روايات وقصص

حوش عيسى حكايات اسما السيد 4

فضلت واقف قدام باب العمليات وأنا حاسس إن الساعة واقفة.

كل دقيقة كانت  كأنها سنة.

نسيت المصنع.

نسيت الفلاشة.

نسيت أمي وداليا وجوزها.

ماكنش في دماغي غير سارة وابني.

بعد حوالي ساعة، باب العمليات اتفتح.

جريت ناحية الدكتورة.

— سارة؟!

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:

— الحمد لله، هي مستقرة.

نفسي رجع.

— والطفل؟

— ولد… محتاج متابعة لأنه اتولد بدري، لكن حالته مستقرة.

حطيت إيدي على وشي وعيطت.

ماكنتش فاكر آخر مرة عيطت فيها إمتى.

دخلت لسارة بعد ما فاقت.

كانت مرهقة جدًا، لكن أول ما شافتني قالت:

— شوفت ابنك؟

ضحكت وسط دموعي.

— شوفت صورته بس… صغير أوي.

ابتسمت.

— عنيد زي أبوه.

مسكت إيدها وبوستها.

— كفاية أسرار يا سارة.

بصتلي.

— خلاص… النهارده كل حاجة هتخلص.

افتكرت كلامها قبل العمليات.

— الدرج اللي تحت مكتب أبويا… فيه إيه؟

قالت:

— الحاجة اللي أبوك خاف يحطها في الخزنة.

— إيه هي؟

— النسخة الأصلية من التسجيل… ومعاها مستندات تثبت كل التحويلات القديمة والجديدة.

اتصدمت.

— يعني الفلاشة اللي مع جوز داليا مش الوحيدة؟

— لأ.

غمضت عيني للحظة.

أبويا كان متوقع إن حد يوصل للخزنة.

وسارة كانت عارفة.

— طب ليه ماخدتيش الورق من زمان؟

— لأن أبوك حط شرط. مايتفتحش المكان السري إلا لو حصلت محاولة فعلية لبيع المصنع أو لو حياتي أو حياة الطفل اتعرضت للخطر.

قلت:

— وليه كل التعقيد ده؟

سارة سكتت شوية.

— لأنه كان عايز يدي أمك فرصة تتراجع.

الكلمة وجعتني.

حتى بعد كل اللي عملته، أبويا كان لسه بيحاول يستر عليها.

خرجت من المستشفى بعد ما اطمنت على سارة والطفل، والمستشار جه معايا للبيت.

دخلنا مكتب أبويا.

سحبت الأدراج كلها.

مفيش حاجة.

قلت:

— سارة قالت من تحت.

المستشار ركع وبص أسفل المكتب.

لقى قطعة خشب صغيرة مثبتة بمسمارين.

فكيناها.

وراها كان فيه تجويف صغير.

جواه ظرف أبيض وفلاشة ومفتاح.

وعلى الظرف مكتوب:

“إلى محمود… لما السكوت يبقى ظلم.”

إيدي اترعشت.

فتحت الظرف.

أول ورقة كانت رسالة من أبويا.

بدأت أقرا.

“يا ابني، لو وصلت للورق ده، يبقى أنا فشلت إني أصلح غلطتي وأنا عايش.”

كمل بيشرح إنه قبل سنين، المصنع دخل أزمة كبيرة.

وخوفًا على العمال وبيوتهم، استخدم ضمانات مالية بطريقة مخالفة من غير علم شريكه، والد سارة.

كان ناوي يصلح كل شيء خلال شهور.

لكن والد سارة توفى فجأة.

أبويا عاش سنين وهو شايل الذنب.

ولما كبرت سارة وعرفت، كان أول شيء عمله إنه اعترف لها.

وهي…

سامحته.

بل ساعدته قانونيًا في تصحيح الوضع.

لكن أمي اكتشفت القصة.

وبدل ما تساعده، فضلت ماسكة السر عليه.

كل مرة يمنعها من التصرف في فلوس المصنع، تهدده إنها تفضحه وتخلي سارة ترفع عليه قضية.

لكن اللي أمي ماعرفتوش…

إن سارة كانت عارفة الحقيقة أصلًا.

وإنها عمرها ما كانت ناوية تنتقم.

قلبت الصفحة.

وهنا لقيت الجملة اللي كسرتني:

“أنا نقلت ملكيتي لسارة مش علشان أحرمك يا محمود، لكن لأنها الشخص الوحيد اللي وثقت إنه مش هيبيع المصنع ولا يرمي العمال في الشارع. وبعد ولادة ابنكم، تتوزع الملكية قانونيًا بما يحميكم كلكم.”

المستشار قال:

— باقي المستندات كفاية لإيقاف أي بيع مشبوه والطعن في أي أوراق مزورة.

قلت:

— والتسجيل؟

شغلناه.

طلع صوت أبويا.

لكن المرة دي التسجيل كان كامل.

حكى كل حاجة.

التحويلات.

الابتزاز.

العقود.

وفي آخر دقايق، قال:

“نعمت… لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده، أنا سامحتك على اللي عملتيه فيا. لكن لو مدّيتي إيدك على سارة أو على حفيدي، محمود لازم مايسكتش.”

قفلت التسجيل.

وفي اللحظة دي سمعت صوت عند باب المكتب.

لفيت.

كانت أمي.

لوحدها.

وشها كان مرهق، وشعرها منكوش.

ماكنتش الست المتحكمة اللي أعرفها.

بصت للفلاشة.

— لقيتها.

قلت:

— آه.

— وسمعت؟

— كله.

نزلت عينيها.

سألتها:

— ليه يا أمي؟

سكتت.

— الفلوس كانت مستاهلة؟

قالت بصوت مكسور:

— أنا كنت خايفة.

— من إيه؟

— من إني أخسر كل حاجة.

ضحكت بمرارة.

— فحاولتي تاخدي حاجة مش بتاعتك؟

صرخت:

— أنا عشت عمري كله في البيت ده! وقفت جنب أبوك! المصنع ده كبر قدام عيني!

— وده يديكي الحق تسرقيه؟

سكتت.

قربت منها.

— والكوباية؟

رفعت عينيها بسرعة.

— والله ما كنت عايزة أقتلها.

الجملة وجعتني أكتر من أي اعتراف.

— يعني عملتي حاجة فعلًا؟

بدأت تعيط.

— كنت عايزاها تتعب بس… البيع كان لازم يتم قبل الولادة. جوز داليا قال إننا محتاجين يومين.

رجعت خطوة بعيد عنها.

لأول مرة في حياتي حسيت إني مش عارف الست اللي واقفة قدامي.

قلت:

— إنتِ عارفة إن سارة كانت بتدافع عنك؟

بصتلي باستغراب.

— عني؟

— كان عندها مستندات من شهور. لو كانت عايزة تنتقم، كانت تقدر تتحرك من زمان. لكنها استنت أبويا زي ما طلب منها.

أمي قعدت على الكرسي.

— وأنا كنت بقول عليها طماعة.

— وهي كانت بتحمي اسم أبويا… وبيتنا… وحتى إنتِ.

دخل المستشار وقال:

— محمود، الجهات المختصة هتتعامل مع الوقائع حسب الأدلة والتقارير. وداليا تواصلت معايا.

بصيتله.

— قالت إيه؟

— مستعدة تسلم كل اللي عندها وتتعاون بخصوص العقود والتحويلات.

— وجوزها؟

— الورق اللي أخده مش هيغير حقيقة المستندات الأصلية اللي لقيناها.

أمي قامت.

— محمود…

بصيت لها.

— متقوليش سامحني دلوقتي.

دموعها نزلت.

— أنا أمك.

قلت:

— ودي كانت مراتي الحامل اللي رميتي عليها مية في عز البرد.

سكتت.

— وده كان حفيدك اللي اتعرض للخطر علشان صفقة.

ماعرفتش ترد.

قلت:

— الحساب مش عندي. كل حاجة هتمشي بالقانون. وأنا مش هكدب علشان أحمي حد.

خرجت من المكتب.

بعد أيام، سارة خرجت من المستشفى.

وابننا فضل فترة تحت المتابعة لحد ما الدكتور طمنا عليه.

يوم ما رجعنا البيت، وقفت سارة عند باب الحوش.

نفس المكان.

نفس حوض الغسيل.

بصت له وسكتت.

قلت:

— لو مش عايزة تدخلي البيت ده تاني، مش هندخله.

بصتلي وقالت:

— المشكلة عمرها ما كانت في البيت يا محمود… المشكلة في اللي سمحنا له يحصل جواه.

ماعرفتش أرد.

لأنها كانت عندها حق.

أنا ماكنتش مؤذي زي أمي.

لكن سكوتي كان بيدي الإهانة مساحة تكبر.

كل مرة كنت بقول لسارة “استحملي علشاني”، كنت بطلب من المظلوم يستحمل بدل ما أوقف الظلم.

مسكت إيدها.

— مش هطلب منك تستحملي تاني.

دخلنا.

بعد شهور، الأمور القانونية بدأت تستقر.

أي محاولة بيع اتوقفت، وحسابات المصنع بقت تحت مراجعة وإدارة قانونية واضحة.

وسارة رجعت تشتغل في المحاماة بالتدريج.

أما أنا، فضلت كهربائي زي ما أنا.

لما قلتلها إني ممكن أسيب شغلي وأدخل المصنع، ضحكت وقالت:

— ليه؟ إنت بتحب شغلك.

قلت:

— بس إحنا بقينا أصحاب مصنع.

قالت:

— الفلوس تغير حساب البنك… مش لازم تغير الإنسان.

الجملة فضلت معايا.

أما أمي، فالعلاقة بينا ما رجعتش زي الأول.

ماكنتش أمنع عنها حق ولا أسيبها محتاجة، لكن ماعدش فيه سكوت على غلط، ولا تحكم في بيتي، ولا إهانة لسارة.

وفي يوم، بعد شهور، جت تزور حفيدها.

وقفت عند الباب مترددة.

سارة هي اللي فتحته.

أمي بصت للطفل اللي في حضنها.

وبعدين قالت:

— ممكن أشيله؟

سارة سكتت شوية.

وبعدين قالت:

— قبل ما تشيليه… في حاجة لازم تتقال.

أمي نزلت عينيها.

— عارفة.

رفعت رأسها وبصت لسارة.

— أنا ظلمتك.

سارة ماقالتش “مسامحاكي”.

وما حضنتهاش.

قالت بهدوء:

— الاعتذار بداية… لكن الثقة بتتبني بالأفعال.

أمي هزت راسها.

وسارة سمحت لها تشوف الطفل وهي واقفة جنبها.

وأنا كنت بتفرج عليهم من بعيد.

وقتها فهمت إن النهاية السعيدة مش معناها إننا نمسح اللي حصل.

ولا إن كل واحد غلط نقوله “ولا يهمك”.

النهاية الحقيقية كانت إن كل واحد بقى مسؤول عن أفعاله.

وإن البيت اللي كان فيه سارة راكعة في عز البرد بتغسل الهدوم وهي بتترعش…

بقى بيت ماحدش فيه يقدر يهينها ويسكت.

وفي ليلة، وأنا شايل ابني، سألت سارة:

— على فكرة… أبويا كان عارف إنك هتقدري تعملي كل ده؟

ابتسمت.

— أبوك كان بيقول إن أقوى شخص مش اللي صوته أعلى.

— أمال مين؟

بصتلي وقالت:

— اللي يقدر يستنى لحد ما الحقيقة يبقى عندها صوت.

بصيت لابني وهو نايم.

وفهمت أخيرًا.

يوم ما دخلت الحوش وشوفت سارة مبلولة وبتترعش، افتكرت إني لازم أجري أنقذ مراتي.

لكن الحقيقة؟

سارة كانت من شهور بتحضر علشان تنقذ بيت كامل من كذبة عمرها سنين.

وأنا كان دوري أتعلم حاجة واحدة:

إن السكوت عن الظلم مش حفاظ على العيلة… ساعات السكوت هو أول حاجة .

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى