روايات وقصص

خذلان حكايات اسما السيد 1

اتجوزت راجل أعمى لأني كنت فاكرة إنه عمره ما هيشوف الندوب اللي شوهت وشي… لكن ليلة فرحنا، قرب مني وهمس بسر خلّى كل حاجة جوايا تنهار. لما كان عندي عشرين سنة، حصل غاز في مطبخ بيتنا. في ثواني… النار حولت حياتي كلها لرماد. الحريق ما موتنيش. يمكن لو كان موتني، كان أرحم. لأنه سابني عايشة…

 

بس بندوب عميقة غطت جزء كبير من وشي ورقبتي وضهري.

ومن بعدها، الناس بطلت تبصلي كبنت.

بقوا يبصولي كأني مأساة ماشية على رجلين.

ومن اليوم ده…

اختفيت.

اختفيت من قدام المرايات.

بعدت عن التجمعات.

وقلت لنفسي إن الحب خلاص مبقاش مكتوب ليا.

محدش كان بيبصلي من غير ما أشوف الشفقة في عينيه…

أو الضيق على ملامحه.

فيه ناس كانت بتحاول تكون لطيفة زيادة عن اللزوم، والغريب إن ده كان بيوجعني أكتر.

وفيه ناس كانت تفضل باصة للندوب ثواني طويلة…

وبعدين تبعد عينيها بسرعة لما تاخد بالها إني شايفاها.

وفي الحالتين، اتعلمت درس واحد:

الدنيا بتسامح حاجات كتير لو وشك جميل…

لكنها قاسية جدًا مع أي حاجة تفكرها بالألم.

علشان كده عملت لنفسي حياة صغيرة.

هادية.

مقفولة.

ومستخبية عن الناس.

لحد ما قابلت ياسين.

ياسين كان مدرس موسيقى أعمى.

وكان عنده أهدى صوت سمعته في حياتي.

أول مرة اتكلمنا، استنيت اللحظة اللي اتعودت عليها مع أي حد جديد…

لحظة الصمت الغريبة.

لحظة الإحراج.

لحظة إن الشخص اللي قدامي يحاول يقرر يقول إيه بعد ما يشوف وشي.

بس ياسين ماعملش أي حاجة من دي.

لأنه ببساطة…

ماكانش شايفني.

كان بيسمعني.

وبس.

ولأول مرة في حياتي حسيت إن ده كفاية.

كان يضحك على هزارى قبل حتى ما أكمل الجملة.

يفتكر تفاصيل صغيرة أنا نفسي كنت بنساها.

لو قلتله مرة إني بحب ريحة الياسمين، بعدها بأسابيع يفتكر.

لو صوتي اتغير وأنا بتكلم، يسألني:

— مالك يا سلمى؟ إنتِ زعلانة؟

كان يسمع حاجات الناس اللي عندها عيون عمرها ما شافتها.

وأول مرة مسك إيدي…

مسكها كأنها حاجة غالية.

مش كأنها جزء مشوه لازم يتحمله.

مع ياسين…

لأول مرة من سنين حسيت إني مرغوبة.

مش متفحوصة.

مش حد بيشفق عليا.

مش واحدة راجل رضي بيها وخلاص.

لأ…

حسيت إنه عايزني أنا.

فضلنا مرتبطين سنة كاملة.

وفي يوم، طلب مني الجواز.

طبعًا الناس قالت نفس الكلام اللي كنت عارفة إنهم هيقولوه.

واحدة من قرايبي قالتها في وشي:

— ما إنتِ أكيد وافقتي عليه علشان أعمى ومش هيشوف شكلك.

الكلمة وجعتني.

بس ابتسمت وقلت:

— أهون عليا أحب راجل شايف روحي… من إني أعيش مع راجل كل اللي شايفه جلدي.

واتجوزنا.

الفرح كان صغير وبسيط.

بس بالنسبالي كان أجمل يوم في حياتي.

طلبة ياسين اللي بيديهم موسيقى عزفوا لينا بنفسهم.

وأنا دخلت بفستان أبيض رقبته عالية ومقفولة، ومصمم بطريقة تخفي معظم الندوب اللي فضلت سنين بخبيها.

الغريب…

إني اليوم ده لأول مرة ماحسيتش إني محتاجة أستخبى.

كنت ماشية ناحيته وهو واقف مستنيني…

وحسيت إني أجمل واحدة في المكان.

مش علشان شكلي اتغير.

لكن علشان لأول مرة حد حبني من غير ما شكلي يدخل في الحسابات.

كنت بقول لنفسي:

— الراجل ده شايفني… من غير ما يكون محتاج يشوفني بعينيه.

وبعد ما الفرح خلص، رجعنا شقتنا الصغيرة.

أول ليلة لينا كزوج وزوجة.

كنت متوترة.

مش هكدب.

رغم كل الثقة اللي بناها جوايا طول السنة، كان لسه عندي خوف قديم.

خوف إنه لما يلمس الندوب…

يتغير إحساسه.

دخلنا الأوضة.

وكان المكان هادي جدًا.

ياسين قرب مني.

ومسك صوابعي الأول.

وبعدين رفع إيده ناحية وشي.

لمس خدي برفق.

بعدها مرر أطراف صوابعه على رقبتي.

وبعدين على دراعي.

كانت إيديه بتتحرك ببطء شديد…

كأنه بيحفظني.

غمضت عيني.

وأنا بحاول ماعيطش.

قرب مني وهمس:

— إنتِ أجمل بكتير من اللي كنت متخيله.

ساعتها دموعي نزلت.

ضحكت وأنا بعيط وقلت:

— وإنت أصلًا كنت متخيلني إزاي؟

ابتسم.

بس ابتسامته اختفت بسرعة.

وبعدين قال جملة…

خلت الدم يتجمد في عروقي.

— أنا كنت شوفت وشك قبل كده يا سلمى.

بعدت عنه فجأة.

وبصيتله وأنا مش فاهمة.

— إيه؟

ما ردش.

قلت بصوت أعلى:

— إنت قلت إيه؟

رفع وشه ناحيتي.

ولأول مرة…

حسيت إن عينيه مش مجرد عيون راجل أعمى بيحاول يحدد مكان صوتي.

كان مركز معايا بطريقة غريبة.

قلت وأنا قلبي بدأ يدق بسرعة:

— ياسين… إنت أعمى.

هز راسه بهدوء.

وقال:

— كنت أعمى.

حسيت الأرض بتتحرك من تحتي.

— يعني إيه كنت؟

أخد نفس طويل.

— من حوالي تلات شهور عملت عملية دقيقة في عيني في مستشفى متخصص في القاهرة.

فضلت باصة له ومش قادرة أرمش.

كمل:

— في الأول بدأت أشوف نور وظلال بس.

سكت لحظة.

— بعدها بدأت أشوف أشكال.

إيدي بدأت ترتعش.

وهو كمل:

— وبعد فترة… بدأت أشوف الوشوش.

رجعت خطوة لورا.

— إنت… بتشوفني؟

بص في عيني مباشرة.

المرة دي ماكانش فيه أي شك.

قال:

— أيوه.

رفعت إيدي ناحية وشي بشكل تلقائي علشان أغطي الندوب.

نفس الحركة اللي كنت بعملها زمان قدام أي حد.

قلت وأنا صوتي بيترعش:

— من إمتى؟

— بقالي فترة بشوف كويس.

— وأنت ساكت؟!

— أيوه.

— ليه؟!

صوتي علي لأول مرة.

— ليه مخبيت عني؟ ليه سيبتني أتجوزك وأنا فاكرة إنك مش شايفني؟!

قال بسرعة:

— سلمى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

ضحكت بوجع.

— أمال إيه؟!

— كنت خايف أقولك.

— خايف من إيه؟ مني؟ من شكلي؟

— لأ.

— أمال من إيه؟!

مسحت دموعي بعصبية.

— طول السنة دي كنت بقول لنفسي إنك الوحيد اللي عمرك ما هتبصلي زي الناس… وفي الآخر طلعت شايف كل حاجة وساكت!

قرب خطوة.

رجعت لورا.

— متقربش.

وقف مكانه.

قلت:

— إمتى شوفت وشي لأول مرة؟

سكت.

ودي كانت أول لحظة خفت فيها بجد.

قلت:

— ياسين… أنا بسألك. إمتى شوفتني؟

رد بهدوء:

— قبل العملية.

اتجمدت.

— إزاي؟

بلع ريقه.

وبصلي نظرة ماقدرتش أفهمها.

وقال:

— علشان فيه حاجة أنا ماقولتهالكِش من أول يوم عرفتك فيه.

قلبي كان هيطلع من صدري.

— حاجة إيه؟

رفع عينيه لوشي وقال:

— أنا ما قابلتكيش بالصدفة يا سلمى.

سكت ثانية.

وبعدين قال الجملة اللي هدت كل حاجة كنت مصدقاها عنه:

— أنا كنت أعرفك قبل الحريق أصلًا… وكنت موجود يوم ما حصل.

اتسمرت مكاني.

وبصيتله وأنا حاسة إن نفسي اتقطع.

— إنت… قلت إيه؟

قرب مني وهو بيقول:

— سلمى، اسمعيني للآخر…

صرخت:

— إنت كنت هناك؟!

لكن قبل ما يرد…

سمعت خبط على باب الشقة.

ثلاث خبطات متتالية.

ياسين وشه اتغير.

ولأول مرة من ساعة ما عرفته…

شوفت الخوف الحقيقي في عينيه.

همس:

— مستحيل…

بصيتله:

— مين؟

ما ردش.

الخبط اتكرر أقوى.

وفجأة صوت راجل جه من ورا الباب:

— افتح يا ياسين… كفاية كدب عليها. هي من حقها تعرف مين اللي تسبب في الحريق.

بصيت لياسين…

وشه كان أبيض زي الورق.

وساعتها فهمت إن سر إنه رجع يشوف…

ماكانش أخطر سر مخبيه عني.”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.
✍️ الكاتبة أسما السيد

تجمدت في مكاني.

لم أعد أفكر في عيني ياسين.

ولا في العملية.

ولا حتى في حقيقة أنه كان يراني طوال الشهور الماضية بينما تركني أعتقد أنه ما زال أعمى.

كل ما كنت أسمعه داخل رأسي هو الجملة القادمة من خلف الباب:

«هي من حقها تعرف مين اللي تسبب في الحريق.»

نظرت إلى ياسين.

كان واقفًا أمامي، لكنني شعرت فجأة أن الرجل الذي تزوجته منذ ساعات أصبح شخصًا غريبًا تمامًا.

قلت بصوت مرتجف:

— مين ده؟

لم يجب.

جاء الصوت من الخارج مرة أخرى:

— افتح يا ياسين.

اقترب ياسين من الباب.

أمسكت ذراعه.

— لو فتحت الباب قبل ما تقولي مين ده، أقسم بالله همشي من هنا ومش هتشوفني تاني.

توقف.

نظر إلى يدي الممسكة بذراعه، ثم إلى وجهي.

قال:

— اسمه كريم.

— كريم مين؟

— أخويا.

رمشت بذهول.

— أخوك؟

طوال سنة كاملة من ، لم يخبرني ياسين أن لديه أخًا.

قال لي إن والديه ماتا منذ سنوات، وإن ببقية عائلته شبه منقطعة.

قلت:

— وإيه أخوك بالحريق؟

أغمض عينيه.

في اللحظة نفسها، جاء صوت كريم:

— قولي لها يا ياسين! ولا أقول أنا؟

فتح ياسين الباب.

دخل رجل في أواخر الثلاثينيات.

كان شعره مبعثرًا وأنفاسه متسارعة، وكأنه جاء إلى هنا راكضًا.

لكن بمجرد أن رآني…

توقف.

حدق في وجهي.

تلك النظرة.

كنت أعرفها.

النظرة التي كرهتها طوال سنوات.

لكن هذه المرة لم تكن شفقة.

كانت ذنبًا.

قال بصوت خافت:

— سلمى.

سألته:

— إنت تعرفني؟

لم يجب.

صرخت:

— إنت تعرفني منين؟!

قال ياسين:

— كريم، امشي.

ضحك كريم بمرارة.

— تمشي فين الحقيقة يا ياسين؟ ليلة فرحك؟ بعد ما فضلت سنة كاملة تكدب عليها؟

ثم نظر إليّ.

— اسأليه كان بيعمل إيه في بيتكم يوم الحريق.

التفت إلى ياسين.

— كنت بتعمل إيه؟

جلس ياسين على حافة الكرسي.

وبدا فجأة منهكًا.

قال:

— كنت عندكم.

— عارفة إنك كنت عندنا. ليه؟

رفع رأسه.

— كنت جاي أقابل أخوكي.

توقفت.

أخي؟

أخي الأكبر، حسام، الذي مات في الحريق نفسه؟

قلت:

— إنت كنت تعرف حسام؟

أومأ.

— كنا أصحاب.

لم أعرف لماذا، لكن هذه الإجابة أخافتني أكثر.

لأن حسام لم يذكر يومًا شخصًا اسمه ياسين.

قلت:

— وبعدين؟

تدخل كريم:

— مش أصحاب وبس.

صرخ ياسين:

— كريم!

لكن كريم أكمل:

— كانوا شغالين مع بعض.

سألته:

— في إيه؟

ساد الصمت.

ثم قال كريم:

— أجهزة موسيقية.

نظرت إليه باستغراب.

قال:

— حسام كان بيصلح أجهزة صوت. وياسين كان بيشتغل موسيقى من وقتها. بدأوا يشتروا أجهزة مستعملة ويصلحوها ويبيعوها.

قلت:

— وإيه علاقة ده الغاز؟

هنا تغير وجه ياسين.

وقال:

— لأن …

وتوقف.

قلت:

— كمّل.

رفع عينيه إليّ.

— ماكانش غاز.

شعرت بأن قدمي لم تعودا تحملانني.

جلست.

— التحقيق قال إن أسطوانة الغاز سربت.

قال كريم:

— التحقيق قال كده لأن محدش عرف الحقيقة.

سألته:

— إيه الحقيقة؟

نظر كريم إلى أخيه.

ثم قال:

— كان فيه جهاز في مطبخ بيتكم ماكانش المفروض يكون هناك.

ياسين همس:

— بطارية.

— بطارية إيه؟

قال:

— بطارية كبيرة كنا بنستخدمها في نظام صوت متنقل. كانت تالفة، وحسام قال إنه هيتخلص منها.

بدأت الصور القديمة تعود إلى رأسي.

ذلك الصباح.

الصندوق الأسود بجوار باب المطبخ.

كنت قد رأيته.

لكنني لم أسأل عنه.

قلت:

— وبعدين؟

قال ياسين:

— أنا اللي جبتها البيت.

توقفت أنفاسي.

— إنت؟

— أيوه.

— ليه؟

— حسام كان هيصلح جزء فيها.

وقفت.

— يعني إنت السبب؟

— سلمى…

صرخت:

— إنت السبب في الحريق؟!

قال بسرعة:

— لأ! اسمعيني.

لكن كريم قال من خلفه:

— قولهالها كلها.

استدار ياسين نحوه .

— اخرس!

قال كريم:

— لسه بتحاول تحمي نفسك؟

ثم التفت إليّ.

— البطارية ما لوحدها.

حدقت فيه.

قال:

— حد عبث بيها.

نظرت إلى ياسين.

كان يبكي.

لأول مرة رأيته يبكي.

قلت:

— مين؟

لم يجب أحد.

صرخت:

— مين اللي عبث بيها؟!

قال كريم:

— أنا.

ساد الصمت.

لم أفهم.

— إنت؟

أومأ.

— كنت صغير ومتهور. كنت متخانق مع ياسين. هو كان ناوي يدخل حسام شريك معاه في مشروع، وأنا كنت شايف إن المشروع حقي أنا وأخويا.

قال ياسين:

— كريم، كفاية.

لكنني صرخت:

— سيبه يتكلم!

أكمل كريم:

— رحت بيتكم قبلها بيوم. فتحت البطارية وحاولت أعطلها. كنت عايز الجهاز يبوظ وبس.

بدأ صوته يرتجف.

— ماكنتش أعرف إنها ممكن تسخن بالشكل ده.

وضعت يدي على فمي.

قال:

— يوم الحريق، ياسين اكتشف اللي عملته.

نظرت إليه.

— وبعدها؟

هنا قال ياسين:

— حاولت أخرج البطارية من البيت.

— لكن؟

— قبل ما أوصل لها.

نظرت إلى عينيه.

إلى عيني الرجل الذي استعاد بصره.

وفجأة سألت السؤال الذي لم يخطر ببالي حتى تلك اللحظة:

— إنت فقدت نظرك إزاي؟

لم يجب.

لكن كريم أجاب بدلًا منه.

— في الحريق.

شعرت بأن الزمن توقف.

نظرت إلى ياسين.

— إنت فقدت نظرك… في حريق بيتنا؟

أومأ ببطء.

اقتربت منه دون أن أشعر.

— يعني لما النار كانت حواليا…

قال:

— أنا اللي طلعتك.

تراجعت.

صور مبعثرة في رأسي.

الدخان.

صوت شخص يصرخ باسمي.

ذراعان تحملانني.

ثم المستشفى.

كنت أعتقد طوال السنوات الماضية أن أحد رجال الإطفاء هو الذي أنقذني.

قال ياسين:

— رجعت جوه البيت لما عرفت إنك لسه فيه.

كانت النار وصلت للمطبخ.

وقع جزء مشتعل من السقف.

أصاب وجهه وعينيه.

لكنه حملني حتى الباب.

قال:

— آخر حاجة شفتها قبل ما الدنيا تضلم كانت وشك.

انهرت في البكاء.

لم أعرف ماذا أشعر.

هل أشكره لأنه أنقذني؟

أم أكرهه لأن أخاه تسبب في الحريق؟

أم أكرهه لأنه عرفني طوال الوقت ولم يخبرني؟

قلت:

— ليه ماقولتليش؟

قال:

— لما قابلتك تاني بعد سنين، عرفتك من اسمك وصوتك.

— وأنا ماعرفتكش.

— طبيعي. إنتِ شفتيني ثواني قبل الحريق، وأنا كنت مجرد صاحب لأخوكي.

قلت:

— ليه قربت مني؟

خفض رأسه.

— في البداية؟

سكت.

— بسبب الذنب.

شعرت وكأنه صفعني.

— الذنب؟

— كنت عايز أعرف إنك بخير.

ضحكت وسط دموعي.

— وبعد كده؟

رفع رأسه.

— حبيتك.

قلت:

— إزاي أصدقك؟

— ماعنديش طريقة أخليكي تصدقيني.

ثم أضاف:

— لكن لما طلبت منك الجواز، ماكانش بسبب الذنب.

قلت:

— ومع ذلك فضلت مخبي.

— كنت خايف لو عرفتي إن الحريق مرتبط بعيلتي، كل حاجة بينا تنتهي.

— يبقى كنت عارف إن عندي الحق أقرر، وأخدت القرار مني.

لم يجد ردًا.

وكان صمته اعترافًا.

التفت إلى كريم.

— وليه جيت النهارده؟

قال:

— لأن ياسين اتصل بيا من أسبوع.

نظر ياسين إليه بصدمة.

أكمل كريم:

— قال لي إنه هيقولك الحقيقة بعد الفرح.

صرخت:

— بعد الفرح؟!

نظر إليّ ياسين.

— كنت جبان.

ضحكت بمرارة.

— لأ. كنت ذكي. استنيت لحد ما أبقى مراتك.

سكت.

ثم سألته:

— والعملية؟

قال:

— لما بدأت أشوف، أول شخص كنت عايز أشوفه كان إنتِ.

تجمدت.

أكمل:

— الدكتور قال إن الرؤية هترجع تدريجيًا. وفي يوم كنتِ عندي في البيت وخرجتي تجيبي حاجة من المطبخ…

توقف.

— شوفتك لأول مرة بوضوح.

رفعت يدي تلقائيًا إلى ندوب وجهي.

لكنه قال:

— ماتعمليش كده.

— أعمل إيه؟

— ماتغطيش وشك.

نزلت يدي ببطء.

اقترب خطوة، لكنه لم يلمسني.

قال:

— شوفت الندوب.

ابتلعت ريقي.

— وحسيت بإيه؟

قال دون تردد:

— إني ببص لوش الست اللي بحبها.

بدأت دموعي تنزل مرة أخرى.

لكنه أكمل:

— بس ده مايمسحش كدبي.

كانت تلك أول جملة صادقة شعرت أنه قالها منذ بدأت الليلة.

قلت:

— لأ. مايمسحوش.

خلعت خاتم الزواج.

تغير وجهه.

وضعت الخاتم فوق الطاولة.

قال:

— سلمى…

قلت:

— محتاجة أمشي.

— دي ليلة فرحنا.

نظرت إليه.

— ودي الليلة اللي اكتشفت فيها إن جوازي بدأ بحقيقة ناقصة.

أخذت حقيبتي.

وعندما وصلت إلى الباب، سمعت كريم يقول:

— فيه حاجة تانية.

أغمضت عيني.

لم أعد أحتمل أسرارًا أخرى.

لكنني استدرت.

كان كريم يخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.

قال:

— حسام ما ماتش بسبب .

شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.

قلت:

— أخويا مات في الحريق.

هز رأسه.

— لأ.

نظر ياسين إلى أخيه وكأنه هو نفسه لا يعرف ما سيقوله.

قال كريم:

— حسام خرج من البيت حي.

همست:

— مستحيل.

أخرج من الظرف ورقة مطوية وصورة قديمة.

ووضعهما في يدي.

كانت الصورة ملتقطة أمام مستشفى.

وفي الخلف تاريخ.

بعد الحريق بيومين.

وفي الصورة…

كان أخي حسام.

واقفًا.

حيًا.

وبجانبه رجل لم أعرفه.

قلبت الصورة بيد ترتجف.

وعلى ظهرها كانت هناك جملة مكتوبة بخط أخي:

«لو سلمى عاشت… ما تقولولهاش إني عايش.»

رفعت عيني إلى كريم.

لم أستطع حتى أن أصرخ.

قلت:

— ليه أخويا كان عايزني أفتكره ميت؟

أجاب كريم:

— لأن الحريق ماكانش حادث زي ما أنا وياسين كنا فاكرين.

وأشار إلى الرجل الواقف بجانب حسام في الصورة.

ثم قال:

— الراجل ده هو السبب الحقيقي إن النار بدأت.

نظرت إلى الصورة مرة أخرى.

وفجأة شعرت أنني رأيت وجهه من قبل.

ليس في طفولتي.

ولا يوم الحريق.

بل مؤخرًا جدًا.

رفعت رأسي ببطء.

وقلت:

— أنا أعرف الراجل ده.

سأل ياسين:

— منين؟

شعرت بقلبي يهبط.

لأنني تذكرت أخيرًا.

كان الرجل نفسه الذي وقف في الصف الأول في فرحي قبل ساعات.

صافح ياسين.

ثم اقترب مني وابتسم وقال:

«مبروك يا سلمى… أخيرًا جه اليوم اللي كنت مستنيه.»

وقتها ظننت أنه واحد من معارف ياسين.

لكن الآن…

فهمت أن كلامه كان يعني شيئًا مختلفًا تمامًا.

نظرت إلى ياسين.

— الراجل ده كان في فرحنا.

تغير وجه كريم.

أما ياسين فقال بسرعة:

— مستحيل.

ناولته الصورة.

نظر إليها.

وتجمد.

قلت:

— تعرفه؟

رفع عينيه إليّ.

وللمرة الثانية في ليلة واحدة، رأيت الرعب الحقيقي في وجه زوجي.

قال:

— أيوه.

— مين؟

قبض على الصورة بين أصابعه.

ثم قال:

— ده الدكتور اللي عمل لي العملية ورجّع لي نظري.

ساد صمت ثقيل.

ثم جاء صوت من ممر العمارة.

صوت خطوات بطيئة توقفت أمام شقتنا.

رفعنا نحن الثلاثة رؤوسنا ناحية الباب.

ثم انزلق ظرف أبيض من تحته.

لم يتحرك أحد.

اقتربت منه.

فتحته.

وفي داخله كانت صورة لياسين وأنا واقفان في حفل الزفاف قبل ساعات.

وعلى ظهرها جملة واحدة:

«كان المفروض تفضلي فاكرة إن أخوكي مات… وكان المفروض ياسين يفضل أعمى.»

وتحتها:

«دلوقتي لازم تعرفوا ليه.»

يتبع…

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى