عام

حفلة رجال الأعمال حكايات اسما السيد 4

تجمد ظافر مكانه.

كلمة واحدة فقط كانت بتتردد في دماغه:

مراته.

أم هند.

الحادث اللي حصل من عشرين سنة.

الحادث اللي قفلوا ملفه على إنه قضاء وقدر.

هند قربت من أبوها.

— بابا…

لم يرد.

كانت عينه معلقة بالشاشة.

وفي المخزن…

كريم نفسه اتصدم.

— إنت بتقول إيه يا ماهر؟

ضحك ماهر.

— بقول إن ظافر عاش عشرين سنة فاكر نفسه أذكى واحد في العيلة… وهو ما يعرفش نص اللي حصل حواليه.

— إنت ليك علاقة بحادث مرات أخوك؟

اختفت ابتسامة ماهر.

— خليك في نفسك.

لكن كريم ضغط:

— إنت اللي قلت.

ماهر اقترب منه.

— وأنا اللي بقولك تنسى.

في غرفة المراقبة…

قال المحامي فؤاد بهدوء:

— ما نستعجلش. الاعتراف لسه مش واضح كفاية.

هند بصت لأبوها.

كان وشه جامد…

لكن إيده كانت بتترعش.

أمسكتها.

لأول مرة منذ سنوات…

هي اللي طمنته.

في الداخل…

قال كريم:

— لو هند عرفت إنك أذيت أمها، مش هتسيبك.

انفجر ماهر:

— أمها هي اللي جابت لنفسها المصيبة!

شهقت هند.

ظافر رفع رأسه.

كريم سأل:

— يعني إيه؟

ماهر سكت.

واضح إنه فهم إنه قال أكتر من اللازم.

لكن كريم كمل:

— كانت عارفة حاجة عنك؟

ماهر بص له.

— إنت بتستجوبني؟

— أنا بحاول أفهم أنا دخلت نفسي مع مين.

ضحك ماهر بسخرية.

— متأخر أوي.

ثم أخذ الملف من فوق الطاولة.

— مرات ظافر اكتشفت إن فيه فلوس بتتسحب من شركة العيلة عن طريق شركات وهمية.

هند وضعت يدها على فمها.

ماهر أكمل:

— وكانت ناوية تقول لظافر.

كريم سأله:

— فإنت عملت إيه؟

سكت ماهر.

ثوانٍ طويلة مرت.

ثم قال:

— أنا ماكنتش ناوي تموت.

أغمض ظافر عينيه.

هند بدأت تبكي.

— يا ماما…

قال كريم:

— يعني إنت السبب؟

صرخ ماهر:

— قولتلك ماكنتش ناوي!

ثم أكمل بعصبية:

— كنت عايز أخوفها بس. أخليها تبعد عن الملفات… لكن اللي حصل حصل.

وهنا…

أعطيت الإشارة.

وانتهى كل شيء بسرعة.

دخلت الجهات المختصة إلى المخزن.

اتسعت عينا ماهر.

حاول يجري.

لكنه توقف لما شاف ظافر داخل.

وقف الأخوان أمام بعض.

عشرين سنة من الشراكة.

والعيلة.

والثقة.

انهاروا في ثانية.

قال ماهر:

— ظافر…

لكن ظافر لم يقترب منه.

لم يضربه.

لم يصرخ.

قال فقط:

— عشرين سنة يا ماهر؟

خفض ماهر عينيه.

— الموضوع مش زي ما إنت فاهم.

— مراتي ماتت.

— ماكنتش أقصد—

صرخ ظافر لأول مرة:

— مراتي !

اهتز المكان بصوته.

جرت هند على أبوها.

أمسكت ذراعه.

— بابا.

نظر إليها.

كانت تبكي.

قالت:

— سيبه للقانون.

ظل ظافر ينظر لأخيه.

ثم تراجع.

قال بصوت مبحوح:

— عندك حق.

ونظر لماهر.

— أنا مش هضيع اللي باقي من عمري بسببك.

خرجوا من المخزن مع طلوع الشمس.

وقفت هند بعيدًا.

كانت محتاجة تتنفس.

جاء كريم ووقف على بعد خطوات.

لم يقترب أكثر.

— هند.

لم تلتفت.

— أنا عارف إن الوقت مش مناسب.

ضحكت وسط دموعها.

— إمتى كان الوقت مناسب أصلًا يا كريم؟

سكت.

استدارت له.

— كنت تعرف عن أمي؟

فتح عينيه بسرعة.

— والله ما كنت أعرف.

— وماهر؟

— كنت أعرف إنه عايز يضرب شغل أبوكي… لكن حادث والدتك؟ لأ.

هند ظلت تراقب وجهه.

لم تعد تعرف هل تصدقه أم لا.

ويمكن دي كانت أكبر خسارة بينهما.

إن الثقة ماتت.

حتى الحقيقة بقت محتاجة دليل.

قال كريم:

— كل اللي عندي هسلمه.

— لازم تسلمه.

— هشهد ضد ماهر.

— لازم تشهد.

— وهتحمل مسؤوليتي في موضوع الأوراق والتحويلات.

هزت هند رأسها.

— كويس.

ثم مشت.

ناداها:

— هند!

وقفت.

— أنا حبيتك.

أغمضت عينيها.

كان زمان نفسها تسمع الجملة دي.

دلوقتي…

لم تعد تكفي.

التفتت إليه.

— يمكن.

ثم قالت:

— بس الحب اللي من غير أمان وصدق واحترام… ما يكفيش لبناء بيت.

وتركته.

مرت ثلاثة أشهر.

ثلاثة أشهر قلبت حياة هند بالكامل.

التحقيقات كشفت شبكة شركات وعمليات مالية كان ماهر يديرها بعيدًا عن ظافر.

وبفضل المستندات والتسجيلات ومراجعة التوقيعات، بدأت الصورة الحقيقية تظهر.

ثبت أن بعض الأوراق التي حملت اسم هند تم تمريرها عليها وسط مستندات أخرى دون شرح حقيقي لطبيعتها.

وبعض التوقيعات الأخرى…

لم تكن لها أصلًا.

أما كريم…

فلم يخرج بريئًا.

كان يعرف جزءًا من اللعبة.

استفاد منها.

وسكت.

ثم تورط أكثر مما تخيل.

تعاونه بعد ذلك لم يمحُ ما فعله.

لكنه ساعد على كشف الحقيقة كاملة.

ونادين؟

انهارت أول ما بدأت التحقيقات.

وقدمت رسائل وتحويلات ومستندات احتفظت بها لنفسها خوفًا من كريم وماهر.

وبعدها…

كل واحد بدأ يتحمل مسؤوليته أمام القانون.

أما هند…

فبدأت تتحمل مسؤولية نفسها.

في صباح أحد الأيام…

دخلت هند مقر مجموعة السيوفي.

لم تدخل كابنة صاحب الشركة.

ولا كزوجة كريم.

دخلت باسمها.

هند ظافر السيوفي.

وقفت أمام باب قاعة مجلس الإدارة.

نفس العالم اللي هربت منه يومًا علشان تثبت لكريم إنها مش محتاجة اسم أبوها.

لكنها فهمت أخيرًا…

إن المشكلة عمرها ما كانت في اسم أبوها.

المشكلة إنها سمحت لشخص يقنعها إن نجاحها ووجودها لازم يصغروا علشان هو يحس إنه كبير.

دخلت.

وقف بعض أعضاء المجلس لتحيتها.

قال ظافر:

— صباح الخير يا أستاذة هند.

ابتسمت.

— صباح النور يا أستاذ ظافر.

ضحك الموجودون.

جلست بجواره.

بدأ الاجتماع.

وبعد ساعة…

قدمت هند خطة كاملة لإعادة هيكلة الشركات المتضررة.

ظل ظافر يسمعها دون تدخل.

وفي النهاية قال:

— موافق.

بصت له.

— بالسهولة دي؟

— لأ.

ابتسم.

— علشان الخطة ممتازة.

بعد انتهاء الاجتماع…

دخلت هند مكتب أمها القديم.

كان مغلقًا من سنوات.

قرر ظافر فتحه من جديد.

وجدت صورة أمها فوق المكتب.

أمسكتها.

— وحشتيني.

دخل أبوها بهدوء.

— كانت هتبقى فخورة بيكي.

ابتسمت هند والدموع في عينيها.

— أنا ضيعت وقت كتير.

— بطلي تقولي كده.

جلس أمامها.

— الوقت اللي علمك حاجة مش ضايع.

ثم أخرج ملفًا.

— ده وصل النهارده.

نظرت إليه.

— إيه ده؟

— أوراق انتهاء علاقتك بكريم بعد استكمال الإجراءات.

سكتت هند.

نظرت إلى اسم كريم.

ثلاث سنين.

حب.

كذب.

ذكريات.

خذلان.

وضعت القلم على الورق.

ترددت ثانية واحدة فقط.

ثم وقعت.

وأغلقت الملف.

— خلصت.

مرت سنة.

وفي نفس الفندق…

أقيم حفل اقتصادي كبير.

لكن المرة دي…

لم تدخل هند على ذراع أحد.

دخلت وحدها.

كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا.

ورأسها مرفوع.

اقترب منها صحفي.

— أستاذة هند، الناس لسه فاكرة ظهور حضرتك الشهير بالفستان الأحمر السنة اللي فاتت.

ضحكت.

— وأنا كنت فاكرة الفستان هو اللي عمل الضجة.

قال الصحفي:

— الحقيقة إن قصتك بقت معروفة.

تغيرت ابتسامتها قليلًا.

— أنا أفضل الناس تعرف شغلي… مش حياتي الخاصة.

— سؤال أخير. هل ندمتي إنك بعدتي عن عالم الأعمال تلات سنين؟

فكرت.

ثم قالت:

— ندمت على حاجة واحدة.

— إيه؟

— إني في وقت من الأوقات صدقت إن لازم أطفي نفسي علشان الشخص اللي جنبي يبان.

ابتسم الصحفي.

ومشى.

بعد دقائق…

كانت هند تتحدث مع مجموعة مستثمرين.

وفجأة…

شعرت أن هناك شخصًا ينظر إليها.

التفتت.

كان كريم.

واقف بعيد.

ملامحه تغيرت.

بدا أهدأ.

أكبر.

اقترب منها بعد انتهاء حديثها.

— مساء الخير.

— مساء النور.

سكت لحظة.

— مبروك الصفقة الجديدة.

— الله يبارك فيك.

— سمعت إنكم دخلتوا أسواق جديدة.

— الحمد لله.

صمت.

ثم قال:

— هند… أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.

نظرت له.

— كويس.

ابتسم بحزن.

— اتعلمت متأخر إن بعض الحاجات لما … الاعتذار ما بيرجعهاش زي الأول.

لم ترد.

قال:

— بس كنت عايز أقولك إني آسف من غير ما أطلب مقابل.

هند ظلت تنظر إليه.

ثم قالت:

— وأنا قبلت اعتذارك من زمان.

رفع رأسه بأمل.

فأكملت:

— قبول الاعتذار مش معناه الرجوع.

اختفى الأمل.

لكنه هز رأسه.

— عارف.

مد يده.

ترددت.

ثم صافحته.

— أتمنالك حياة أحسن يا كريم.

— وإنتِ؟

ابتسمت.

— أنا بالفعل بعيشها.

تركته ومشت.

عند باب القاعة…

كان ظافر واقفًا ينتظرها.

نظر خلفها فرأى كريم.

ثم سأل:

— كويسة؟

هند ابتسمت.

— جدًا.

مد ذراعه لها.

لكنها ضحكت.

— لأ يا ظافر بيه.

— نعم؟

— المرة دي أنا هدخل لوحدي.

ابتسم بفخر.

— اتفضلي يا هند هانم.

مشت.

وعندما فتح باب القاعة…

وقف رئيس الشركة لاستقبالها.

تمامًا مثل الليلة الأولى.

لكن الفرق…

إن هند هذه المرة لم تكن داخلة لتثبت لكريم إنها تليق بالمكان.

ولا  من نادين.

ولا حتى لتثبت للناس إنها بنت ظافر السيوفي.

كانت داخلة لأنها هند.

المرأة التي احتاجت ثلاث سنوات من التنازل…

وليلة واحدة من …

علشان تفهم حقيقة بسيطة:

اللي يحبك بجد عمره ما يطلب منك تصغري علشان هو يكبر.

أما الفستان الأحمر…

فاحتفظت به هند في خزانتها.

مش لأنه كان أجمل فستان لبسته.

لكن لأنه كان شاهدًا على الليلة التي دخلت فيها الحفل امرأة مكسورة…

وخرجت منه وهي تعرف قيمتها.

تمت.

لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينك بعـد شـوية وقـت صـغيرين ❤️
حكـايـات أسما السـيد

الكاتبة أسما السيد — ممنوع النسخ أو إعادة النشر دون إذن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى