عام

المليونير الفقير حكايات اسما السيد

مليونير رجع بيته فجأة قبل ميعاده… واكتشف بالصدفة خطيبته بتعامل العاملين في البيت إزاي.

رجع قبل ميعاده المعتاد بثلاث ساعات، وفي إيده بوكيه من زهور الجاردينيا البيضا علشان يفاجئ خطيبته.

كان فاضل على فرحهم 18 يوم بس.

وهو بيقرب من المطبخ، سمع صوت خطيبته.

لكن الصوت ماكانش هو نفس الصوت الرقيق والهادي اللي بتتكلم بيه لما يكون موجود.

وقف جنب باب المطبخ الموارب من غير ما يدخل.

كانت العاملة لسه مخلصة مسح الأرض. أكمامها مرفوعة، شعرها مربوط في ضفيرة، وإيديها محمرة من المنظفات.

أما خطيبته فكانت واقفة قدامها، وفي إيدها كوباية نبيذ.

بصت للأرض اللامعة، وبعدها، بمنتهى البرود، مالت الكوباية وسكبت اللي فيها على الأرض قدام العاملة مباشرة.

وقالت:

— امسحيها تاني.

العاملة شدت إيدها على عصاية الممسحة وقالت بهدوء:

— يا مدام، أنا لسه مخلصة الجزء ده حالًا.

ردت عليها ببرود:

— ودلوقتي بقى متسخ. مش شايفة إن الموضوع محتاج ذكاء علشان تفهميه.

العاملة أخدت نفس عميق، وما ردتش.

بدأت تمسح الأرض من جديد.

ابتسمت خطيبته وقالت:

— أيوه كده… لما تسمعي الكلام الدنيا بتمشي أحسن.

فضل واقف مكانه خلف الباب.

وفجأة حس إن الورد اللي جايبه علشان يفاجئها بقى تقيل جدًا في إيده.

كان ممكن يدخل في اللحظة دي، يواجهها ويسألها بتعمل كده ليه.

لكن حاجة جواه قالتله إنها لو شافته، هتغير القصة كلها.

هتقول إنها كانت بتهزر.

أو إن العاملة هي اللي استفزتها.

أو إن اللي شافه مجرد سوء تفاهم.

فرجع لورا بهدوء من غير ما حد يحس بيه.

وقبل ما يدخل مكتبه، حط الورد في فازة فاضية.

فضل يبص لإيديه شوية…

وفجأة افتكر إيدين أمه.

أمه قضت عشرين سنة بتنضف بيوت الناس علشان تربيه بعد ما أبوه اختفى من حياتهم.

كان لسه فاكر صوابعها الخشنة من كتر الشغل.

ريحة الصابون اللي كانت بتفضل في إيديها حتى بعد ما ترجع البيت.

والليالي اللي كانت بتنام فيها بهدوم الشغل لأنها ماكانش عندها طاقة حتى تبدل هدومها.

الذكرى دي خلت منظر السائل المسكوب على الأرض قدامه حاجة مستحيل يتجاهلها.

في الليلة دي، تجنب خطيبته.

قال لها إن عنده شغل متراكم، وقفل على نفسه المكتب.

وهي كملت تجهيزات الفرح كأن مفيش حاجة حصلت.

ورد مستورد، مفارش، موسيقى، وقائمة فيها 240 مدعو.

وماكانش عندها أي فكرة إن الراجل اللي هتتجوزه بعد 18 يوم شاف منها وش عمره ما شافه قبل كده.

تاني يوم الصبح، نزل بدري.

لقى العاملة بتحضر الفطار، وفي نفس الوقت بترتب صينية عليها أدوية وكوباية مية وفاكهة.

سألها:

— الحاجات دي لمين؟

بصتله باستغراب وقالت:

— لست البيت الكبيرة. الساعة 8 لازم تاخد دوا الضغط، وبعده لازم تاكل حاجة.

كانت جدته عايشة معاه من فترة بعد ما وقعت واتصابت في الحوض.

سأل:

— هي تعبانة النهارده؟

قالت العاملة:

— ركبتها وجعاها شوية، بس بتتحسن لما تتحرك. بعد الفطار هاخدها تتمشى شوية في الجنينة.

سكت.

وحس بإحراج من نفسه.

هو عايش في نفس البيت مع جدته، ومع ذلك مايعرفش حتى ميعاد دواها.

مايعرفش إنها بتصحى كل يوم وهي متألمة.

لكن العاملة تعرف.

ومن اليوم ده بدأ يركز في التفاصيل.

اكتشف إن العاملة كل ليلة بتحط كوباية مية جنب سرير جدته.

عارفة البرنامج اللي بتحب تتفرج عليه.

وبتسمع منها نفس الحكايات القديمة أكتر من مرة من غير ما تزهق أو تقاطعها.

ولاحظ كمان إنها ثلاث مرات في الأسبوع بتخرج من البيت بسرعة شديدة.

وفي يوم سألها:

— إنتِ بتروحي فين مستعجلة كده؟

كانت شايلة مجموعة فوط على صدرها، وقالت:

— بدرس تمريض فني. المحاضرات بتبدأ الساعة 7.

سألها:

— وبتخلصي شغل هنا إمتى؟

— المفروض الساعة 6… لو مفيش شغل متأخر. ساعات بتأخر أكتر.

— مين اللي بيحدد مواعيد شغلك؟

ترددت لحظة، ثم قالت:

— خطيبتك.

هنا بدأ إحساسه بعدم الارتياح يزيد.

العاملة بقالها 8 شهور في البيت.

مش بس بتنضف.

كانت أحيانًا بتطبخ لما الطباخة تغيب، وبتعتني بجدته، وفي نفس الوقت مسؤولة عن أخوها الصغير بعد وفاة أمهم.

وهو طوال الشهور دي كلها…

عمره ما سألها حتى عن حياتها.

تاني يوم، بلغ خطيبته إن العاملة هتخرج الساعة 5:30 في الأيام اللي عندها فيها دراسة.

وكلم المحاسب كمان علشان يعدل مرتبها، لأنه اكتشف إنها بتاخد أقل بكتير من اللي تستحقه مقابل كل المسؤوليات اللي بتعملها.

خطيبته بصتله بابتسامة مصطنعة وقالت:

— ومن إمتى بقى مواعيد الخدم شاغلاك بالشكل ده؟

رد عليها بهدوء:

— من وقت ما اكتشفت إن مفيش حد غيري مهتم.

وفي نهاية الشهر، العاملة لقت الزيادة في مرتبها.

مفيش خطب.

مفيش منّة.

ومفيش مقابل مخفي.

مجرد مرتب عادل مقابل شغلها.

قالتله:

— شكرًا.

رد:

— ده كان المفروض يحصل من البداية.

من اللحظة دي، خطيبته بدأت تراقبهم.

قدام الضيوف كانت بتنادي العاملة بكلام لطيف، وتبتسم لها كأنها بتحبها.

لكن أول ما يختفوا…

وشها بيتغير.

في يوم طلبت منها ترتب دعوات الفرح حسب المدن.

العاملة نفذت المطلوب بالضبط.

لكن لما جه ناس البيت، خطيبته مسكت الدعوات وقالت قدامهم:

— أنا قلتلك ترتبيهم أبجديًا! إنتِ ليه دايمًا مشتتة ومابتفهميش الكلام من أول مرة؟ هتعمليهم كلهم من جديد.

العاملة بصتلها لحظة.

لكنها ماجادلتش.

خدت الدعوات وبدأت من الأول.

وبعدها خطيبته بدأت تقول للعيلة إن العاملة بقت بتغلط كتير، وإن الأفضل يمشوها قبل الفرح.

هو سمع الكلام.

لكن المشكلة إن الكلام اللي بيسمعه ماكانش متوافق نهائيًا مع اللي شايفه بعينه.

العاملة عمرها ما نسيت دوا جدته.

ولا اتأخرت في أكلها.

ولا أهملت مسؤولية اتطلبت منها.

علشان كده قرر ما يواجهش خطيبته لسه.

قرر يراقب.

وبدأ يكتشف حاجة أخطر.

تعليمات متناقضة.

كانت تطلب من العاملة حاجة، وبعد ما تنفذها تقول إنها طلبت العكس.

تتهمها بأخطاء صعب تثبت إنها ماعملتهاش.

وأي شغل تعمله صح، كانت بتدور فيه على غلطة علشان تهينها.

فقرر يحمي العاملة من غير ما يكشف إنه عرف الحقيقة كلها.

جاب عمالة إضافية للبيت، وغيّر مسؤوليتها رسميًا لتكون المسؤولة الأساسية عن رعاية جدته.

وقال لها:

— من النهارده مسؤوليتك الأساسية جدتي. مش مطلوب منك تعملي التنضيف التقيل تاني.

العاملة بصتله بخوف وقالت:

— أنا عملت حاجة غلط؟

رد:

— بالعكس. إنتِ أكتر واحدة في البيت عارفة احتياجاتها.

جدته فرحت جدًا بالقرار.

وبقت تقضي وقتها مع العاملة بين المشي والتمارين والكلام.

والعاملة نفسها بدأت تطبق عمليًا حاجات من اللي بتدرسها في التمريض.

وبالتدريج، حالة الجدة بدأت تتحسن وثقتها في الحركة رجعت.

لكن خطيبته كانت بتغلي من جواها.

لأن العاملة خرجت تقريبًا من تحت سيطرتها.

واجهته وقالت بعصبية:

— أنا محتاجاها في تجهيزات الفرح.

رد:

— عندنا ناس غيرها.

حكايات الكاتبة: أسما السيد

قالت بغضب:

— عندنا ناس غيرها؟! دي موظفة في البيت يا أدهم، وأنا اللي بحدد هي تعمل إيه!

أدهم رفع عينه من الورق اللي قدامه وبصلها ثواني طويلة، وبعدها قال بهدوء:

— لأ يا رنا… إنتِ مش بتحددي كل حاجة في البيت.

الجملة ضايقتها أكتر من لو كان صرخ فيها.

قربت منه وقالت:

— أنا مش فاهمة إيه اللي اتغير فجأة. من كام أسبوع ماكنتش حتى بتعرف مواعيد شغل مريم، ودلوقتي بقيت بتعدل مرتبها وتغير مسؤولياتها وتسألها عن دراستها!

أدهم قفل الملف اللي قدامه وقال:

— يمكن لأني كنت مقصر.

ضحكت رنا بسخرية:

— مقصر في حق الخدامة؟

رفع عينه ليها فورًا.

— اسمها مريم.

سكتت.

ولأول مرة، حسّت إن فيه حاجة مختلفة في نظرته.

حاولت تضحك وتغير الموضوع:

— أدهم، إحنا فاضل على فرحنا أقل من أسبوعين. مش ناقصة مشاكل بسبب واحدة شغالة عندنا.

رد بهدوء:

— وأنا كمان مش ناقص مشاكل… علشان كده خلينا نقفل الموضوع.

لكن الموضوع ما اتقفلش.

بالعكس.

بعد يومين حصلت الحاجة اللي خلت أدهم يعرف إن اللي شافه يوم كوباية النبيذ ماكانش موقف عابر.

كان عنده اجتماع مهم خارج البيت، لكنه رجع قبل نهايته بسبب إلغاء آخر مقابلة.

أول ما دخل، سمع صوت جدته جاي من الصالون.

— يا بنتي سيبيها… هي ماعملتش حاجة.

وبعدها صوت رنا:

— حضرتك ماتدخليش يا طنط أمينة، أنا بعرف أتعامل مع العاملين.

أدهم وقف.

نفس الإحساس القديم رجعله.

مشي ناحية الصالون بهدوء.

شاف مريم واقفة، وفي إيدها صينية مكسورة.

ورنا قدامها بتقول:

— تمن الطقم ده هيتخصم من مرتبك.

مريم ردت:

— بس أنا ماكسرتوش يا مدام رنا.

— يعني أنا اللي كسرته؟

وقبل ما مريم ترد، الجدة أمينة ضربت بعصاها في الأرض وقالت:

— أيوه.

الصمت نزل على المكان.

رنا لفت ناحيتها.

— حضرتك بتقولي إيه؟

قالت الجدة:

— بقول إنك إنتِ اللي زقيتي الصينية من إيدها.

وش رنا اتغير.

— أنا؟!

— أيوه. وأنا شوفتك.

في اللحظة دي أدهم دخل.

— وأنا سمعت كفاية.

رنا اتفزعت.

— أدهم؟! إنت رجعت إمتى؟

بصلها وقال:

— بدري… للمرة التانية.

مريم نزلت عينيها وقالت:

— بعد إذنك يا أستاذ أدهم، أنا هلم الزجاج.

قال فورًا:

— سيبيه.

وبص لأحد العاملين:

— لو سمحت لمّ الزجاج علشان محدش يتعور.

وبعدين بص لمريم:

— روحي لجدتي.

مريم ساعدت أمينة تقوم، لكن قبل ما تمشي الجدة بصت لحفيدها وقالت:

— المرة دي ماتعملش نفسك مش شايف.

الجملة ضربته في قلبه.

رنا حاولت تمسك إيده:

— أدهم، الموضوع مش زي ما إنت فاهم.

سحب إيده بهدوء.

— طب فهميني.

— الصينية وقعت، وأنا اتعصبت.

— وجدتي بتكدب؟

— أنا ماقولتش كده.

— يبقى إيه اللي حصل؟

بدأ صوتها يعلى:

— هي اللي مستفزاني! من ساعة ما إنت بدأت تعاملها كأنها واحدة من العيلة وهي اتغيرت!

أدهم فضل باصصلها.

— اتغيرت إزاي؟

رنا اتلخبطت.

— يعني… بقت شايفة نفسها.

— اديني مثال واحد.

سكتت.

قال:

— اتأخرت عن دوا جدتي؟

— لأ.

— أهملت شغلها؟

— لأ، بس…

— كلمتك بطريقة وحشة؟

— لأ.

— سرقت حاجة؟

— لأ.

— يبقى إيه اللي مضايقك؟

رنا انفجرت:

— مضايقني إنك بتدافع عنها طول الوقت!

هنا فهم أدهم حاجة مهمة.

المشكلة عمرها ما كانت مريم.

المشكلة كانت إن رنا ماقدرتش تستحمل إن إنسانة كانت شايفاها أقل منها يبقى ليها حد يحمي كرامتها.

قال:

— فرحنا بعد 12 يوم. وأنا محتاج أفكر كويس إحنا فعلًا ينفع نتجوز ولا لأ.

رنا اتجمدت.

— إنت هتلغي جوازنا بسبب خدامة؟!

أدهم رد:

— لأ. أنا ممكن ألغي جوازي بسبب الطريقة اللي خطيبتي بتعامل بيها إنسانة أضعف منها في السلطة.

سابها ومشي.

لكن رنا ما استسلمتش.

وفي اليوم التالي حصلت المفاجأة.

مريم كانت في المعهد لما تليفونها رن.

واحدة من العاملات قالتلها:

— مريم… تعالي بسرعة. فيه مشكلة كبيرة.

رجعت البيت وهي مرعوبة.

دخلت لقت رنا واقفة في الصالون، وأدهم وجدته موجودين.

وقدامهم علبة مجوهرات مفتوحة.

رنا قالت:

— إسورة الماس بتاعتي اختفت.

مريم بصتلها باستغراب.

— وأنا مالي؟

رنا أشارت ناحية شنطة مريم الموضوعة قرب باب غرفة الجدة.

— لقيناها في شنطتك.

مريم اتجمدت.

أدهم فتح كفه.

وكانت الإسورة فيه.

وش مريم ابيض.

— والله العظيم ما شوفتها قبل كده.

رنا قالت:

— طبيعي هتقولي كده.

مريم بصت لأدهم.

مش بخوف.

بكسرة.

وقالت:

— أنا بشتغل في البيت ده من 8 شهور. عمري ما خدت جنيه مش بتاعي.

رنا قالت:

— الأمن يتصل بالشرطة.

لكن أدهم قال:

— محدش هيتصل بحد.

رنا بصتله بصدمة:

— أدهم!

قال:

— الأول عايز أعرف الإسورة وصلت للشنطة إزاي.

— هو فيه إزاي؟ هي سرقتها!

أدهم طلع موبايله وحطه على الترابيزة.

وقال:

— غريبة.

— إيه اللي غريب؟

— إن كاميرات الممر اتغيرت الأسبوع اللي فات.

ملامح رنا اتجمدت.

أكمل:

— الكاميرات القديمة كان فيها نقطة عمياء جنب أوضة جدتي. الجديدة لأ.

مريم بصتله.

أما رنا، فوشها بدأ يفقد لونه.

فتح أدهم تسجيلًا.

ظهر الممر.

الساعة 4:18 عصرًا.

مريم كانت خارج البيت في المعهد.

وبعد ثواني ظهرت رنا.

بصت حواليها.

فتحت شنطة مريم.

وحطت شيئًا جواها.

وقفل أدهم الفيديو.

الصمت كان مرعب.

مريم حطت إيدها على بقها.

والجدة قالت:

— يا ساتر يا رب…

أدهم بص لرنا.

— عندك تفسير؟

رنا حاولت تتكلم.

— أنا… أنا كنت…

— كنتِ إيه؟

— كنت باختبرها.

أدهم ضحك ضحكة قصيرة من الصدمة.

— بتحطي إسورة ماس في شنطة واحدة علشان تختبريها؟

بدأت تعيط.

— أنا كنت خايفة عليك!

— مني؟

— منها! من قربها منك ومن جدتك!

مريم قالت بسرعة:

— أنا عمري ما…

أدهم رفع إيده بهدوء وقال:

— مريم، إنتِ مش مطالبة تدافعي عن نفسك.

ثم بص لرنا.

— إنتِ كنتِ ناوية تعملي إيه لو مفيش كاميرا؟

سكتت.

— كنتِ هتتهميها بالسرقة؟

رنا فضلت ساكتة.

— كنتِ هتخلي الشرطة تيجي؟

دموعها نزلت.

وهنا أدهم فهم الإجابة.

دخل مكتبه.

ورجع بعد دقيقة.

وفي إيده علبة صغيرة.

علبة خاتم الخطوبة.

حطها قدام رنا.

وقالت وهي بتبصله:

— أدهم… لأ.

قال:

— الخاتم.

— اسمعني.

— رجعي الخاتم يا رنا.

انهارت:

— هتلغي فرحنا قبل 11 يوم؟ الناس هتقول علينا إيه؟ الدعوات اتوزعت! القاعة مدفوعة! أهلي هيعملوا إيه؟

رد:

— الغريب إن كل اللي خايفة عليه دلوقتي هو كلام الناس.

— أنا بحبك!

أدهم هز راسه.

— يمكن بتحبيني. لكن أنا اكتشفت إني ماعرفكيش.

نزعت الخاتم بإيد مرتعشة وحطته على الترابيزة.

وقبل ما تمشي بصت لمريم وقالت:

— مبسوطة؟

مريم ردت بهدوء:

— لأ يا مدام. أنا عمري ما أتمنى بيت حد يتهد بسببي.

أدهم قال:

— البيت ما اتهدش بسبب مريم. اللي حصل نتيجة تصرفاتك إنتِ.

رنا خرجت.

وبعد أقل من ساعة، كان خبر إلغاء الفرح وصل للعيلتين.

لكن القصة ما انتهتش هنا.

تاني يوم، مريم دخلت على أدهم وقالت:

— أنا عايزة أسيب الشغل.

رفع عينه بصدمة.

— ليه؟

قالت:

— أنا ممتنة إن حضرتك صدقتني. بس بعد اللي حصل، وجودي هنا هيخليني كل يوم أفتكر إني كنت على بعد خطوة من إني أتهم بحاجة ماعملتهاش.

أدهم ما حاولش يمنعها بالقوة.

قال:

— فاهم.

لكن جدته لما عرفت، رفضت.

قالت لمريم:

— وإنتِ هتسيبيني لمين يا بنتي؟

ضحكت مريم رغم دموعها.

— هاجي أزورك.

قالت أمينة:

— لأ. إنتِ هتكملي دراستك، وأنا هفضل المريضة بتاعتك لحد ما تتخرجي.

وبالفعل، اتفقوا إن مريم تسيب شغل البيت تمامًا، لكن تستمر بشكل رسمي كمرافقة للجدة بساعات محددة ومرتب مناسب، بحيث تقدر تكمل دراستها من غير ضغط.

وأدهم دفع لها كل مستحقاتها القديمة بعد ما المحاسب راجع عدد الساعات الإضافية اللي اشتغلتها خلال الشهور السابقة.

لكن مريم رفضت أي مساعدة في مصاريف دراستها.

قالتله:

— حقي في الشغل آخده. إنما دراستي أنا هكملها بنفسي.

أدهم احترم ردها.

مرت الشهور.

وأمينة تحسنت بشكل فاجأ حتى الدكتور.

بقت تمشي بعصاية بدل المشاية.

وبعد فترة بدأت تمشي خطوات قصيرة من غير مساعدة.

وفي يوم كانت مريم بتساعدها تعمل تمرين بسيط في الجنينة، فقالت أمينة:

— أنا عندي طلب.

— تؤمري.

— لما تتخرجي، أنا أول واحدة تتصور معاكي.

مريم ضحكت.

— اتفقنا.

وبعد سنة ونص…

وقفت مريم قدام معهدها بزي التخرج.

أخوها الصغير واقف جنبها، فرحان بيها.

والجدة أمينة كانت هناك فعلًا.

لكن المفاجأة إن أدهم كان واقف خلفها ومعاه بوكيه زهور.

مريم أول ما شافته ابتسمت.

— إنت جيت؟

قال:

— هو أنا ينفع أفوت اليوم ده؟

ناولها الورد.

بصت له.

جاردينيا بيضا.

نفس نوع الورد اللي كان ماسكه في اليوم اللي اكتشف فيه حقيقة رنا.

لكن المرة دي الورد ماكانش تقيل في إيده.

مريم قالت وهي بتضحك:

— جميلة أوي.

رد:

— أمي كانت بتحبها.

كانت دي أول مرة يحكيلها بالتفصيل عن أمه.

عن الست اللي اشتغلت عشرين سنة في بيوت الناس.

وعن إحساسه بالذنب لأنه كبر وبقى غني لدرجة إنه نسي أحيانًا يشوف الناس اللي بيعملوا نفس الشغل اللي أمه كانت بتعمله.

مريم قالتله:

— المهم إنك افتكرت.

ومن اليوم ده، علاقتهم اتغيرت بهدوء.

مش قصة مليونير وقع في حب العاملة في أسبوع.

ولا مكافأة لأنها كانت إنسانة كويسة.

مريم بنت حياتها بنفسها.

اشتغلت في مركز تأهيل، وبعد فترة أكملت دراستها.

وأدهم فضل قريب منها ومن أخوها، لكن من غير ما يضغط عليها أو يستخدم فلوسه علشان يقرب منها.

وبعد سنتين تقريبًا، كان هو ومريم قاعدين في نفس الجنينة اللي كانت جدته بتتعلم تمشي فيها من جديد.

قال لها:

— ممكن أسألك سؤال؟

ابتسمت:

— اتفضل.

— لو طلبت منك نبدأ حياة مع بعض… مش كصاحب البيت وموظفة، ولا كمليونير وبنت محتاجة مساعدة… لكن كأدهم ومريم، هتوافقي؟

فضلت ساكتة شوية.

ثم قالت:

— بشرط.

ابتسم.

— إيه؟

قالت:

— عمرك ما تفتكر إن الفلوس تدي حد قيمة أكتر من حد.

رد:

— الوعد ده أمي علمتهولي قبل ما أعرفك… وإنتِ فكرتيني بيه.

وبعد شهور، اتجوزوا في حفل صغير جدًا.

لا 240 مدعو.

ولا مظاهر مبالغ فيها.

الجدة أمينة كانت قاعدة في الصف الأول.

وأخو مريم كان واقف جنبها.

وفي مدخل المكان كانت فيه زهور جاردينيا بيضا.

أما رنا، فأدهم ما انتقمش منها، وما حاولش  سمعتها.

كل اللي عمله إنه خرج من حياتها.

لأنه فهم أخيرًا إن الإنسان مش بيتعرف وقت ما يكون واقف قدام اللي أقوى منه…

بيتعرّف لما يبقى قدام إنسان يقدر يظلمه، ومحدش شايفه.

وفي ليلة زفافه، أمينة نادت أدهم قبل ما يمشي.

قالتله:

— فاكر اليوم اللي قلتلك فيه ماتعملش نفسك مش شايف؟

ابتسم وقال:

— عمري ما هنسي.

بصت ناحية مريم وقالت:

— كويس إنك فتحت عينك بدري.

أدهم بص لزوجته.

وبعدين للجاردينيا البيضا.

وفهم إن رجوعه للبيت قبل ميعاده بثلاث ساعات ما أنقذوش بس من جواز كان ممكن يندم عليه طول عمره…

ده رجعه للحاجة اللي الفلوس كانت تقريبًا خلته ينساها:

إن احترام الإنسان مايتحددش بوظيفته، ولا بمرتبه، ولا بالبيت اللي ساكن فيه.

وإن الشخص اللي يهين الضعيف لما يضمن إن محدش شايفه…

بيكشف عن حقيقته أكتر من ألف كلمة حب.

تمت ❤️

✍️ حكايات الكاتبة: أسما السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى