.

كانت مادة قوية قد تسبب تشوشًا، وإرهاقًا شديدًا، وفجوات في الذاكرة.

في تلك اللحظة فهمت.

طليقي لم يكن يعتني بي.

كان يطفئني ببطء.

ولهذا طلب مني والدي تغيير الأرقام السرية.

لأنه كان يحقق منذ أسابيع في معاملات غريبة، ومبالغ ضخمة، وعمليات تم اعتمادها في أوقات كنت فيها، حسب ما يقول زوجي، “نائمة”.

دخلت إلى قاعة الحفل.

زهور بيضاء في كل مكان.

مائدة طويلة.

مشروبات فاخرة.

فرقة موسيقية تنتظر الإشارة.

كاميرات جاهزة للتصوير.

وأكثر من ستين شخصًا من أصدقاء طليقي وأقاربه وشركائه.

وكانت والدته موجودة أيضًا.

وفي المنتصف…

كانت هناك امرأة أنيقة تجلس بجواره، ترتدي عقدًا مرصعًا بالأحجار الزرقاء.

عشيقته.

رفع طليقي كأسه وقال:

— نخب انتهاء العبء… وبداية حاجة تستاهل فعلًا.

ضحك الحاضرون.

أما أنا، فلم أتحرك.

في تلك اللحظة خرج نادل شاب من ناحية المطبخ، يحمل جهاز الدفع في يده.

كان وجهه شاحبًا.

اقترب من طليقي وقال بصوت سمعه الجميع:

— سيدي… البطاقة اترفضت لأن صاحبتها غيّرت الرقم السري من ساعات.

سقط الصمت على القاعة.

استدار طليقي ببطء.

ثم رآني واقفة عند الباب.

اختفت ابتسامته في لحظة.

— إنتِ…

وقفت والدته غاضبة وقالت:

— إنتِ بتعملي إيه هنا؟ دي حفلة خاصة.

قلت بهدوء:

— عارفة. وعشان كده جيت. كنت عايزة أشوف بتحتفلوا بخرابي بإيه… خصوصًا إنكم بتدفعوا الحساب ببطاقتي.

أنزلت عشيقته عينيها ناحية العقد الذي ترتديه.

وقتها عرفته.

العقد كان ملكي.

قطعة ورثتها عن جدتي، واختفت من خزينتي قبل أربعة أشهر.

حاول طليقي الاقتراب مني.

— إنتِ فاهمة غلط. ماتعمليش فضيحة. إنتِ لسه خارجة من طلاق وحالتك مش مستقرة.

الكلمة

لكنها هذه المرة لم

فتحت حقيبتي.

أخرجت عبوة الحبوب الفارغة.

وضعتها فوق الطاولة بين الكؤوس والتورتة.

وقلت:

— أنا مش مشوشة… لأول مرة من شهور أنا واعية تمامًا.

لم يضحك أحد.

وفي اللحظة نفسها، دخل والدي من خلفي بصحبة محاميين وموثق رسمي، يحمل ملفًا أسود.

وجه طليقي أصبح أبيض.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن رد فعله.

كانت امرأة تجلس في آخر القاعة.

وقفت ببطء.

امرأة أنيقة، ذات شعر داكن، وفي عينيها شيء مألوف بشكل مخيف…

نفس نظرة جدي الراحل.

سمعت والدي يهمس بجانبي:

— لو الست دي موجودة هنا… يبقى الموضوع ماكانش مجرد طلاق.

ابتسمت المرأة ونظرت إليّ مباشرة.

ثم قالت:

— كويس إنك جيتي.

تقدمت خطوة.

— لأن الوقت جه تعرفي السبب الحقيقي اللي خلاه يتجوزك من البداية.

شكرًا لكل اللي وصل معايا لحد هنا

 ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن. للكاتبة أسما السيد.

وقفت المرأة الغريبة في نهاية القاعة، تراقب الفوضى من بعيد.

لكن في قصتنا الأخرى، لم تكن هناك حفلة طلاق، ولم يكن هناك عقد مسروق.

كانت هناك جنازة.

جنازتي أنا.

على الأقل، هذا ما كان زوجي يعتقده.

قبل ثلاثة أيام، وقف رامي أمام قبر يحمل اسمي، واضعًا يده على كتف أمي، بينما كان المحامي يقرأ أمام العائلة الجزء الأول من وصية جدي.

لم يبكِ رامي.

كان ينتظر جملة واحدة فقط:

“تنتقل ملكية أسهم ليان إلى زوجها في حالة وفاتها.”

وعندما سمعها، أغلق عينيه للحظة.

لم يعرف أنني كنت أشاهده من داخل سيارة سوداء متوقفة خلف سور المقبرة.

ولم يعرف أن  كلها كانت فخًا.

قبل أسبوعين، اكتشفت أن الحبوب التي كان يضعها لي كل ليلة بجوار كوب الماء لم تكن لعلاج الأرق كما قال.

واكتشفت شيئًا أسوأ.

توقيعي كان يظهر على عقود لم أرها في حياتي.

أسهم تُباع.

أراضٍ تُرهن.

وحساب قديم تركه لي جدي تُسحب منه الأموال على دفعات صغيرة حتى لا يلاحظها أحد.

لكن الشخص الذي كشف لي كل ذلك لم يكن أبي.

كان رجلًا مات رسميًا منذ اثنين وعشرين عامًا.

وفي الليلة التي عاد فيها رامي من “جنازتي” إلى القصر، وجد الأنوار كلها مطفأة.

دخل وهو يتحدث في الهاتف:

— خلصت. بكرة الصبح الشركة تبقى تحت سيطرتنا.

جاءه صوت رجل من الطرف الآخر:

— والبنت؟

ضحك رامي.

— انتهت.

عندها أضاءت الثريا الكبيرة فوق رأسه.

تجمّد مكانه.

كنت جالسة على كرسي جدي في نهاية الصالة، أمامي ملف أحمر وكوب قهوة لم ألمسه.

سقط الهاتف من يده.

— ليان؟

ابتسمت.

— واضح إن جنازتي كانت حلوة.

تراجع خطوة.

ثم ثانية.

وقال بصوت بالكاد خرج من فمه:

— أنا شفتك… شفت التابوت.

— وأنا شفتك وإنت مستني تورثني.

مددت يدي إلى الملف الأحمر.

— بس عندك مشكلة صغيرة يا رامي.

فتحت الصفحة الأولى.

— البند اللي المحامي قرأه في المقبرة كان مزورًا.

اصفر وجهه.

وقبل أن يتمكن من الرد، جاء صوت خطوات من الطابق العلوي.

رفع رامي رأسه.

ظهر رجل مسن عند بداية السلم.

وحين رآه، لم يبدُ خائفًا فقط.

بدا كأنه رأى شبحًا.

همس:

— مستحيل…

نزل الرجل درجة أخرى وقال:

— من زمان وإنت بتقول الكلمة دي كل ما خطة من خططك تقع.

نظرت إلى رامي.

— تعرفه؟

لم يجب.

اقترب الرجل حتى أصبح الضوء على وجهه كاملًا.

ثم وضع أمامي صورة قديمة.

كان فيها جدي شابًا، وبجواره ثلاثة رجال.

أحدهم هو الرجل الواقف أمامي.

والثاني كان والد رامي.

أما الثالث…

فكان الرجل الذي تربيت طوال حياتي وأنا أناديه: أبي.

قال الرجل:

— لو عايزة تعرفي ليه جوازك من رامي كان مرتب قبل ما تقابليه أصلًا، لازم الأول تعرفي مين أبوكي الحقيقي.

لأول مرة منذ بدأت اللعبة، لم أكن أنا التي تعرف السر.

وكان رامي…

يبتسم.

رغم كل شيء، ابتسم.

وقال:

— أهو أخيرًا وصلنا للجزء اللي حتى إنتِ مش مستعدة له.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى