روايات وقصص

امي المريضه حكايات اسما السيد

أختي أجبرت أمي المريضة تنام في أرجوحة برّه البيت علشان حبيبها يبات عندها… وأنا خليتها تندم على اللي عملته طول عمرها. بعد ما أبويا توفى، أمي بقت بالكاد قادرة تمشي، لكنها كانت رافضة تسيب بيتها. أختي الصغيرة عرضت إنها تقعد معاها وتهتم بيها. وبما إني كنت بشتغل بعيد ومش قادر أكون موجود طول الوقت، كنت ببعت لأختي كل أسبوع ألف دولار علشان أكل أمي وأدويتها ومواعيد الدكاترة.

 

والبيت أصلًا ماكانش عليه أقساط، يعني المبلغ كان أكتر من كفاية.

كل يوم أحد كنت بتصل وأسأل:

— أمي بتاخد دواها في مواعيده؟

وأختي كانت دايمًا ترد وهي متضايقة:

— أيوه، كويسة… إنت بتقلق زيادة عن اللزوم.

وأمي كانت بتأكد كلامها.

لكن صوتها مع الوقت بقى هادي وغريب.

وفي مرة، قبل ما المكالمة تقفل، سمعت أختي بتقول لها بصوت واطي وحاد:

— إوعي تفتحي بوقك وتقوليله أي حاجة.

الجملة دي فضلت معلقة في دماغي.

ماكنتش قادر أنساها.

علشان كده، في الويك إند اللي بعده، سقت طول الليل وقررت أروح لهم من غير ما أقول لأي حد.

كنت عايز أفاجئ أمي.

وصلت مع أول ضوء الصبح.

وأول ما دخلت بالعربية، شوفت أرجوحة قديمة متعلقة تحت مظلة في الحوش ورا البيت.

وكان فيه شخص نايم جواها ومتكور على نفسه.

في البداية ما فهمتش مين.

لكن لما قربت وشوفت كويس…

قلبي وقع.

نزلت من العربية بسرعة وصرخت:

— أمي؟!

كانت أمي نايمة جوه الأرجوحة، جسمها متني بطريقة مؤلمة، ولسه لابسة هدوم النوم.

صوتي صحيها.

فتحت عينيها بخضة.

جريت عليها وقلت:

— يا أمي… إنتِ نمتي هنا طول الليل؟!

عينيها اتمَلَت دموع.

لكن بدل ما تشتكي، بصت ناحية البيت وقالت بخوف:

— وطي صوتك… أختك هتزعل.

وقفت مكاني.

افتكرت إني سمعت غلط.

قلت:

— أختي هتزعل؟ ليه؟ وإنتِ بتعملي إيه هنا أصلًا؟

أمي سكتت شوية.

وبعدين اعترفت بالحقيقة.

قالت إن كل مرة حبيب أختي ييجي يبات عندها، أختي بتجبرها تنام برّه في الأرجوحة.

ولما سألتها ليه، قالت وهي مكسوفة:

— بتقول إن الكحة بتاعتي بتضايقهم وبتبوظ عليهم سهرتهم.

حسيت الدم بيغلي في عروقي.

لكن الصدمة ما خلصتش.

أمي مدت إيدها وطلعتلي علبة دوا فاضية.

وحطتها في إيدي.

وقالت بصوت مكسور:

— الدوا خلص من فترة… وهي قالتلي إن الفلوس اللي إنت بتبعتها خلصت. وأنا اتكسفت أطلب منك فلوس زيادة.

بصيت للعلبة.

وبعدين بصيت لأمي.

أنا كنت ببعت ألف دولار كل أسبوع.

إزاي الفلوس خلصت؟

بعد ما بدأت أسأل أمي شوية أسئلة، الحقيقة بدأت تظهر.

أختي ما اكتفتش إنها تجبر أمنا المريضة تنام برّه البيت…

دي كمان كانت بتاخد الفلوس اللي ببعتها لرعاية أمي وتصرفها على نفسها.

وفي اللحظة اللي كنت داخل فيها البيت علشان أواجهها…

الباب اتفتح.

أختي خرجت وهي مبتسمة، وماسكة كوباية في إيدها.

وحبيبها واقف وراها.

أول ما شفتها، صرخت:

— إزاي قدرتي تعملي كده في أمك؟!

بصتلي ببرود ولفت عينيها وقالت:

— بلاش دراما بقى… شوية هوا نضيف كويسين ليها.

الجملة دي كانت كفاية.

ساعدت أمي تقوم من الأرجوحة، وخدتها لحد العربية.

ركبتها جوه، وقفلت الباب عليها.

وبعدين رجعت وقفت قدام أختي وحبيبها.

وقلت:

— لموا حاجتكم.

ضحكت أختي.

قلت:

— قدامكم ساعة واحدة… لما أرجع، مش عايز أشوفكم هنا.

ضحكت أكتر وقالت:

— وإنت فاكر إنك تقدر تطردني؟ البيت ده هيبقى بتاعي في يوم من الأيام. وبعدين أنا اللي وقفت جنب أبويا وأمي أكتر منك بكتير.

فضلت باصلها من غير ما أرد.

لأن في اللحظة دي بالذات…

بدأت خطة تتكون في دماغي.

خطة تخليها تعرف إن اللي عملته في أمنا مش هيعدي بسهولة.

ولأ…

أنا ما اتصلتش بالشرطة.

كان عندي حاجة تانية في دماغي.

حاجة أقسى بكتير بالنسبة لها…

وحاجة هتخليها تندم على اليوم اللي قررت فيه تعامل أمها بالطريقة دي.”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
الكاتبة أسما السيد – 𝐀𝐬𝐦𝐚 𝐄𝐥𝐒𝐚𝐲𝐞𝐝 @أبرز المعجبين

الفصل الثاني

بصيت لأختي وأنا واقف قدام باب البيت.

كانت لسه بتضحك.

حبيبها واقف وراها، لابس تيشيرت أبويا القديم.

أيوه.

تيشيرت أبويا.

اللي كان متعلق في الدولاب من يوم ما مات.

ساعتها حسيت إني ممكن أفقد أعصابي.

لكن الغريب…

إني هديت.

هديت جدًا.

وده خوّفها أكتر من لو كنت صرخت.

قلت:

— إنتِ قلتي البيت هيبقى بتاعك، صح؟

ردت بثقة:

— أيوه. ماما قالت كده من زمان. وبعدين أنا اللي قاعدة معاها.

بصيت ناحية العربية.

أمي كانت جوه، باصة من الشباك وخايفة.

رجعت بصيت لأختي وقلت:

— تمام. خليكي فاكرة الجملة دي كويس.

ركبت العربية.

وسبتهم.

أختي صرخت من ورايا:

— إنت رايح فين؟!

ما رديتش.

أول مكان رحتله كان المستشفى.

الدكتور كشف على أمي.

ضغطها كان عالي.

وكان عندها التهاب في صدرها، واحتاجت علاج جديد فورًا.

لما الدكتور شاف علبة الدوا الفاضية سألني:

— بقالها قد إيه من غير الدواء ده؟

بصيت لأمي.

سكتت.

قلت:

— مش عارف.

هو بصلي وقال بجدية:

— كان ممكن تحصل لها مضاعفات خطيرة جدًا.

الجملة دي كسرت آخر حاجة كانت مانعاني آخد قرار.

بعد ما خرجنا، خدت أمي على شقة فندقية صغيرة.

قلت لها:

— هتقعدي هنا يومين لحد ما أرتب كل حاجة.

قالت بخوف:

— وأختك؟

قلت:

— متقلقيش منها.

قالت:

— هي غلطت… بس دي أختك.

قعدت قدامها.

ومسكت إيدها.

قلت:

— وأنا ابنك. وإنتِ أمي. ومش هسمح لأي حد يأذيكي، حتى لو كانت أختي.

أمي بصتلي بعينين مليانين دموع.

وقالت:

— أنا كنت خايفة أخسركم من بعض.

قلت:

— هي اللي اختارت تخسرنا لما اختارت راحتها على حسابك.

بعدها خرجت.

بس ما رجعتش البيت.

روحت لمكتب محامي قديم كان يعرف أبويا.

الأستاذ سامح.

راجل كبير في السن، وأبويا كان واثق فيه جدًا.

حكيت له كل حاجة.

فضل ساكت شوية.

وبعدين سأل:

— البيت باسم مين؟

قلت:

— أمي.

فتح درج مكتبه.

طلع ملف.

وقال:

— مش بس باسم أمك.

بصيتله.

قال:

— أبوك قبل ما يتوفى عمل وصية.

اتجمدت.

— وصية؟

هز راسه.

— كان خايف يحصل خلاف بينكم بعد وفاته. وكتب إن البيت يفضل ملك لزوجته طول حياتها بالكامل. وبعد وفاتها يتقسم بينكم.

سكت ثانية.

وبعدين أضاف:

— إلا لو هي قررت تبيعه أو تهبه وهي عايشة.

قربت منه.

— يعني أختي مالهاش أي حق تعيش فيه دلوقتي من غير موافقة أمي؟

ابتسم ابتسامة صغيرة.

— بالضبط.

هنا…

بدأت الخطة تكمل في دماغي.

لكن الأستاذ سامح قال حاجة غيرت كل شيء.

قال:

— فيه حاجة تانية لازم تعرفها.

فتح ورقة من الملف.

— والدك كان عامل حساب بنكي مخصوص لرعاية والدتك بعد وفاته.

قلبي وقف.

قلت:

— حساب إيه؟

قال:

— حساب فيه مبلغ محترم. وكان المفروض يتصرف منه على علاجها واحتياجاتها.

قلت بسرعة:

— أنا عمري ما عرفت.

هز راسه.

— لأن الحساب كان تحت إدارة مشتركة بين والدتك…

وسكت.

قلت:

— ومين؟

بصلي مباشرة.

— أختك.

وقتها حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.

قلت:

— يعني الألف دولار اللي كنت ببعتها كل أسبوع…

قال:

— كانت زيادة فوق فلوس موجودة أصلًا.

سألته:

— نقدر نعرف الحساب اتصرف منه قد إيه؟

قال:

— لو والدتك وافقت، آه.

رجعت لأمي.

وحكيت لها.

أول ما سمعت عن الحساب، غطت وشها بإيديها.

وقالت:

— أنا كنت فاكرة إن أبوك ساب مبلغ بسيط بس.

قلت:

— وإنتِ مضيتي لأختي على حاجة؟

سكتت.

وبعد تردد قالت:

— كانت بتجيبلي ورق كتير وتقوللي دي إجراءات البنك والعلاج… وأنا كنت بمضي.

وقتها…

عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من أرجوحة.

الفصل الثالث

تاني يوم الصبح، كنا في البنك.

أنا.

وأمي.

والمحامي.

طلبنا كشف كامل للحساب.

وأول ما الموظف طبع الأوراق…

اتسمرت.

في أقل من سنة…

اتسحب من الحساب مبلغ ضخم.

مش بس علاج.

فيه تحويلات لمتاجر ملابس.

ومطاعم.

وحجوزات فنادق.

وأجهزة إلكترونية.

وحتى مقدم عربية.

بصيت للمحامي.

قال بهدوء:

— دي مش رعاية.

أمي كانت ماسكة الورق بإيد بتترعش.

وقالت:

— العربية الجديدة بتاعتها…

سكتت.

أنا فهمت.

حبيب أختي كان وصل من كام شهر بعربية جديدة.

أختي قالت وقتها إنه اشتراها بالتقسيط.

لكن الحقيقة…

واضحة قدامنا.

طلعت موبايلي.

فتحت التحويلات اللي كنت ببعتها لها.

كل أسبوع.

بانتظام.

قلت لأمي:

— يعني أنا كنت ببعتلك فلوس العلاج… وأبويا سايبلك فلوس علاج… وبرضه إنتِ من غير دوا؟

بدأت تعيط.

وقالت:

— أنا آسفة.

قلت فورًا:

— إنتِ مالكيش ذنب.

رجعت للمحامي وقلت:

— أعمل إيه عشان أمنعها تلمس جنيه تاني؟

قال:

— نوقف صلاحيتها على الحساب فورًا.

أمي هزت راسها.

— اعملوا كده.

وهنا حصل أول شيء في خطتي.

قفّلنا عليها باب الفلوس.

لكن لسه البيت.

بعدها بساعتين، أختي اتصلت بيا.

ما رديتش.

اتصلت تاني.

وبعدين بعتت:

“إنت عملت إيه في الحساب؟”

ابتسمت.

ما رديتش.

بعد خمس دقايق:

“رد عليا فورًا.”

وبعدين:

“أنا محتاجة أدفع التزامات.”

بعتلها جملة واحدة:

“أمي كمان كانت محتاجة دوا.”

اختفت نص ساعة.

وبعدين اتصلت.

رديت.

صرخت أول ما فتحت:

— إنت مالك أصلًا؟ الفلوس دي بيني وبين ماما!

قلت:

— غلط.

— يعني إيه غلط؟

— الفلوس دي بتاعة أمي. مش بتاعتك.

قالت بعصبية:

— وأنا اللي بخدمها!

ضحكت.

— بتخدميها بإيه؟ بالأرجوحة؟

سكتت.

قلت:

— ولا بالأدوية اللي ما بتشتريهاش؟

قالت:

— إنت بتصدق أي كلام منها؟

ساعتها…

سمعت أمي من جنبي تقول:

— هات التليفون.

ناولته لها.

أمي قالت بصوت هادي:

— أنا اللي قلتله.

أختي سكتت.

أمي كملت:

— وأنا اللي وافقت أقفل الحساب.

أختي صرخت:

— ماما! إنتِ بتعملي كده فيا أنا؟!

أمي قالت:

— لا يا بنتي. إنتِ اللي عملتي كده في نفسك.

وقفلت.

أنا بصيت لأمي.

كان وشها كله دموع.

لكن لأول مرة…

ماكانش فيه خوف.

الفصل الرابع

رجعت البيت بعد يومين.

لوحدي.

أختي كانت مستنياني.

حبيبها واقف جنبها.

شنطهم لسه مكانها.

قلت:

— أنا قلت قدامكم ساعة.

قالت:

— ومش هنمشي.

قلت:

— تمام.

طلعت ظرف من الشنطة.

وحطيته على الترابيزة.

قالت بسخرية:

— إيه ده؟

قلت:

— إخطار رسمي.

ابتسامتها اختفت.

فتحت الورقة.

قرتها.

وشها اتغير.

— ماما بتطردني؟

قلت:

— البيت ملكها.

صرخت:

— وأنا بنتها!

قلت:

— البنت اللي بتطلع أمها تنام برّه عشان حبيبها يبات جوه؟

حبيبها تدخل:

— بص يا أستاذ، أنت مكبر الموضوع.

لفيتله.

قلت:

— ما تتكلمش عن أمي.

قال:

— هي كانت موافقة.

قلت:

— ست كبيرة مريضة بتخاف من بنتها؟ دي مش موافقة.

أختي خبطت الورق على الترابيزة.

— أنا مش خارجة.

قلت:

— براحتك.

ابتسمت.

— بس من النهارده كل حاجة بقت رسمية.

قالت:

— بتهددني؟

قلت:

— لأ. ببلغك.

قبل ما أخرج، قلت آخر جملة:

— وعلى فكرة… العربية اللي برّه؟

اتجمد حبيبها.

أختي قالت:

— مالها؟

قلت:

— اتدفعت من حساب أمي، صح؟

وشهم قال كل حاجة.

قلت:

— المحامي شايف إنها لازم تدخل ضمن التحقيق المالي.

حبيبها لف بسرعة ناحيتها.

— إنتِ قولتيلي إن الفلوس بتاعتك!

صرخت فيه:

— اسكت!

لكن الكارثة كانت بدأت.

الفصل الخامس

في خلال أسبوع، حياة أختي اتقلبت.

العربية راحت.

الحساب اتقفل.

والبيت بقى مطلوب منها تسيبه رسمي.

وحبيبها؟

اختفى.

أول ما عرف إن مافيش فلوس جاية…

خد حاجته ومشي.

حتى ما استناش يومين.

لما أختي كلمته، قال لها:

— أنا مش ناقص مشاكل ومحاكم.

وقفل في وشها.

كانت أول مرة تحس بطعم إن حد يستغنى عنها بسهولة.

لكن أنا لسه ما كنتش خلصت.

أنا ماكنتش عايز أسيبها في الشارع.

ولا كنت عايز أدمر حياتها.

كنت عايزها تشوف بعينيها حجم اللي عملته.

أخدت أمي ورجعنا البيت بعد ما أختي خرجت.

أول ما دخلنا، أمي وقفت في الصالة.

بصت حوالين المكان.

وبعدين قالت:

— وحشني البيت.

قلت:

— البيت كان مستنيكي.

مشيت ببطء لحد أوضتها.

فتحت الدولاب.

ولقيت نص هدومها متشالة في كراتين.

سألت:

— مين عمل كده؟

قالت:

— أختك قالت كانت بتجهز المكان عشان تعمله غرفة ضيوف.

بصيت للسرير.

وعرفت السبب الحقيقي.

كانت ناوية تحوّل أوضة أمي لحبيبها.

وقتها…

أنا فعلًا حسيت إن كل اللي عملته قليل.

لكن أمي قالتلي:

— خلاص يا ابني. كفاية.

قلت:

— مش قبل ما حقك يرجع.

قالت:

— حقي رجع لما رجعت بيتي.

سكت.

وبعدين قالت جملة ما توقعتهاش:

— بس لازم أختك تتعلم.

قلت:

— وإنتِ عايزة تعملي إيه؟

قالت:

— أنا اللي هقرر.

بعد يومين، أمي طلبت تقابل أختي.

جات وهي وشها متغير.

من غير مكياج.

من غير غرور.

قعدت قدام أمي وقالت:

— عايزة إيه؟

أمي قالت:

— أنا عندي عرض ليكي.

أنا بصيت لأمي باستغراب.

قالت:

— الشقة الصغيرة اللي أبوكي كان مأجرها زمان فاضية.

أختي رفعت عينها.

أمي كملت:

— ممكن تقعدي فيها سنة.

أختي ابتدت تبتسم.

لكن أمي رفعت إيدها.

— بشروط.

ابتسامتها اختفت.

— إيه؟

قالت أمي:

— أول شرط: ترجعي كل جنيه أخدتيه من حسابي على أقساط.

— ماما!

— تاني شرط: تشتغلي.

— أنا…

— تالت شرط: مافيش حد يعيش معاكي.

سكتت أختي.

أمي كملت:

— رابع شرط: كل أسبوع تيجي معايا موعد العلاج.

بصت لها بصدمة.

قالت:

— يعني بعد اللي حصل عايزاني أخدمك؟

أمي ابتسمت بحزن.

— لأ. عايزاكي تشوفي بعينيكي أنا كنت محتاجة إيه وإنتِ كنتِ بتعملي إيه.

أختي بدأت تعيط.

وقالت:

— إنتِ بتعاقبيني.

أمي ردت:

— أنا بديكي فرصة.

الفصل السادس

عدت شهور.

وأختي اتغيرت.

مش في يوم وليلة.

ولا بسهولة.

في الأول كانت بتروح مع أمي وهي متضايقة.

كانت تستنى في العيادة وتبص في الساعة.

لكن مرة الدكتور شرح لها إن تأخير العلاج كان ممكن يعمل مشكلة خطيرة.

أختي سكتت.

وبعد ما خرجنا…

فضلت ساكتة طول الطريق.

في الأسبوع اللي بعده، كانت هي اللي جابت الدوا.

ومن فلوسها.

لأول مرة.

بعد شهرين، اشتغلت في مكتب صغير.

مرتبها ماكانش كبير.

لكن بدأت تسدد.

كل شهر كانت تحول جزء للحساب.

وفي يوم، دخلت البيت.

لقيت أمي قاعدة في الجنينة.

وأختي واقفة جنب الأرجوحة القديمة.

كانت باصة لها.

فضلت واقفة شوية.

وبعدين فجأة…

فكت الحبال.

شالت الأرجوحة كلها.

وأخدتها ناحية صندوق الزبالة.

أمي سألت:

— بتعملي إيه؟

أختي قالت وهي بتعيط:

— مش عايزة أشوفها تاني طول عمري.

أمي ما ردتش.

أختي قربت منها.

وقعدت على ركبتها قدامها.

وقالت:

— أنا آسفة يا ماما.

أمي بصت لها.

ماقالتش “مسامحاكي” على طول.

قالت:

— الاعتذار مش كلمة.

أختي هزت راسها.

— عارفة.

أمي قالت:

— الاعتذار إنك ماتعمليش كده تاني مع حد أضعف منك.

أختي بدأت تعيط أكتر.

ومسكت إيد أمي.

الفصل الأخير

بعد سنة تقريبًا…

كانت أمي أحسن.

مشيت بالعكاز، لكن صحتها استقرت.

والبيت رجع بيت.

كل يوم جمعة كنا نتجمع.

أنا.

أمي.

وأختي.

وأحيانًا، وأنا ببص لأختي وهي بتحط الدوا قدام أمي وتسألها:

— خدتي الجرعة؟

كنت بفتكر الصبح اللي وصلت فيه ولقيت أمي نايمة في الأرجوحة.

وأفتكر الغضب اللي حسيت بيه.

كنت وقتها فاكر إن الانتقام هو إني أخلي أختي تخسر كل حاجة.

لكن الحقيقة؟

أقسى حاجة بالنسبة لها…

ماكانتش إنها خسرت العربية.

ولا الفلوس.

ولا حبيبها.

ولا حتى البيت.

أقسى حاجة كانت إنها اضطرت كل أسبوع تقعد قدام أمها…

وتشوف بعينيها آثار الإهمال اللي هي سببته.

كانت تشوف الكحة.

والتعب.

وصعوبة المشي.

وتفتكر إنها في يوم قالت:

“شوية هوا نضيف كويسين ليها.”

في يوم، وأنا خارج من عند أمي، أختي وقفتني.

قالت:

— ممكن أسألك سؤال؟

قلت:

— اسألي.

قالت:

— لو ماما ماكنتش ادتني الفرصة دي… كنت هتسامحني؟

فكرت شوية.

وقلت:

— مش عارف.

سكتت.

قلت:

— بس يمكن ربنا إدالك فرصة تتوبي قبل ما تندمي في وقت ما ينفعش فيه الندم.

نزلت عينها للأرض.

وقالت:

— أنا كل ليلة بفتكر شكلها في الأرجوحة.

قلت:

— كويس.

رفعت عينيها باستغراب.

قلت:

— افتكريه.

وبعدين كملت:

— مش عشان تعذبي نفسك… عشان عمرك ما تعملي كده في إنسان تاني.

خرجت.

وقبل ما أقفل الباب، سمعت أمي بتنادي عليها:

— يا بنتي، هاتيلي الشال.

أختي ردت بسرعة:

— حاضر يا ماما.

وقفت ثانية.

وابتسمت.

لأن في النهاية…

أنا ما خليتهاش تندم طول عمرها بسبب اللي خسرته.

أنا خليتها تندم طول عمرها…

عشان ما تنساش أبدًا قيمة الأم اللي كانت مستعدة تخسرها.

تمت.

 الكاتبة أسما السيد – 𝐀𝐬𝐦𝐚 𝐄𝐥𝐒𝐚𝐲𝐞𝐝
ممنوع النسخ أو إعادة النشر بدون إذن.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى