عام

لولو حكايات اسما السيد 3

الفصل السابع: صاحب البلاغ المجهول
فضلت باصص للموبايل بعد ما المكالمة اتقفلت.

الجملة الأخيرة كانت بتلف في دماغي:

“مين اللي بلغك أصلًا عن البيت المهجور اللي لقيت فيه ملك؟”

رجعت للقسم وطلبت تسجيل البلاغ الأصلي.

المكالمة كانت قصيرة.

صوت رجل متغير عمدًا قال:

— في طفلة محتاجة مساعدة في بيت مهجور بعزبة النخيل… لو اتأخرتوا عليها حالتها هتسوء.

الموظف سأله:

— اسم حضرتك؟

لكن المكالمة اتقفلت.

طلبت من شريف تتبع مسار الاتصال من جديد.

بعد ساعتين دخل عليّ، وملامحه كانت مختلفة.

— وصلنا لحاجة.

— قول.

— الاتصال اتعمل من تليفون عمومي قديم جنب محطة بنزين.

— كاميرات؟

— فيه كاميرا في صيدلية قصاده.

فتح الفيديو.

الساعة 2:14 فجرًا.

ظهر رجل يقترب من الهاتف.

كان يرتدي قبعة وكمامة.

اتصل، ثم تحرك بعيدًا.

لكن قبل ما يخرج من زاوية الكاميرا، رفع رأسه للحظات.

ثانيتان فقط…

كانوا كفاية.

وقفت من مكاني.

— فؤاد.

شريف بصلي.

— العميد فؤاد هو اللي بلغ؟

هزيت رأسي.

الحقيقة أصبحت أعقد.

الرجل المتورط في القضية هو نفسه الذي قادني إلى ملك.

اتخذت قراري.

— هاتوه.

بعد ساعات كان فؤاد جالسًا أمامي.

قلت:

— إنت اللي بلغت عن ملك.

لم ينكر.

سألته:

— ليه؟

ظل ساكتًا.

وضعت صورة ابنته نهى أمامه.

لأول مرة تغيرت ملامحه تمامًا.

— بنتي عايشة؟

رفعت عيني إليه.

— ملك قالت إنها شافتها.

ارتعشت يده.

وقال بصوت منخفض:

— أنا دخلت الشبكة من سنين… في البداية كنت باخد فلوس مقابل إني أغير اتجاه بعض التحريات.

— قضايا أطفال؟

خفض رأسه.

— كنت بحاول أقنع نفسي إني مش عارف التفاصيل.

ضربت يدي على المكتب.

— وإنت كنت عارف إن فيه أطفال بيتضرروا!

رفع رأسه وقال:

— عارف!

ثم سكت للحظات.

— ولما حاولت أخرج… خدوا نهى.

ساد الصمت.

قال:

— بنتي كانت عندها تسعتاشر سنة لما اختفت. بعدها سامح بعتلي صورة ليها، وقال لي إن حياتها هتفضل مرتبطة بسكوتي.

قلت:

— وعشان بنتك سكتّ على غيرها؟

لم يستطع النظر إليّ.

قلت:

— ليه بلغت عن ملك؟

قال:

— عرفت إنهم سابوها في البيت بحالة سيئة. مقدرتش أكمل سكوت.

— ولارا؟

— كنت فاكر إنها اختفت للأبد.

ثم رفع رأسه فجأة.

— حسام… سامح مش الرأس.

قلت:

— عارف. مروان؟

هز رأسه.

— مروان مجرد واجهة.

شعرت بقلق.

— مين الرأس؟

اقترب مني وقال:

— الدكتور جلال الشافعي.

الاسم وقع عليّ كالصاعقة.

الشافعي…

نفس لقب الدكتورة ندى الشافعي.

الفصل الثامن: الحقيقة التي لم أتوقعها
خرجت من التحقيق واتصلت بالمستشفى.

— الدكتورة ندى موجودة؟

— لا يا فندم، خرجت من حوالي ساعة.

— لو رجعت، محدش يقول لها إني سألت.

بدأنا البحث.

الدكتور جلال الشافعي كان والد ندى.

طبيب أطفال معروف، وكان يمتلك مؤسسة لرعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية.

بحسب السجلات الرسمية، توفي منذ خمس سنوات.

لكن عندما راجعنا التفاصيل، ظهرت تناقضات كثيرة.

الطبيب الذي وقع على شهادة الوفاة غادر البلاد بعدها بفترة قصيرة.

وبمراجعة الأوراق القديمة، اكتشفنا أن هناك تفاصيل غير مكتملة حول وفاته.

بدأنا نراجع كل ما يخص المؤسسة.

وكان اسم جلال يظهر في ملفات كثيرة.

استخدم سامح وفؤاد ومروان لسنوات لتغيير بيانات بعض الأطفال وإخفاء آثارهم.

لكن بقي سؤال واحد:

ندى تعرف؟

ذهبت إلى شقتها.

وجدت الباب مفتوحًا.

دخلت بحذر.

— دكتورة ندى؟

لا رد.

ثم سمعت صوت بكاء.

وجدتها في الصالة، جالسة على الأرض، وأمامها صندوق قديم مليء بالصور والأوراق.

رفعت عينيها.

— عرفت؟

قلت:

— جلال الشافعي أبوكي؟

هزت رأسها.

— كنت فاكرة إنه مات.

— إمتى عرفتي؟

— لما دخلت ملك المستشفى.

أخرجت صورة قديمة.

كان فيها جلال، وخلفه سامح ومروان وفؤاد.

قالت:

— شفت السوار اللي كان مع ملك… وافتكرت حاجة.

أخرجت سوارًا قماشيًا آخر.

كان مكتوبًا عليه:

ندى.

قالت:

— أبويا كان بيعمل الأساور دي للأطفال في المؤسسة.

سألتها:

— ليه ماقولتيش؟

— خفت.

ثم ناولتني ظرفًا.

فتحت الظرف.

كان بداخله عنوان ورقم مخزن وصورة حديثة لرجل يشبه جلال.

قلت:

— المكان ده فين؟

قالت:

— مزرعة قديمة خارج المدينة.

وقبل ما أكمل سؤالي، رن هاتف ندى.

رقم غير مسجل.

ردت.

جاء صوت رجل:

— وحشتيني يا ندى.

تغير وجهها.

— بابا؟

قال:

— لو عايزة تعرفي الحقيقة… تعالي.

ثم أضاف:

— وخدي حسام معاكي.

الفصل التاسع: آخر باب
لم نذهب وحدنا.

النيابة كانت على علم بكل خطوة.

فريق كامل كان يتابع المنطقة من بعيد.

دخلت أنا وندى إلى المزرعة.

كانت هادئة بشكل غريب.

وصلنا إلى البيت الرئيسي.

وجدنا جلال جالسًا على كرسي.

رجل في أواخر الستينيات.

نظر إلى ندى وقال:

— كبرتي.

ردت وهي تحاول السيطرة على دموعها:

— إنت حي؟

— زي ما إنتِ شايفة.

قلت:

— انتهت يا جلال.

ابتسم.

— لو كانت انتهت، ماكنتش جيت بنفسك.

قلت:

— عندنا سامح وفؤاد والمستندات.

— سامح هيتكلم عشان يحاول ينقذ نفسه. وفؤاد هيتكلم عشان بنته. ومروان هينكر.

— وإنت؟

ابتسم.

— أنا ميت رسميًا.

ندى رفعت صوتها:

— كنت بتعمل إيه في الأطفال؟!

نظر إليها.

— بدأت المؤسسة عشان أساعد أطفالًا محدش كان بيسأل عنهم.

قلت:

— المساعدة عمرها ما كانت بالشكل ده.

سكت.

ثم قال:

— بعد فترة دخلت المصالح والفلوس… ودخل معها ناس أقوى مني.

— مين؟

ابتسم.

— لسه بتدور على الرأس؟

اقتربت منه.

— أنت جزء أساسي من اللي حصل.

هز رأسه.

— كنت جزءًا من آلة أكبر.

قلت:

— فين نهى؟

نظر إليّ لحظات.

— عايشة.

شعرت بقلبي يخفق.

— فين؟

أشار ناحية باب خلفي.

دخلنا.

وجدنا غرفة صغيرة.

وامرأة في منتصف العشرينيات تقف بخوف.

ندى اقتربت منها.

— نهى؟

بدأت الفتاة في البكاء.

— بابا فين؟

قلت:

— مستنيكي.

لكن قبل ما نخرج…

سمعنا صوتًا مفاجئًا.

رجعت بسرعة.

وجدت جلال على الأرض.

والباب الخلفي مفتوح.

كان شخص آخر موجودًا في المكان، وتمكن من الفرار.

لكن القوة الأمنية كانت قد حاصرت المنطقة.

وبعد دقائق تم القبض عليه.

اقتربت منه.

كان المستشار مروان شوقي.

حاول إخفاء ما يعرفه عن طريق التخلص من جلال، لكن جلال بقي على قيد الحياة.

انحنيت بجواره.

همس:

— الخزنة…

— أنهي خزنة؟

— مكتبي القديم… المؤسسة.

ثم فقد الوعي.

لكنه عاش.

ولأول مرة…

أصبح لدينا شاهد حي يمكنه كشف تفاصيل الشبكة.

الفصل العاشر: أسماء بلا قبور
الخزنة كانت خلف مكتبة في مكتب جلال القديم.

بداخلها وجدنا سجلات تمتد لأكثر من خمسة عشر عامًا.

أسماء.

صور.

تحويلات.

أوراق رسمية.

وملفات أطفال.

بعض الأطفال كانوا داخل مصر ببيانات مختلفة.

وبعض الملفات تضمنت بيانات سفر.

أما بعض الملفات فحملت كلمة واحدة:

“متوفى.”

لكن التحقيق أثبت أن بعض هؤلاء الأطفال لم يكونوا قد توفوا أصلًا.

بدأت عملية واسعة شاركت فيها جهات متعددة.

تم القبض على مروان وسامح.

وفؤاد خضع للتحقيق والمحاكمة عن دوره في القضية، رغم تعاونه في كشف أجزاء منها.

أما جلال، فأصبح متهمًا رئيسيًا وشاهدًا على بقية المتورطين.

نهى عادت إلى والدها.

دخل فؤاد غرفة الزيارة وهو مقيد.

أول ما شافها، توقف مكانه.

— نهى…

وقفت أمامه.

لم تقترب.

قال:

— سامح قال لي إنهم قتلوكي.

ردت:

— وعشان كده ساعدتهم يعملوا نفس الحاجة في غيري؟

خفض رأسه.

— سامحيني.

قالت وهي تبكي:

— أنا بنتك… وهفضل بنتك.

ثم أضافت:

— لكن المسامحة مش معناها إنك متتحاسبش.

وتركت الغرفة.

الفصل الحادي عشر: لولو
مر شهران.

لارا وملك بدأتا تستعيدان حياتهما تدريجيًا.

ملك بدأت تضحك من جديد.

وفي يوم سمعت ضحكتها وأنا واقف في الممر.

وقفت مكاني.

لم أصدق أن الطفلة التي وجدتها في تلك الحالة الصعبة تستطيع أن تضحك بهذه الطريقة.

أما لارا…

فكانت تحتاج وقتًا أطول.

سنوات كاملة مرت عليها في ظروف قاسية.

وفي يوم طلبت مني أن أذهب معها إلى مكان.

كان قبر والدتها.

بعد انتهاء التحقيقات، تم الوصول إلى رفات ليلى والتأكد من هويتها.

وقفت لارا أمام القبر.

وضعت وردة.

قالت:

— ماما كانت بتقولي إنك هتيجي.

لم أعرف ماذا أقول.

قالت:

— إنت خذلتنا.

قلت:

— عارف.

سكتت.

ثم نظرت إليّ.

— بس إنت رجعت.

أخرجت السوار.

لولو.

قالت:

— أنا اديته لملك قبل ما يفرقونا.

— ليه؟

— قلتلها لو خرجت قبلي… تخليه معاها.

— عشان نعرف اسمك؟

ابتسمت بحزن.

— لأ.

— أمال؟

قالت:

— عشان أعرف إنها خرجت.

فهمت.

السوار لم يكن مجرد علامة.

كان وعدًا بين طفلتين.

لو خرجت واحدة…

تحمل ذكرى الثانية معها.

حتى لا تُنسى.

الفصل الثاني عشر والأخير: بعد ثلاثين سنة
جاء يوم تقاعدي.

ثلاثون سنة.

وضعت الزي للمرة الأخيرة.

وقفت أمام المرآة.

كنت أعتقد دائمًا أن أصعب شيء على رجل الشرطة هو مواجهة الخطر.

لكنني اكتشفت أن الأصعب…

هو أن ترى إنسانًا نجا، ثم تدرك كم انتظر حتى يجد من يساعده.

أقيم حفل صغير.

شريف أصبح ضابطًا برتبة أعلى.

ندى جاءت.

لارا جاءت.

وملك جاءت بفستان بسيط، وتحمل علبة صغيرة.

قالت:

— دي ليك.

فتحتها.

كان بداخلها سوار جديد.

مكتوب عليه:

عمو حسام.

ضحكت رغم دموعي.

— إيه ده؟

قالت:

— عشان متنسناش.

نزلت لمستواها.

— أنساكم إزاي؟

لارا كانت واقفة خلفها.

اقتربت.

قالت:

— في حاجة كمان.

أعطتني ظرفًا.

فتحته.

كانت رسالة بخط والدها عادل.

كانت من الأوراق التي عُثر عليها أثناء التحقيق.

قرأت:

“إلى الضابط حسام الدمنهوري… إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فأنا لم أستطع حماية أسرتي. لا أطلب منك الانتقام. أطلب فقط ألا تسمح لهم بأن يجعلوا ابنتي رقمًا في ملف.”

توقفت عن القراءة.

لم أستطع إكمالها.

جلست.

وبكيت.

ثلاثون سنة في الشرطة.

قضايا صعبة.

مواقف لا تُنسى.

ولا شيء كسرني كما فعل ذلك السوار الصغير في يد طفلة احتاجت إلى من يسمعها.

كنت أظنه مجرد قطعة قماش مكتوبًا عليها اسم.

لكنه كان خيطًا صغيرًا قادنا إلى لارا.

وإلى نهى.

وإلى أطفال آخرين استعادوا أسماءهم وحقهم في حياة آمنة.

بعد تقاعدي بأشهر، بدأت أتطوع مع مؤسسة قانونية لمتابعة ملفات الأطفال المفقودين.

أما ندى، فأسست برنامجًا طبيًا ونفسيًا لمساعدة الأطفال الذين مروا بتجارب قاسية.

لارا عادت للدراسة.

واختارت أن تستخدم اسمها الحقيقي:

لارا عادل منصور.

أما السوار، فاحتفظت به في صندوق صغير بجوار سريرها.

وملك انتقلت إلى أسرة رعاية آمنة، وظلت علاقتها بلارا قوية كأنهما أختان.

وفي أول يوم مدرسة لملك…

كنت أنا ولارا واقفين عند البوابة.

ملك خرجت مسرعة نحونا.

— عمو حسام!

فتحت ذراعي.

ارتمت في حضني.

سألتها:

— عملتي إيه النهارده؟

قالت بفخر:

— المُدرسة سألتني اسمي.

سكت لحظة.

— وقلتلها إيه؟

ابتسمت.

— قلتلها: أنا ملك.

ثلاث كلمات بسيطة.

لكن بالنسبة لها…

كانت بداية جديدة.

لأن هناك وقتًا لم يكن مسموحًا لها فيه أن تعيش باسمها الحقيقي.

لارا مسكت إيدي.

وفي إيدها الثانية كانت ماسكة إيد ملك.

ومشينا.

وقبل ما نخرج من بوابة المدرسة، بصيت للسوار اللي ملك كانت لابساه.

المرة دي لم يكن مكتوبًا عليه “لولو”.

كان مكتوبًا:

ملك.

اسمها هي.

ولأول مرة منذ بداية القضية…

لم أشعر أنني أنظر إلى طفلة ضائعة.

كنت أنظر إلى طفلة عادت إلى نفسها.

كلمة أخيرة من حسام
كنت فاكر إن الشجاعة معناها إنك متخافش.

لارا وملك علموني إن الشجاعة الحقيقية إنك تخاف…

وتفضل متمسك بالأمل.

وإن طفل واحد ممكن الكبار يعتبروه مجرد رقم في ملف…

لكن بالنسبة لشخص ينتظره، هو العالم كله.

ولو سألتوني بعد ثلاثين سنة خدمة:

إيه أهم قضية اشتغلت عليها؟

مش هقول أكبر قضية.

ولا أخطر قضية.

هقول:

قضية سوار صغير مكتوب عليه “لولو”… رفض يخلي طفلة تتنسي.

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى