حكايات روماني مكرم 3

اتجمدت مكاني.
— يعني إنتِ كنتِ عارفة من سنة ونص؟
نادية هزت راسها.
— أيوه.
— وعارفة إن مصطفى بيبعت ستة آلاف؟
— أيوه.
— وعارفة إني بديكي أربعة بس؟
بصتلي في عيني وقالت:
— كنت عارفة.
حسيت الغضب غطى على الخوف للحظة.
قلت:
— طب وسكتي ليه؟! ليه فضلتي تيجي تشتغلي عندي؟
نادية ابتسمت ابتسامة كلها وجع.
— عشان كنت مستنية منك كلمة واحدة.
— كلمة إيه؟
— “يا نادية، أخوكي بيبعتلك فلوس.”
سكت.
قالت:
— كل مرة كنت بقول يمكن النهاردة ضميرها يصحى. يمكن تقول لي الحقيقة. يمكن تديلي حقي من غير ما أسأل.
نزلت عيني.
نادية كملت:
— وفي الأول لما لقيت ورقة التحويل، قولت يمكن أنا فاهمة غلط. يمكن المبلغ مرة واحدة. يمكن مصطفى باعتلك لمصاريف تخص البيت ومكتوب اسمي لسبب ما.
— وبعدين؟
— بعد شهر، شفت رسالة منه بالصدفة على شاشة موبايلك وإنتِ في المطبخ.
قلبي دق.
قالت:
— كانت بتقول: “الستة آلاف بتوع نادية وصلوها؟”
ماقدرتش أنطق.
— ساعتها عرفت.
قلت وأنا بحاول أتمسك بأي تبرير:
— طب ليه ما واجهتينيش؟
ضحكت بمرارة.
— كنت عايزة أعرف إنتِ هتعملي إيه لوحدك.
وبعدين قالت:
— وكنت خايفة أقول لمصطفى.
— خايفة مني؟
— لأ. خايفة على بيته.
الكلمة وجعتني.
قالت:
— أخويا غريب، لوحده، بيشتغل ليل نهار. قولت لو قلتله ممكن يتهور، وممكن بيتكم يتخرب، والعيال مالهمش ذنب.
مسحت دموعها.
— فقلت أستنى.
سألتها:
— وإنتِ كنتِ محتاجة الفلوس.
ضحكت.
— جدًا.
وبعدين أشارت ناحية باب الشقة.
— السنة اللي ابني الصغير دخل فيها المستشفى، بعت دهبي.
رفعت راسي بسرعة.
— إيه؟
— كنت محتاجة فلوس للعلاج.
حسيت نفسي اختنقت.
— ما طلبتيش مني ليه؟
— طلبت شغل زيادة.
افتكرت.
في الفترة دي فعلًا نادية كانت بتكلمني كل يومين:
“لو عندك حاجة زيادة أعملها قولي.”
وأنا كنت بفرح.
أقول لنفسي:
“شايفة؟ هي أصلًا محتاجة شغل، وأنا بفيدها.”
قالت:
— كنت بشتغل عندك، وبعدها أروح بيت تاني، وبعدها أرجع لأولادي.
أنا قعدت على الكرسي.
رجلي ما بقيتش شيلاني.
سألتها:
— وإنتِ بعتي دهبك… وأنتِ عارفة إن أخوكي بيبعتلك؟
دموعها نزلت.
— أيوه.
— ليه عملتي في نفسك كده؟
ردت:
— عشان كنت عايزة أشوف آخرك.
الجملة دي كانت أصعب من أي حاجة.
قالت:
— وصدقيني يا صباح، أنا كل شهر كنت أقول خلاص. الشهر ده هتكلم. لكن إنتِ كنتِ تيجي تديني الألف جنيه وتقولي: “خدي يا نادية، ده زيادة عشان تعبتِ.”
وسكتت لحظة.
— وكنت أرجع البيت أبص للألف جنيه وأقول: دي أصلًا من فلوسي.
حطيت إيدي على وشي.
— كفاية يا نادية.
— لأ، لسه.
رفعت عيني.
قالت:
— عارفة ليه قررت أتكلم دلوقتي؟
هزيت راسي.
— عشان التليفون.
— التليفون؟
— أيوه. لما أخويا بعتلي حاجة عشان يسمع صوتي، وإنتِ فكرتِ تمنعيني منه عشان السر ما يطلعش… عرفت إنك مش ناوية توقفي.
سكت.
كانت عندها حق.
لو ما كانش التليفون وصل، كنت هكمل.
شهر.
وسنة.
يمكن أكتر.
قلت بصوت مبحوح:
— مصطفى لازم يعرف إنك كنتِ عارفة.
هزت راسها.
— هيعرف.
قلبي وقع.
— إمتى؟
قالت بهدوء:
— لما يوصل.
بصيت للساعة.
فاضل أقل من ساعتين.
قلت بسرعة:
— نادية، اسمعيني. أنا هجمع الفلوس. هبيع دهبي. هتصرف.
قالت:
— الموضوع مش فلوس بس.
— أمال إيه؟
— كرامة.
سكت.
قالت:
— أنا كنت داخلة بيتك على إني شغالة. وده مش عيب. الشغل عمره ما كان عيب. بس العيب إن الأجرة اللي إنتِ كنتِ بتمنّي عليا بيها كانت من حقي أصلًا.
بدأت أعيط.
— أنا عارفة إني غلطت.
قالت:
— لأ. إنتِ عارفة إنك اتقفشتي.
رفعت راسي.
الكلمة ، لأنها كانت أقرب للحقيقة من أي اعتذار خرج مني.
نادية أخدت الكيس واتجهت للباب.
قلت:
— استني. رايحة فين؟
— المطار.
— ليه؟
— أستقبل أخويا.
خفت.
قلت:
— هتقوليله كل حاجة هناك؟
قالت:
— مش قدام الناس. بس أنا مش هكدب عليه تاني عشان أحميكي.
وخرجت.
الساعة 11 إلا ربع، كنت قاعدة في الصالة مستنية.
كل صوت عربية في الشارع كان يخضني.
العيال كانوا عند أمي.
أنا اللي بعتهم لها من الصبح.
ما كنتش عايزة يشوفوا اللي هيحصل.
الساعة 11 ونص…
جرس الباب رن.
فتحت.
مصطفى واقف.
وشه متغير من السفر والتعب.
ونادية واقفة جنبه.
دخل من غير ما يقول سلام.
حط شنطته على الأرض.
وبعدين بصلي.
— الحساب.
مديتله ورقة كنت كاتبة فيها اللي قدرت أفتكره.
قال:
— ده إيه؟
— ده تقريبًا المبالغ اللي استلمتها.
قرأها.
— تقريبًا؟
سكت.
رفع عينه:
— أنا حولت لك فلوس أختي 36 شهر.
قلت بصوت واطي:
— أيوه.
— ستة آلاف كل شهر.
— أيوه.
— يعني 216 ألف جنيه.
نادية كانت واقفة بعيد وساكتة.
مصطفى قال:
— كام وصل لها؟
قلت:
— حوالي 144 ألف… بس مقابل شغل.
خبط الورقة على الترابيزة.
— يعني ولا جنيه من المساعدة وصل لها كمساعدة.
ما رديتش.
— والباقي 72 ألف؟
قلت:
— اتصرف منهم.
— كام موجود؟
سكت.
صرخ:
— كام موجود يا صباح؟!
قلت وأنا بعيط:
— حوالي 12 ألف.
اتراجع خطوة.
— يعني 60 ألف جنيه من فلوس عيال أختي اتصرفوا؟
قلت بسرعة:
— على البيت! والله على البيت. أقساط، مصاريف، حاجات للعيال…
قاطعني:
— وأنا كنت ببعت مصاريف البيت لوحدها!
سكت.
قال:
— الفلوس دي ما كانتش ليكي.
نزلت عيني.
مصطفى لف لنادية.
— وإنتِ كنتِ عارفة؟
نادية قالت:
— من سنة ونص.
بص لها بصدمة.
— وساكتة؟!
قالت:
— كنت خايفة بيتك يتهد.
مصطفى ضحك ضحكة مكسورة.
— وبيتي كان بيتهد وأنا آخر واحد أعرف.
قعد.
حط راسه بين إيديه.
لأول مرة أشوف جوزي بالشكل ده.
مش غضبان.
مكسور.
بعد شوية رفع راسه وقال لي:
— أنا سألتك كام مرة: الفلوس وصلتها؟
ما قدرتش أعد.
قال:
— وكل مرة كنتِ بتقولي “آه”.
سكت.
— يعني المشكلة مش إنك أخدتي فلوس مرة.
بصلي.
— إنتِ كذبتي عليا كل شهر تلات سنين.
دموعي نزلت.
قلت:
— أنا كنت فاكرة إني بعمل الصح.
مصطفى هز راسه.
— ماحدش بيعمل الصح وهو مخبي.
سكتنا كلنا.
بعدها مصطفى قام.
دخل أوضة النوم.
أنا جريت وراه.
— رايح فين؟
فتح الدولاب وطلع شنطة صغيرة.
قلبي وقع.
— مصطفى…
قال من غير ما يبصلي:
— أنا هبات عند نادية كام يوم.
مسكت دراعه.
— والنبي ما تمشي.
شال إيدي بهدوء.
— لازم أمشي.
— عشان فلوس؟
لف لي.
— لأ.
وسكت لحظة.
— عشان الثقة.
الكلمة دي خلتني أتهد.
قلت:
— طب والعيال؟
قال:
— ماليش دعوة بالعيال في غلطتك. أنا أبوهم وهفضل أبوهم.
— وأنا؟
بصلي فترة طويلة.
ثم قال:
— أنا دلوقتي مش عارف إنتِ مين.
وأخد الشنطة.
قبل ما يخرج، وقف وقال:
— عندك أسبوع تجمعي حساب كامل. مش عشان ولا أعمل مشكلة. عشان كل جنيه أخدتيه من حق نادية يرجعلها.
هزيت راسي وأنا بعيط.
قال:
— وبعدها نشوف إحنا لسه عندنا بيت يتصلح… ولا لأ.
وخرج.
الباب اتقفل.
وقعدت في الصالة لوحدي.
لأول مرة من تلات سنين ماكانش عندي كذبة أستخبى وراها.
ولا حجة.
ولا “كنت بخاف تطمع.”
أنا كنت بشوف واحدة أرملة بتتعب وتغسل وتمسح قدامي…
وأنا عارفة إن جزءًا من تعبها كان ممكن ما يحصلش أصلًا لو وصلتها الأمانة زي ما جوزي طلب.
والأصعب؟
إن نادية كانت عارفة.
وساكتة.
مش ضعفًا.
لكن لأنها كانت بتحاول تحافظ على بيتي أكتر مني.
رفعت عيني على الساعة.
وفجأة موبايلي رن.
كان مصطفى.
جريت ورديت.
— مصطفى؟
قال:
— نسيت أقولك حاجة.
— إيه؟
سكت ثواني.
وبعدين قال:
— أنا قبل ما أنزل مصر كلمت البنك وطلعت كشف بكل التحويلات من أول شهر.
قلبي وقف.
— يعني الحساب اللي هتعمليه مش هيعتمد على ذاكرتك.
وبعدين قال الجملة اللي خلتني أعرف إن اللي جاي أصعب بكتير:
— وأول تحويل في الكشف مش من تلات سنين يا صباح.
سكت.
— من أربع سنين ونص.
التليفون كاد يقع من إيدي.
لأن تلات سنين كانت المدة اللي مصطفى قال لي عليها قدام نادية.
لكن أنا وحدي كنت عارفة إن فيه فترة أقدم…
فترة كنت فاكرة إنه نسيها تمامًا.
وفلوس أكتر…
ماحدش لسه يعرف راحت فين.
يتبع…




