روايات وقصص

غدر الاحبه اسما السيد

دخل رجل أعمال معروف وهو يحمل زوجته بين ذراعيه. كانت فاقدة للوعي، وجسدها ساكنًا، ورأسها مائلًا إلى أحد الجانبين.

صرخ وهو يلتقط أنفاسه بطريقة بدت مبالغًا فيها:

— لقد  من على الدرج! أنقذوها بسرعة!

كانت الطبيبة قد انتهت للتو من حالة طاة، لكنها توقفت بمجرد أن رأت جسد المرأة.

لم تكن هذه أول مرة ترى فيها إصابات يُقال إنها حدثت داخل المنزل، لكن تلك العلامات تحديدًا كانت تحكي قصة مختلفة.

صرخت في طاقم التمريض:

— إلى  الإصابات فورًا!

وبينما كان الممرضون ينقلون المرأة، بدأت الطبيبة تلاحظ التفاصيل.

معصم ملتوي بطريقة غير طبيعية، آثار  دائرية على ذراعها، كدات بألوان مختلفة تدل على أنها حدثت في أوقات متفرقة، وتورم واضح في أحد جانبي جسدها.

وكان هناك شيء أكثر إزعاجًا…

حتى وهي فاقدة للوعي، كان فكها مشدودًا، وكأنها خائفة من اللحظة التي ستفتح فيها عينيها من جديد.

في الخارج، كان الزوج يتحرك ذهابًا وإيابًا في الممر.

مرة يبدو متوترًا، ومرة غاضبًا، وبعدها يحاول أن يظهر وكأنه زوج خائف على زوجته.

وقال بإصرار:

— زوجتي كثيرة ا… دائمًا أقول لها أن تنتبه لنفسها.

نظرت إليه الطبيبة بهدوء دون أن تعلق.

لقد سمعت عبارات مشابهة أكثر مما تتمنى.

داخل الغرفة، فتحت الطبيبة الملف الطبي للمرأة.

وجدت زيارات عديدة لقسم ا خلال السنوات الماضية، وفي كل مرة كان هناك تفسير غير واضح لإصابتها.

لكن ملاحظة قديمة مكتوبة في الملف لفتت انتباهها:

«اشتباه في تعرض المريضة . المريضة تنكر. الزوج كان حاضرًا.»

شعرت الطبيبة بقلق شديد.

نظرت إلى ملابس المرأة الممزقة، ولاحظت شيئًا صغيرًا يخرج من الجيب الداخلي لملابسها.

سحبته بحذر.

كانت ورقة مطوية…

عليها آثار .

فتحتها.

كانت هناك أربع كلمات مكتوبة بيد مرتعشة:

«من فضلك… لا تثقي به.»

أخذت الطبيبة نفسًا عميقًا.

مثل هذه الرسائل لا تُكتب بالصدفة.

وفي تلك اللحظة، صدر أنين خافت من المرأة.

بدأت تستعيد وعيها ببطء، وتحرك أصابعها بصعوبة.

اقتربت الطبيبة منها لتفحص علاماتها الحيوية.

لكن عندما رفعت رأسها ونظرت ناحية زجاج ال، رأت شيئًا جعل جسدها يتوتر.

كان الزوج واقفًا في الخارج…

ينظر إلى زوجته من خلف الزجاج.

لا يرمش.

لا تظهر على وجهه أي مشاعر.

فقط يراقبها.

عندها فهمت الطبيبة.

وصول هذه المرأة إلى المستشفى لم يكن مجرد  #viral #trending عادي.

والأسوأ أن الرسالة قالت:

«لا تثقي به.»

لكنها لم تقل ماذا كانت المرأة تخفي عنه.

ولم تكن الورقة هي الشيء الوحيد…

فداخل بطانة ملابس المرأة، كانت هناك أشياء أخرى مخيطة ومخبأة بعناية…

يتبع

اقتربت الطبيبة من المرأة بسرعة، وخفضت صوتها حتى لا يسمع أحد خارج الغرفة.

— هل تسمعينني؟

تحركت عينا المرأة ببطء، ثم استقرتا على وجه الطبيبة.

لم تجب.

لكن الدموع بدأت تتجمع في عينيها.

أشارت الطبيبة للممرضة أن تغلق الستارة التي تفصل الغرفة عن الزجاج.

وفي اللحظة التي اختفى فيها الزوج عن نظرها، تغير وجه المرأة تمامًا.

ارتعشت شفتاها وهمست بصوت بالكاد يُسمع:

— هو هنا؟

قالت الطبيبة:

— نعم، لكنه لن يدخل الآن. أنتِ في أمان داخل الغرفة.

هزت المرأة رأسها بسرعة.

— لا… أنتِ مش فاهمة.

اقتربت الطبيبة أكثر.

— ما الذي لا أفهمه؟

نظرت المرأة حولها، وكأنها تخشى أن تكون الجدران نفسها تستمع.

ثم قالت:

— هو ماجاش بيا هنا علشان ينقذني.

توقفت الطبيبة لحظة.

— ماذا حدث؟

ابتلعت المرأة ريقها بصعوبة.

— أنا ماوقعتش من على السلم.

كان ذلك ما توقعته الطبيبة.

لكنها لم تقاطعها.

قالت المرأة:

— حاولت

ثم أغمضت عينيها،  دمعة على جانب وجهها.

— بقاله سنين بيضربني… وكل مرة كان يقول للناس إني وقعت، أو خبطت في باب، أو اتزحلقت في الحمام.

سألت الطبيبة:

— والزيارات القديمة للمستشفى؟

— كلها بسببه.

— لماذا كنتِ تنكرين؟

فتحت عينيها ونظرت إليها.

— لأنه كان واقف جنبي كل مرة.

ساد الصمت.

ثم قالت الطبيبة:

— والورقة؟

اتسعت عينا المرأة.

— لقيتيها؟

— نعم.

أغمضت المرأة عينيها للحظة وكأنها شعرت لأول مرة بقليل من الراحة.

لكن الطبيبة تذكرت الأمر الآخر.

الأشياء المخيطة داخل بطانة الملابس.

قالت:

— هناك شيء آخر وجدناه.

تجمد وجه المرأة.

— الشريط؟

— أي شريط؟

ارتعشت يدها.

— لازم تطلعوه قبل ما يعرف.

استدعت الطبيبة الممرضة، وطلبت منها إحضار الملابس في هدوء.

وبعد دقائق، عادت الممرضة.

قلبت الطبيبة البطانة الداخلية للمعطف الممزق.

كان هناك خيط رفيع تمت خياطته يدويًا.

فتحت الغرزة بحذر.

وسقط في يدها شيء صغير للغاية.

ذاكرة إلكترونية صغيرة.

وبجانبها مفتاح.

وصورة مطوية.

فتحت الطبيبة الصورة.

كانت صورة للمرأة أمام منزل كبير، تقف بجوار امرأة مسنّة.

وعلى ظهر الصورة كُتب:

«لو حصل لي حاجة، ابحثوا عنها.»

رفعت الطبيبة رأسها.

— من هذه؟

تغير وجه المرأة.

— أمه.

استغربت الطبيبة.

— والدته؟

هزت رأسها.

— الناس كلها فاكرة إنها ماتت من خمس سنين.

نظرت الطبيبة إليها في ذهول.

تابعت المرأة:

— لكنها عايشة.

وهنا بدأت الحكاية الحقيقية.

قالت إن زوجها لم يكن مجرد رجل أعمال معروف.

كان يملك شركات وعقارات وحسابات ضخمة، وكل شيء في حياته قائم على صورة مثالية صنعها أمام الناس.

الزوج المثالي.

رجل الأعمال الخيري.

 

الابن الذي فقد أمه وظل يتبرع سنويًا باسمها.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

والدته لم

بل ا.

وقبل سنوات، بعد خلاف كبير بينهما على ملكية بعض الشركات، نُقلت فجأة إلى مصحة خاصة خارج المدينة.

تم إخبار الجميع بأنها ماتت بعد مرض مفاجئ.

أما هي، زوجته، فاكتشفت الحقيقة بالصدفة.

سمعته ذات ليلة يتحدث في الهاتف.

قال:

— خليها مكانها… طول ما هي بعيدة، مفيش حد هيقدر يغير أي ورقة.

من يومها بدأت تبحث.

وحين وصلت إلى مكان والدته، وجدتها بالفعل على قيد الحياة.

كانت ضعيفة، مرهقة، لكنها واعية تمامًا.

والأخطر…

أنها أخبرتها أن ابنها استخدم توكيلًا قديمًا للاستيلاء على حصتها في الشركات.

بدأت الزوجة تجمع الأدلة في السر.

نسخًا من أوراق.

تسجيلات صوتية.

تحويلات مالية.

ورسائل بينها وبين محامٍ كانت تستشيره من دون علم زوجها.

كل ذلك كان محفوظًا داخل الذاكرة الصغيرة.

سألت الطبيبة:

— وهل عرف أنك تجمعين الأدلة؟

نظرت المرأة ناحية الباب.

— من يومين.

شهقت الممرضة.

قالت المرأة:

— لقى ورقة كنت كاتبة فيها اسم المحامي.

— وماذا فعل؟

بدأ نفسها يتسارع.

— قفل عليا البيت.

— والليلة؟

مسحت دموعها.

— لما خرج من المكتب، أخدت نسخة الذاكرة وخيطتها في هدومي. كنت ناوية أهرب.

— لكنه أمسك بك؟

أومأت.

— وصلت للسلم… ولحقني.

سكتت.

ثم همست:

— دفعني.

نظرت الطبيبة إلى إصاباتها.

— ثم أحضرك إلى المستشفى وقال إنك سقطت؟

— لأنه خاف أموت في البيت.

وقبل أن تكمل…

بدأ صوت طرق شديد على الباب.

— افتحوا الباب!

كان الزوج.

قال بصوت غاضب:

— أنا زوجها ومن حقي أشوفها!

رفعت الطبيبة رأسها.

نظرت للممرضة وقالت:

— اتصلي بأمن المستشفى الآن.

اقترب الزوج أكثر من الباب.

— دكتورة! أنا بكلمك!

لم تجبه.

لكن المرأة أمسكت يد الطبيبة فجأة.

— ما تسيبينيش لوحدي.

ضغطت الطبيبة على يدها.

— مش هسيبك.

وبعد دقائق، وصل أمن المستشفى.

وقف الزوج أمامهم، غاضبًا.

— إيه المهزلة دي؟ أنا عايز أدخل لمراتي!

خرجت الطبيبة إليه.

— المريضة طلبت عدم دخول أي شخص إليها.

ابتسم بسخرية.

— مراتي فاقدة الوعي.

قالت بهدوء:

— لم تعد فاقدة الوعي.

اختفت الابتسامة.

ثانية واحدة فقط.

لكن الطبيبة رأتها.

ذلك الخوف الصغير الذي مر في عينيه.

قال:

— أنا عايز أكلمها.

— لا.

— حضرتك عارفة أنا مين؟

— لا يهمني.

تقدم خطوة.

— واضح إن فيه سوء تفاهم.

قالت الطبيبة:

— ربما.

ثم أضافت:

— والجهات المختصة ستحدد ذلك.

تغير لون وجهه.

— جهات مختصة؟

وفي الداخل، كانت الممرضة قد اتصلت بالفعل بالشرطة بعد موافقة الزوجة.

بعد أقل من نصف ساعة، وصل ضابطان إلى المستشفى.

وفي البداية، حاول الرجل استخدام نفوذه.

اتصالات.

أسماء.

مبطنة.

لكن الأمر تغير بمجرد أن أخبرتهم الزوجة عن الذاكرة.

تم التحفظ عليها رسميًا.

وطُلب من الجميع عدم لمس محتواها حتى يتم فحصها بطريقة قانونية.

وقبل أن يغادر الضابط غرفة الزوجة، قالت له:

— فيه حاجة كمان.

أخرجت المفتاح الصغير.

— المفتاح ده لخزنة في مكتبه.

نظر إليها الضابط.

— ماذا يوجد فيها؟

قالت:

— النسخة الأصلية من أوراق والدته.

صمت الرجل الواقف في الخارج عندما سمع اسم أمه.

ولأول مرة منذ دخوله المستشفى…

بدأ يفقد السيطرة تمامًا.

صرخ:

— هي بتكدب!

التفت الجميع إليه.وو

— مراتي تعبانة نفسيًا! وأنا عندي تقارير تثبت ده!

نظرت الزوجة إليه من داخل الغرفة.

كانت لا تزال ضعيفة.

لكنها هذه المرة لم تخفض عينيها.

قالت بصوت واضح:

— التقارير اللي أنت دفعت علشان تتكتب؟

تجمد.

ثم أكملت:

— ولا الدكتور اللي كنت بتحوله فلوس كل شهر؟

ساد صمت ثقيل.

قال الضابط:

— الأفضل أن تتوقف عن الكلام إلى أن يحضر محاميك.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في المستشفى.

بعد ساعات، حصلت الشرطة على إذن بالتفتيش.

وعندما فتحوا الخزنة الموجودة خلف لوحة داخل مكتب الرجل…

وجدوا ملفات مالية.

توكيلات قديمة.

أختامًا.

وثائق ملكية.

وأوراقًا تخص والدته.

كان بينها تقرير رسمي صادر قبل خمس سنوات يثبت أنها كانت على قيد الحياة بعد التاريخ الذي أعلن فيه ابنها وفاتها بأشهر.

لكن المستند الذي قلب القضية بالكامل كان خطابًا كتبت عليه والدته بخط يدها:

«إذا ظهرت هذه الأوراق، فأنا لم أختفِ بإرادتي.»

تحولت القضية من بلاغ اعتداء داخل منزل…

إلى تحقيق ضخم.

تم الوصول إلى المصحة التي تحدثت عنها الزوجة.

وفعلًا…

وجدوا والدته هناك.

مسجلة باسم مختلف.

وعندما دخل الضابط غرفتها وسألها عن اسمها الحقيقي، بدأت تبكي.

وقالت أول جملة:

— أخيرًا حد عرف إني لسه عايشة.

وخلال الأيام التالية، انهارت الصورة التي ظل ابنها يبنيها سنوات.

ظهرت تحويلات مالية مشبوهة.

تغيرات في ملكية الشركات.

توقيعات تم التلاعب بها.

وشهادات من موظفين سابقين ظلوا صامتين خوفًا منه.

أما الزوجة…

فبقيت في المستشفى عدة أيام.

في اليوم الذي سمح لها الطبيب بالخروج، كانت الطبيبة نفسها واقفة عند باب غرفتها.

قالت لها:

— هل عندك مكان آمن تروحي له؟

ابتسمت المرأة لأول مرة.

ابتسامة صغيرة، لكنها حقيقية.

— آه.

— عند مين؟

نظرت ناحية الكرسي المتحرك القادم في الممر.

كانت امرأة مسنة تجلس عليه.

والدته.

توقفت أمامها.

مدت يدها نحو زوجة ابنها.

وقالت:

— المرة دي… إحنا الاتنين هنخرج.

انفجرت الزوجة في البكاء.

انحنت واحتضنتها.

أما الطبيبة فظلت تنظر إليهما بصمت.

وقبل أن تغادر المرأة المستشفى، التفتت للطبيبة وقالت:

— عارفة إيه أكتر حاجة كانت مخوفاني؟

— إيه؟

— إني أطلب النجدة… ومحدش يصدقني.

أجابت الطبيبة:

— عشان كده خبّيتي الورقة؟

هزت رأسها.

— كنت عارفة إني لو وصلت مستشفى، يمكن حد يشوفها.

سكتت لحظة ثم قالت:

— لكن حتى أنا ماكنتش متأكدة إني هوصل أصلًا.

مرت شهور.

وانتشرت القضية في كل مكان.

اختفت صور الرجل من الإعلانات والمناسبات، وحلت محلها أخبار التحقيقات والمحاكمات.

لكن بالنسبة للمرأة، لم يكن أكثر ما يهمها سقوط اسمه.

كان أهم شيء أنها استعادت حياتها.

استأجرت شقة صغيرة بعيدة عنه.

بدأت جلسات علاج نفسي.

وأصبحت تزور والدته باستمرار بعد خروجها من المكان الذي ظلت محتجزة فيه لسنوات.

وفي أحد الأيام…

دخلت المرأة المستشفى مرة أخرى.

رأتها الطبيبة في الممر فشعرت بالخوف.

— هل حصل شيء؟

ضحكت المرأة.

— لأ.

ومدت لها ظرفًا صغيرًا.

فتحته الطبيبة.

كانت الورقة القديمة نفسها.

«من فضلك… لا تثقي به.»

لكن تحت الكلمات الأربع، أضافت المرأة جملة جديدة بخط ثابت هذه المرة:

«شكرًا لأنك صدقتِني.»

نظرت الطبيبة إليها.

قالت المرأة:

— احتفظي بيها.

— لماذا؟

ابتسمت.

— علشان لو دخلت هنا يومًا واحدة زيي… وماقدرتش تتكلم…

تفتكري إن أحيانًا أصغر إشارة…

ممكن تكون كل اللي فاضل للإنسان علشان يطلب النجدة.

وضعت الطبيبة الورقة في درج مكتبها.

وبعد أن خرجت المرأة من الباب، بقيت تحدق فيها للحظات.

لأنها أدركت شيئًا لن تنساه بعدها أبدًا:

في تلك الليلة، لم تنقذها الأجهزة الطبية وحدها…

بل أنقذتها أربع كلمات كتبتها وهي لا تعرف أصلًا إن كان أحد سيقرأها:

«من فضلك… لا تثقي به.»

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى