روايات وقصص

بعد ٤٠ سنه حكايات اسما السيد 1

بعد أربعين سنة جواز، خرجت من ة جوزي وأنا مخبية سر محدش في عيلتي كان يعرفه…

قبل وته بست شهور، كنت حجزت لنفسي رحلة بحرية تلف العالم لمدة سنة كاملة.

ومحدش كان يعرف.

لا ابني…

ولا مراته…

ولا حتى جوزي نفسه.

وبعد أسبوع واحد بس من وته، ابني جه بيتي، وقبل حتى ما يسألني أنا عاملة إيه أو محتاجة حاجة، قال لي بمنتهى البرود:

— إحنا مسافرين كام يوم… والكلاب والقطة والبغبغان هيقعدوا عندك لحد ما نرجع.

مراته دخلت وراه وهي شايلة أكياس الأكل والأدوية، وبدأت تشرحلي المواعيد والتعليمات كأني شغالة عندهم.

أنا ما اعترضتش.

ابتسمت بس…

لأني كنت عارفة إن الصبح اللي جاي هيقلب حياتهم كلها.

أنا نادية، عندي تلاتة وستين سنة.

أربعين سنة وأنا الزوجة اللي بتستحمل، والأم اللي بتجري، والست اللي بيتقال لها:

— معلش… إنتِ الكبيرة.

— استحملي علشان البيت.

— اعمليها علشان ولادك.

كنت بطبخ، وأنظف، وأربي، وأمرض، وأصحي، وأنام آخر واحدة.

ولما جوزي تعب في آخر سنين عمره، بقيت تقريبًا ممرضة طول اليوم.

كنت بطحن الدوا في المطبخ…

أساعده يقوم…

أراقب مواعيده…

وأدخل الحمام أعيط لوحدي علشان محدش يشوفني.

أنا كنت بحبه.

وزعلت عليه لما مات.

لكن الحقيقة اللي محدش كان عايز يعترف بيها إن الأربعين سنة كانوا أخدوا مني كل حاجة تقريبًا…

صحتي.

وقتي.

وأحلامي.

حتى صوتي بقيت أوطيه قبل ما أتكلم، كأني طول الوقت مستنية إذن من حد.

وقت العزا، الستات كانوا يحي ويقولوا:

— دلوقتي ترتاحي بقى.

كنت بابتسم.

لأني عارفة إنهم مش فاهمين معنى الراحة أصلًا.

هما كانوا فاكرين إن راحتي يعني أفضل في نفس البيت…

أربي الأحفاد.

أطبخ للولاد.

أقعد مستنية حد يحتاجني.

وبعد أسبوع، ابني أثبتلي إن إحساسي كان صح.

دخل البيت هو ومراته وبنتهم الصغيرة.

ابني كان لابس شيك جدًا، ونضارته في إيده، وقعد قصادي وقال:

— بصي يا أمي… بعد بابا لازم الدنيا تتنظم شوية.

افتكرت إنه هيتكلم عني.

عن حزني.

عن مصاريف البيت.

يمكن حتى يسألني أنا محتاجة إيه.

لكنه لف ناحية الباب وقال:

— دخلّيهم.

مراته فتحت الباب.

دخل كلبين كبار، وقطة بيضا، وقفص فيه بغبغان.

أول ما البغبغان دخل، صرخ:

— يا عجوزة!

مراته ضحكت.

وابني ضحك معاها.

أما أنا…

فضلت باصة لهم.

قال ابني:

— إحنا عندنا سفر كتير الفترة الجاية، وإنتِ قاعدة لوحدك، أهو الحيوانات تملالك البيت وتخليكي مشغولة.

مراته قعدت تحط الأكياس فوق السفرة وقالت:

— وده أكل الكلاب… وده علاج واحد فيهم… والقطة الرمل بتاعها يتغير كل يوم.

وبعدين طلعت ورقة مطبوعة.

— أنا كاتبة لحضرتك كل المواعيد علشان ما تنسيش.

أخدت الورقة منها وبصيت فيها.

مواعيد أكل.

أدوية.

تنظيف.

رقم الدكتور البيطري.

وفي آخر الورقة لقيت عنوان شم الجديدة وكلمة السر.

رفعت عيني لها.

قالت ببساطة:

— وإحنا مسافرين ممكن تعدي تنظفي الشقة مرة أو مرتين… علشان التراب.

هنا فهمت.

أنا بالنسبة لهم ما بقيتش أم فقدت جوزها من أسبوع.

أنا بقيت وقت فاضي.

وخدمة مجانية.

حتى حفيدتي، بدل ما تقرب تحضني، كانت ماشية في البيت تتفرج على الأوض.

وفجأة سألت أبوها قدامي:

— بابا… لما تيتة تموت، الأوضة الكبيرة دي هتبقى بتاعتي؟

سكت البيت كله.

مرات ابني قالت بسرعة:

— عيب يا حبيبتي.

لكنها كانت بتضحك وهي بتقولها.

بصيت لابني.

استنيته يزعق.

يوقفها.

يقول لها إن البيت ده لسه بيت أمك.

لكنه قال:

— لسه بدري على الكلام ده.

لسه بدري.

يعني الكلام نفسه مش غلط…

هو بس جه بدري.

بصيت له وقلت:

— أبوك لسه مدفون من أسبوع يا ابني.

اتنهد كأني أنا اللي معطلة حياته وقال:

— يا أمي، بلاش حساسية زيادة. كل واحد عنده حياته ومشاغله.

الجملة دخلت قلبي زي السكينة.

كل واحد عنده حياته.

إلا أنا.

أنا المفروض مايبقاش ليا حياة.

أنا المفروض أفضل موجودة في البيت وقت ما يحتاجوني.

مسكت الورقة وابتسمت.

— حاضر يا ابني… أبشر.

مراته ارتاحت فورًا.

— كنت عارفة إنك هتفهمي.

فهمت فعلًا.

بس مش اللي هي كانت تقصده.

بعد ما مشيوا، البغبغان فضل يزعق:

— يا عجوزة… يا عجوزة!

قربت منه.

غطيت القفص بهدوء وقلت:

— نام إنت بس… بكرة كلنا هنصحى على مفاجأة.

طلعت أوضتي.

فتحت الدرج القديم اللي جوزي كان بيحط فيه أوراقه المهمة.

وفي آخر الدرج، تحت شوية أوراق قديمة، كان فيه ظرف أزرق.

فتحته.

جواز سفري.

وتذكرة الرحلة.

رحلة بحرية لمدة سنة كاملة.

كنت حجزتها قبل ست شهور.

يومها كنت قاعدة جنب جوزي وهو نايم بعد جرعة الدوا، وببص من الشباك.

وفجأة سألت نفسي:

أنا لو فضلت مستنية حد يقول لي عيشي…

هو اليوم ده هييجي أصلًا؟

ساعتها فتحت الموبايل وحجزت الرحلة.

ودفعت تمنها من حساب محدش يعرف عنه حاجة.

لأن ابني طول عمره فاكر إني ما بعرفش أتعامل مع البنك.

وإن أي فلوس عندي لازم أسأله الأول أعمل بيها إيه.

ما قلتش لحد.

حتى أقرب واحدة ليا.

كنت خايفة لو اتكلمت…

حد يقنعني أتراجع.

لكن دلوقتي؟

ما بقيتش خايفة.

الساعة أربعة الفجر، صحيت.

لبست فستان بسيط كنت بحبه.

لبست حلق اللولي اللي جوزي كان دايمًا يقول لي:

— بتلبسيه رايحة فين يعني؟

النهارده كنت عارفة أنا رايحة فين.

عملت لنفسي فنجان قهوة.

شربته على مهلي.

حطيت للحيوانات أكل ومية يكفوهم ساعات.

وبعدين سيبت المفاتيح فوق السفرة.

وجنبها ورقة صغيرة.

ما كتبتش فيها:

“سامحوني”.

ولا:

“هتوحشوني”.

كتبت بس:

“كل واحد عنده حياته ومشاغله…

وأنا كمان.”

قفلت الباب ورايا.

نزلت بالشنطة الوحيدة اللي جهزتها من شهور.

ولأول مرة من أربعين سنة…

خرجت من بيتي من غير ما أقول لحد أنا رايحة فين.

بعد ساعات، كنت واقفة على سطح السفينة.

الهواء بيب في وشي.

والبحر قدامي ملوش آخر.

موبايلي رن.

ابني.

رفضت المكالمة.

مراته.

رفضت.

وبعدين الرسائل بدأت.

“إنتِ فين؟”

“الكلاب قالبين البيت!”

“إحنا عندنا طيارة بعد ساعتين!”

“ردي علينا!”

ابتسمت وأنا ببص للبحر.

وبعد شوية، جالي اتصال جديد من ابني.

المرة دي رديت.

صوته ماكانش متعصب.

كان مرعوب.

قال:

— يا أمي…

سكت ثواني.

وبعدين سأل:

— إيه الورق اللي سايباه في أوضتك ده؟

ما رديتش.

سمعته بياخد نفسه بصعوبة.

— وإيه معنى إن البيت… مش باسمي أصلًا؟

ابتسمت.

وقلت له:

— ما إنت قلت يا خالد إن كل واحد عنده حياته ومشاغله…

وأنا قررت أخيرًا أشوف حياتي.

لكن خالد لسه ماكانش فهم إن البيت كان مجرد أول مفاجأة…

وإن أبوه، قبل ما يموت، كان سايب وراه سر لو ظهر…

هيغير شكل العيلة كلها.

الحكاية لم تنتهِ بعد..

الفصل الأول: البيت اللي مش باسمه

فضل خالد ساكت على التليفون ثواني، وبعدها صوته طلع أعلى:

— يعني إيه البيت مش باسمك؟!

ضحكت بهدوء وأنا واقفة قدام سور السفينة، والبحر ممتد قدامي.

— لأ يا خالد… السؤال الصح: إنت ليه كنت فاكر إنه باسمك؟

— يا أمي، أنا مش فاهم حاجة! فيه عقد في الدرج باسم ست اسمها نادية عبد الرحمن… وفيه ورق تاني بيقول إن البيت اتباع من سنتين!

قلت له:

— نادية عبد الرحمن دي أنا يا حبيبي.

سكت.

واضح إنه لأول مرة في حياته اكتشف إن أمه ليها اسم غير “يا أمي”.

قال بعصبية:

— طيب والبيت اتباع لمين؟

— هتعرف.

— إمتى؟

— لما تحتاج تعرف.

سمعت ريم من بعيد بتقول:

— هات الموبايل يا خالد، أنا أكلمها.

وبالفعل، صوتها جه بعدها مباشرة:

— طنط نادية، إحنا مش فاهمين حضرتك بتعملي إيه بصراحة.

كلمة “طنط نادية” ضحكتني.

بعد سنين من “يا ماما” وقت ما تحتاجني…

رجعت فجأة بقيت طنط.

قالت:

— حضرتك عارفة إن إحنا عندنا طيارة؟

— عارفة.

— والكلاب عند حضرتك!

— كانوا.

سكتت.

— يعني إيه كانوا؟

— أخوكي جه خدهم.

صرخت:

— أخويا؟! مين قال لحضرتك تكلميه؟

— أنا.

— بس ده مش من حق حضرتك!

ضحكت.

— مش من حقي أتصرف في بيتي؟

سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة أهدى:

— طب والقطة؟

— عند الدكتور البيطري.

— والبغبغان؟

بصيت للبحر وقلت:

— البغبغان عند واحدة صاحبتي… واضح إنه كان محتاج يغير جو هو كمان.

سمعت خالد بيقول لها:

— سيبيني أكلمها.

رجع صوته.

— يا أمي، الموضوع مش هزار. إنتِ فين؟

— في مكان حلو.

— فين يعني؟

— بعيد.

— طيب راجعة إمتى؟

بصيت ناحية الأفق.

— السنة الجاية تقريبًا.

الصمت اللي جه بعدها كان يستاهل تمن الرحلة كلها.

— سنة؟!

— أيوه.

— إنتِ ؟!

أول ما قالها، حسيت بحاجة جوايا كانت زمان هتوجعني.

لكن المرة دي ما وجعتنيش.

قلت له:

— لا يا خالد… يمكن أنا فوقت.

وقبل ما يقفل، افتكرت حاجة.

— على فكرة، ما تفتحش الظرف البني اللي في درج أبوك.

اتوتر فورًا.

— ظرف إيه؟

ابتسمت.

— ولا حاجة.

وقفلت.

كنت عارفة كويس إن أول حاجة هيعملها…

إنه يفتحه.

—

خالد جري ناحية أوضة أبوه.

ريم وراه.

فتحوا الدرج.

قلبوا الورق.

وفي الآخر لقوا الظرف.

مقفول، ومكتوب عليه بخط أبوه:

“إلى خالد… لا تفتحه إلا بعد سفر أمك.”

إيد خالد اترعشت.

ريم قالت:

— افتحه.

بصلها.

— يمكن بابا كان عارف.

— عارف إيه؟

— إن أمي هتمشي.

فتح الظرف.

طلع منه خطاب.

وأول سطر خلّى لون وشه يتغير.

«”يا خالد…

لو إنت بتقرأ الجواب ده، يبقى أمك أخيرًا عملت الحاجة اللي أنا ماقدرتش أعملها طول عمري…

اختارت نفسها.”»

خالد قعد على طرف

وكمل قراءة.

«”أنا عارف إنك فاكر إن أمك ست بسيطة، ملهاش في الفلوس ولا العقود.

والحقيقة إن ده غلط أنا ساعدت في زرعه جواك.

أمك كانت أذكى واحدة في البيت.

لكنها فضلت طول عمرها تسكت علشاننا.”»

خالد بلع ريقه.

ريم قربت منه.

— كمّل.

«”البيت اللي إنت مستنيه بعد موا مش بتاعك.

وأنا موافق على ده.”»

خالد وقف فجأة.

— إيه؟!

قلب الورقة بسرعة.

«”من سنتين، نقلنا ملكية البيت بالكامل.

والقرار كان قرار أمك.

وأنا مضيت وأنا بكامل إرادتي.”»

ريم خطفت الورقة منه.

— نقلوه لمين؟!

قلبت الصفحة.

لكن الاسم ماكانش موجود.

بدل الاسم…

كان فيه عنوان مكتب محامي.

وتحت العنوان جملة واحدة:

“لو عايز تعرف الحقيقة كاملة، روح للمحامي لوحدك… من غير مراتك.”

ريم بصت لخالد.

وخالد بص لها.

قالت بحدة:

— يعني إيه من غير مراتك؟

خالد ما ردش.

لكن للمرة الأولى…

الشك دخل بينهما.

—

أما أنا، فكنت قاعدة على السفينة قدام فنجان شاي.

قدامي ست تقريبًا في سني، كانت بتراقبني من شوية.

قالت وهي بتضحك:

— أول مرة تسافري لوحدك؟

قلت:

— أول مرة أعيش لوحدي.

ابتسامتها اختفت.

— فرق كبير.

— جدًا.

مدت إيدها.

— أنا سلوى.

— نادية.

قالت:

— هتفضلي السنة كلها؟

— ناوية.

— والعيال؟

ضحكت.

— كبار كفاية يشيلوا نفسهم.

قالت جملة خلتني أفتكر نفسي من سنين:

— ساعات إحنا اللي بنربيهم على إننا هنفضل موجودين طول العمر، وبعدين نزعل لما يصدقوا.

فضلت أبص لها.

كان عندها حق.

يمكن خالد ما اتولدش أناني.

يمكن أنا اللي كل مرة كان يرمي مسؤولية عليا وأشيلها…

علمته إن ده الطبيعي.

لكن التعليم خلص.

جالي تنبيه على الموبايل.

رسالة من رقم المحامي.

“أستاذة نادية، الأستاذ خالد اتصل بالمكتب وطلب مقابلة عاجلة.”

ابتسمت.

كتبت:

“خليه يشوف الجزء اللي اتفقنا عليه فقط.”

رد:

“والجزء الخاص بأخوه؟”

إيدي ثبتت فوق الشاشة.

بصيت للبحر فترة طويلة.

وبعدين كتبت:

“لسه.”

لأن خالد كان فاكر طول حياته إنه ابني الوحيد.

لكن الحقيقة…

إنه ماكانش.

—

الفصل الثاني: الاسم اللي أبوه خبّاه

تاني يوم الصبح، خالد دخل مكتب المحامي متوتر.

كان متوقع يلاقي راجل عجوز وسط ملفات وتراب.

لكنه لقى مكتب حديث، واستقبله محامي في الخمسينات.

— أستاذ خالد؟

— أيوه.

— اتفضل.

أول سؤال قاله خالد وهو قاعد:

— البيت بتاع أمي اتباع لمين؟

المحامي عدّل نظارته.

— ما اتباعش بالمعنى اللي حضرتك فاهمه.

— يعني إيه؟

فتح ملف.

— والدتك ووالدك أسسوا من سنتين وقف عائلي خاص.

خالد قرب.

— وقف؟

— البيت وأصول تانية اتحطت تحت إدارة قانونية محددة.

— أصول إيه تانية؟

المحامي بص له.

— حضرتك ما تعرفش؟

— أعرف إيه؟

طلع كشف.

حسابات.

محل قديم.

قطعة أرض.

وة صغيرة.

خالد فضل يبص للأرقام.

— الحاجات دي كانت عند أبويا؟

قال المحامي:

— جزء منها كان باسم والدتك أصلًا.

خالد رفع عينه بسرعة.

— أمي؟!

— والدتك ورثت من والدها من زمان، واستثمرت نصيبها على مدار سنين.

خالد ضحك بتوتر.

— أمي ما بتفهمش في الحاجات دي.

المحامي سكت.

الصمت نفسه كان إهانة.

خالد فهم.

قال:

— طيب مين المستفيد من الوقف؟

المحامي قلب صفحة.

— والدتك طول حياتها.

— وبعدها؟

— هنا الموضوع محتاج شرح.

— اتفضل.

المحامي طلع خطاب تاني.

— والدك طلب إن حضرتك تقرأ ده الأول.

فتح خالد الخطاب.

«”ابني خالد…

أنا ظلمت أمك أكتر مما إنت متخيل.

مش لأني ضربتها أو خنتها.

لكن لأني عشت طول عمري وأنا معتبر تضحيتها واجب.

لما كانت تتعب، أقول لها كل الستات بتتعب.

لما كانت نفسها تسافر، أقول لها بعدين.

لما كان عندها مشروع نفسها تبدأه، قلت لها البيت أولى.

وبعد أربعين سنة اكتشفت إن كلمة “بعدين” ممكن  عمر بني آدم كامل.”»

عين خالد ثبتت على الورقة.

«”قبل ما أموت، طلبت مني أمك طلب واحد.

قالت لي:

أنا مش عايزة ابني يورث بيت ويعتبرني كنت مستنياه أموت.

وافقت.”»

خالد خبط الورقة على المكتب.

— يعني ع؟!

المحامي قال بهدوء:

— محدش قال كده.

— أومال إيه؟!

— حضرتك لسه ما كملتش.

رجع يقرأ.

«”إنت مش محروم يا خالد.

ليك نصيب.

لكن نصيبك مش هتاخده لمجرد إنك ابني.

فيه شرط.”»

خالد قرأ السطر اللي بعده مرتين.

“لازم خالد يقضي سنة كاملة مسؤول عن نفسه وأسرته من غير ما يطلب خدمة واحدة من أمه.”

ضحك بعصبية.

— ده كلام يتكتب في عقد؟!

المحامي قال:

— الجزء المالي منه يتكتب.

— والجزء المالي إيه؟

المحامي أشار للسطر التالي.

“وفي نهاية السنة، القرار النهائي لنادية.”

خالد قام.

— يعني أمي هي اللي هتقرر آخد كام؟!

— تقريبًا.

— دي مهزلة.

المحامي قال:

— حضرتك تقدر ترفض.

وقف خالد عند الباب.

ثم المحامي قال:

— فيه حاجة تانية.

لف خالد.

— إيه؟

المحامي فتح درج المكتب وطلع صورة قديمة.

حطها قدامه.

صورة لأبوه وهو شاب.

واقف جنب ست مايعرفهاش.

وفي حضن الست…

طفل صغير.

خالد مسك الصورة.

— مين ده؟

المحامي قال:

— دي الحاجة اللي والدك طلب مني ما أتكلمش عنها إلا لو حضرتك سألت بنفسك.

خالد صرخ:

— أنا بسألك أهو!

المحامي رد:

— الطفل ده اسمه ياسين.

— ياسين مين؟

— أخوك.

خالد حس الكرسي وراه كأنه اختفى.

— أخويا؟!

— من والدك.

الصورة وقعت من إيده.

— مستحيل.

المحامي قال:

— فيه تحليل نسب قديم ضمن الملف.

خالد وشه احمر.

— وأمي تعرف؟

— من أول يوم تقريبًا.

هنا الصدمة كانت أكبر من وجود أخ.

إن أمه عرفت…

وسكتت.

أربعين سنة.

—

على السفينة، كنت ماشية جنب سلوى لما موبايلي رن.

خالد.

سيبته يرن.

رن تاني.

وثالث.

في الرابعة رديت.

ماقالش سلام.

قال:

— مين ياسين؟

وقفت.

البحر قدامي.

سنين كاملة رجعت في ثانية.

ليلة كان خالد عنده خمس سنين.

وجوزي رجع البيت ووشه أبيض.

قعد قدامي.

وقال:

— نادية… أنا عملت غلطة قبل جوازنا، ولسه عرفت إن ليها ابن.

يومها حسيت إن السقف وقع فوق راسي.

لكن الغلطة ما كانتش خة أثناء جوازنا.

كانت علاقة قديمة انتهت قبل ما أعرفه.

وأم الطفل ما قالتلوش غير بعد سنين.

قلت لخالد بهدوء:

— ياسين أخوك.

صوته انفجر:

— وإنتِ مخبية عليا كل ده؟!

— أبوك اللي طلب.

— وإنتِ وافقتي؟!

— علشان طفل مالوش ذنب.

— هو فين؟!

سكت.

— أمي… هو فين؟

قلت:

— قريب أكتر مما إنت متخيل.

وبعدين قفلت.

لأن السر الأخطر ماكانش إن ياسين موجود.

السر إن خالد…

كان قابله عشرات المرات.

—

الفصل الثالث: الراجل اللي كان قدامه طول الوقت

خالد رجع البيت وهو مش شايف قدامه.

ريم كانت مستنياه.

— عملت إيه؟

ما ردش.

— البيت لمين؟

رما الملف على السفرة.

— سيبيني لوحدي.

— خالد!

— قلت سيبيني!

أول مرة يعلي صوته عليها بالشكل ده.

فتحت الملف رغمًا عنه.

لكن خالد كان شايل الصورة في جيبه.

دخل أه وقفل الباب.

طلع الصورة.

فضل يبص للطفل.

ملامحه.

العينين.

شكل الفك.

فيه حاجة مألوفة.

رن على المحامي.

— اسم أمه بالكامل إيه؟

قاله.

خالد بحث على الإنترنت.

ما لقاش حاجة.

اتصل بأمه تاني.

ما ردتش.

بعت لها:

“أنا من حقي أعرف أخويا.”

الرسالة وصلتني وأنا بتعشى.

قريتها.

ما رديتش.

بعدها كتب:

“هو عارف إني موجود؟”

المرة دي رديت.

“أيوه.”

اتصل فورًا.

— يعرفني منين؟

قلت:

— قابلته قبل كده.

— إمتى؟!

— كتير.

سمعت نفسه يتغير.

— أمي، بلاش ألغاز.

قلت له:

— فاكر لما أبوك تعب من تلات سنين واضطرينا نغير الدكتور؟

— أيوه.

— فاكر الدكتور اللي جه البيت مرتين من غير ما ياخد فلوس؟

خالد سكت.

— الدكتور ياسين؟

— أيوه.

صوته اختفى.

— لا.

— هو.

— مستحيل.

— أبوك كان بيشوف ابنه.

— وأنا كنت بسلم عليه!

— أيوه.

— وإنتوا الاتنين سايبيني زي الأهبل!

هنا صوتي اتغير.

— ماتقولش أهبل يا خالد. إنت ماكنتش

— أومال كنت إيه؟!

— كنت ابن أب مش عارف يصلح غلط قديم، وأم حاولت تمنع الغلط ده إنه  بيتين.

سكت.

كملت:

— وياسين نفسه هو اللي رفض نقول لك.

— ليه؟

— لأنه ماكانش عايز منك حاجة.

— ميراث؟

ضحكت بحزن.

حتى دلوقتي أول حاجة جات في باله كانت الفلوس.

قلت:

— ياسين عنده حياته وشغله وفلوسه. ما استناش منك جنيه.

خالد قال بسرعة:

— يبقى ليه بابا كاتبه في الورق؟

قلبي وقف لحظة.

— مين قال لك إنه مكتوب؟

سكت.

أنا فهمت.

المحامي كان كشف حاجة زيادة.

قلت:

— خالد، إنت شفت إيه؟

— فيه بند باسم ياسين.

قفلت عيني.

كنت متفقة إن البند ده ما يطلعش دلوقتي.

قال:

— أمي… نص البيت رايح لياسين؟

قلت:

— لأ.

— أومال إيه؟

خدت نفس.

— أبوك سايب له حاجة تانية.

— إيه؟

قبل ما أرد، سمعت صوت وراه.

صوت ريم.

كانت فاتحة الباب من غير ما ياخد باله.

— خالد…

صوتها كان

— إنت عندك أخ؟

خالد لف.

وأنا سمعت كل حاجة.

قال لها:

— إنتِ كنتِ بتسمعي؟

ريم تجاهلت سؤاله.

— هو ليه نصيب في الميراث؟

خالد صرخ:

— دي أول حاجة فارقة معاكي؟!

— طبعًا تفرق! دي فلوس بنتنا!

قفل خالد المكالمة من غير ما يقصد.

فضلت ماسكة الموبايل.

لأول مرة حسيت إن ابني يمكن بدأ يشوف حاجة أنا شايفاها من سنين.

تاني يوم، كنت في أول محطة للرحلة.

نزلت مع مجموعة صغيرة.

مشينا في شوارع قديمة، دخلت محل صغير واشتريت لنفسي قبعة.

أول مرة أشتري حاجة من غير ما أفكر:

هل جوزي هيشوفها غالية؟

هل خالد هيقول ملهاش لازمة؟

هل حد محتاج الفلوس أكتر مني؟

بصيت لنفسي في المراية.

ست عندها تلاتة وستين سنة.

وشها عليه تعب سنين.

لكن عينيها…

كانوا جداد.

وصلتني رسالة.

مش من خالد.

من ياسين.

“ماما نادية، خالد عرف.”

ياسين كان بيناديني ماما نادية من يوم ما أمه ماتت.

ما كنتش أمه.

لكن يمكن كنت الحاجة الأقرب لأم بعد كده.

كتبت له:

“عرف.”

رد:

“أتكلم معاه؟”

فضلت فترة قبل ما أكتب.

“لو إنت مستعد.”

بعد دقيقة، بعت:

“أنا كنت مستعد من عشرين سنة.”

الجملة كسرت قلبي.

لأن فجأة افتكرت إن وأنا بحاول أحمي خالد…

يمكن ظلمت ياسين.

—

في البيت، كان خالد قاعد لوحده بعد خناقة كبيرة مع ريم.

موبايله رن.

رقم غريب.

رد.

— ألو؟

صوت راجل هادي قال:

— مساء الخير يا خالد.

— مين؟

سكت الراجل لحظة.

وبعدين قال:

— أنا ياسين.

خالد قام واقف.

— إنت…

— أخوك.

خالد ماعرفش يرد.

ياسين قال:

— عارف إن عن
دك أسئلة.

— عندي سؤال واحد.

— اتفضل.

— ليه سكت كل السنين دي؟

ياسين رد:

— لأن أبوك طلب مني.

— وأمي؟

— أمك كانت الوحيدة اللي قالت له الحقيقة لازم تظهر.

خالد اتفاجئ.

— إيه؟

— والدك هو اللي كان خايف.

— وأمي وافقت تسكت!

— علشان تحافظ عليك وإنت صغير. وبعد ما كبرت، كل مرة كانوا يقرروا يقولوا لك تحصل مشكلة.

خالد قال بمرارة:

— جميلة الحجة.

ياسين سكت، ثم قال:

— أنا مش بتصل علشان أقنعك تحبني.

— أومال ليه؟

— علشان أحذرك.

— من إيه؟

صوت ياسين بقى جاد.

— من الورق اللي مراتك بتدور عليه.

خالد اتجمد.

— ريم؟

— أيوه.

— إنت تعرف منين؟

قال ياسين:

— لأنها اتصلت بيا من نص ساعة.

خالد حس الدنيا بتلف.

— جابت رقمك منين؟

— مش مهم.

— قالت لك إيه؟

ياسين سكت ثواني.

ثم قال الجملة اللي قلبت كل حاجة:

— عرضت عليا فلوس…

علشان أتنازل عن حقي في وصية أبوك.

خالد  إيده.

— أي وصية؟

رد ياسين:

— الوصية اللي إنت لسه ما تعرفش أهم بند فيها.

والبند ده مش هيغير الميراث وبس…

ده هيكشف مين في العيلة كان مستني  أبوك من قبل ما يت فعلًا.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى