روايات وقصص

في عزاء التوام حكايات اسما السيد 3

ضحكت. مش ضحكة فرح. ضحكة حد عقله رفض يستوعب اللي سمعه. — إنتِ بتقولي إيه يا منى؟ منى كانت بتعيط. — ماما عايشة. قلت: — أنا حضرت جنازتها. — الجثمان كان مقفول. — علشان الحادثة! — ده اللي قالوه لنا. صرخت: — مين “هم”؟! منى بصت ناحية نوال. نوال نزلت عينيها. هنا فهمت إن المصيبة أقدم من جوازي نفسه.

 

قلت لنوال:

— إنتِ تعرفي؟

ما ردتش.

قربت منها.

— تعرفي إن أمي عايشة؟

قالت بصوت واطي:

— عرفت بعد جوازك من كريم.

رجعت خطوة.

— وأنا الوحيدة اللي ما أعرفش؟

منى قالت:

— أنا عرفت من سنتين بس.

قلت:

— فين هي؟

منى بصت لعماد.

— اسأليه.

عماد قال:

— مالكيش دعوة بيا.

الضابط قرب منه.

— بالعكس. دلوقتي لنا دعوة بكل حاجة.

منى قالت:

— عماد كان بيستخدمها كورقة ضغط.

قلت:

— بيستخدم أمي؟ ليه؟

منى ردت:

— لأن ماما تعرف الحقيقة من البداية.

— حقيقة إيه؟

حازم قال من آخر الغرفة:

— حقيقة إن أبوكي ماكانش أبوكي.

بصيتله.

— إيه؟

كريم قال:

— حازم، كفاية.

قلت:

— لأ. محدش هيسكت تاني.

بصيت لحازم.

— كمّل.

قال:

— والدتك كانت تشتغل زمان عند عيلة خالد وحازم.

نوال قالت:

— وكانت الوحيدة اللي شافت اللي حصل ليلة اختفاء حازم.

حازم ضحك بمرارة.

— اختفائي؟ أنا ما اختفيتش بمزاجي.

الضابط سأله:

— حصل إيه؟

حازم قال:

— اتخطفت.

الصمت رجع.

— مين خطفك؟

أشار لعماد.

— أبوه.

عماد قال:

— واحد ميت مش هيدافع عن نفسه.

حازم رد:

— وأنا عايش وهتكلم.

ثم بصلي.

— أمك شافتهم وهما بياخدوني.

قلت:

— وسكتت؟

نوال قالت:

— هددوها بأختك الصغيرة وقتها.

بصيت لمنى.

منى كانت بتعيط.

— أنا كنت رضيعة.

حازم كمل:

— وبعد سنين، أمك حاولت تتكلم. حصلت “الحادثة” بعدها مباشرة.

قلت:

— لكن هي ما ماتتش؟

منى قالت:

— عماد أخفاها.

سألته:

— فين أمي؟

عماد ابتسم.

— يمكن ماتت بجد المرة دي.

اندفعت ناحيته، لكن كريم مسكني.

صرخت:

— سيبني!

الضابط أمر:

— خدوه.

وهم بياخدوا عماد، وقف وقال:

— قبل ما تفرحوا… اسألوا منى ليه كانت بتحط الدوا في أكل التوأم.

اتجمدت.

بصيت لأختي.

— إيه؟

منى صرخت:

— كداب!

عماد قال:

— التحاليل هتقول.

بصيت للضابط.

قال:

— فعلًا… المادة دخلت جسم الأطفال على جرعات صغيرة خلال يومين.

رجلي ارتخت.

قلت لمنى:

— كنتي معاهم اليومين دول.

قالت:

— كنت بساعدك!

— كنتي بتحضري أكلهم.

— سلمى، والله ما أذيتهم.

— طب إيه اللي حطيتيه؟

منى انهارت.

— فيتامين.

صرخت:

— فيتامين إيه؟!

— عماد إداني نقط، وقال إنها مقوي مناعة للأطفال.

شهقت.

— وإنتِ حطيتي حاجة لأولادي من غير ما تقوليلي؟!

— كنت فاكرة إني بساعد.

— ليه هو يديكي مقوي مناعة لأولادي؟!

منى سكتت.

قلت:

— لأنه كان بيبتزك بأمي؟

هزت راسها وهي بتعيط.

— قال لو نفذت اللي بيقوله، هيخليني أشوفها.

حطيت إيدي على رأسي.

الحقيقة كانت أبشع من أي حاجة تخيلتها.

نوال حطت مهدئ.

منى حطت مادة قالت إنها فيتامين.

حازم دخل الأوضة.

هالة دخلت الأوضة.

عماد دخل البيت.

كريم خرج يقابل خالد.

وكل واحد فيهم لمس حياة ولادي في الليلة دي.

لكن مين  فعلًا؟

الضابط قال:

— لازم نراجع كاميرات البيت من يومين قبل الوفاة، مش الليلة بس.

قلت:

— الكاميرات القديمة اتحذفت.

كريم قال:

— لأ.

بصيتله.

— إيه؟

قال:

— عندي نسخة احتياطية.

صرخت:

— ولسه بتقول دلوقتي؟!

— كنت مخبيها لأن فيها حاجة كنت خايف تشوفيها.

قلت:

— بعد كل ده، لسه عندك حاجة تخاف إني أشوفها؟

طلع موبايله.

فتح ملف تخزين سحابي.

اختار يوم قبل وفاة التوأم بيومين.

ظهر المطبخ.

منى واقفة.

فتحت علبة صغيرة.

حطت نقط في طبق مهروس.

إيديها كانت بتترعش.

بعدها بدقايق خرجت.

لكن الفيديو استمر.

وبعد عشر دقايق…

دخل شخص تاني.

قرب من الطبق.

طلع من جيبه زجاجة صغيرة.

وأضاف نقط أخرى.

الزاوية ما كانتش واضحة.

لكن لما الشخص رفع إيده…

ظهر سوار فضي.

أنا أعرفه.

لأني أنا اللي اشتريته هدية عيد ميلاد.

همست:

— مستحيل.

كريم قال:

— تعرفيه؟

دموعي نزلت.

— ده سوار هالة.

كلنا بصينا ناحية هالة.

لكن مكانها كان فاضي.

هالة اختفت.

والباب الخلفي مفتوح.

الضابط صرخ:

— محدش يخرج!

رجال الشرطة جريوا.

بعد ثواني، واحد منهم رجع.

— هربت من الجنينة.

كريم بصلي.

— يبقى هالة…

قلت:

— لأ. أنا مش هصدق حاجة قبل ما أعرف كل الحقيقة.

وفجأة موبايل منى رن.

رسالة صوتية.

الرقم مجهول.

فتحتها.

صوت ست كبيرة.

مرعوش.

قال:

— منى… لو الرسالة وصلت، خدي سلمى وتعالوا للمكان اللي اتفقنا عليه.

أنا اتجمدت.

كنت أعرف الصوت.

رغم مرور عشرين سنة.

صوت أمي.

والرسالة كملت:

— بسرعة… قبل ما هالة توصل لي.

يتبع…

الفصل التاسع: أمي كانت مستنياني

ما استنيتش حد يقنعني.

قلت للضابط:

— هنروح.

قال:

— مفيش حد هيروح لوحده.

منى كانت بتبص للموبايل وهي منهارة.

— المكان مخزن قديم برا المدينة.

كريم قال:

— أنا جاي.

بصيتله.

— لأ.

— سلمى…

— أنت هتفضل مع ليلى.

نزل على ركبته جنبها.

ليلى بصتله بخوف.

أول مرة لاحظت إن الخوف في عينها خف شوية.

قال لها:

— بابا هنا.

بصيت للضابط.

— لو حصل لي حاجة…

قاطعني:

— مش هيحصل. فريق كامل جاي.

ركبت مع الشرطة ومنى.

طول الطريق ما نطقناش.

لحد ما وصلنا لمخزن قديم.

بابه حديد.

مقفول من بره بقفل، لكن القفل كان مكسور.

دخلنا.

ريحة المكان كانت خانقة.

وفي آخر ممر، لقينا أوضة صغيرة.

فيها سرير.

كرسي.

وترابيزة عليها أدوية.

وعلى السرير…

كانت ست كبيرة قاعدة.

شعرها أبيض.

وشها أضعف من الصورة اللي في دماغي.

لكن أنا عرفتها.

— ماما؟

رفعت رأسها.

أول ما شافتني، شهقت.

— سلمى…

جريت عليها.

حضنتها.

عشرين سنة بكاء خرجوا في دقيقة.

كنت بضرب على كتفها وأنا بعيط.

— إنتِ عايشة! ليه؟ ليه سيبتينا؟

قالت:

— ما سبتكوش.

منى حضنتنا.

أمي كانت بتعيط.

— كانوا حابسيني.

قلت:

— مين؟

قالت:

— الأول أبو عماد.

— وبعد ما مات؟

— عماد.

الضابط سألها:

— وهالة؟

أمي اتجمدت.

— هالة لقتني من سنة.

بصيت لها.

— وكانت بتساعدك؟

أمي قالت:

— في الأول.

قلبي اتقبض.

— وبعدين؟

— اكتشفت الحقيقة.

— حقيقة إيه؟

أمي بصتلي.

— إن هالة مش بنت نوال.

منى شهقت.

قلت:

— أمال بنت مين؟

أمي قالت:

— بنت حازم.

سكت المكان.

الضابط قال:

— حازم عنده بنت؟

— لما كان محبوس زمان، قدر يهرب فترة قصيرة. قابل واحدة واتجوزها سرًا. خلفت هالة، لكنها ماتت بعد الولادة.

قلت:

— ونوال خدت هالة وربتها؟

— أيوه. وخبت عن حازم إن بنته عايشة.

بدأت أفهم.

هالة كانت طول عمرها فاكرة نوال أمها.

وبعدين عرفت إن حازم أبوها.

قلت:

— ده يخليها تعمل إيه بولادي؟

أمي قالت:

— لأنها صدقت إن أولادك أخدوا منها حقها.

— أي حق؟

— الميراث.

أغمضت عيني.

تاني.

كل الطرق راجعة للفلوس.

أمي قالت:

— لما هالة عرفت إنها بنت حازم، عرفت إن ليها نصيب ضخم.

الضابط قال:

— لكن وجود أولاد كريم يقلل نصيبها؟

— بالضبط.

قلت:

— يعني هي اللي ؟

أمي دموعها نزلت.

— أنا مش عارفة.

صرخت:

— إزاي مش عارفة؟!

قالت:

— لأنها جتلي قبل موتهم بيوم.

— قالتلك إيه؟

— قالت إنها هتواجه نوال وكريم وتطالب بحقها.

— وبعدين؟

— كانت غضبانة جدًا.

سكتت.

— وقالت جملة خوفتني.

— إيه؟

أمي بصتلي.

— قالت: “بكرة كل واحد هياخد نصيبه الحقيقي.”

الضابط قال:

— هل قالت إنها هتأذي الأطفال؟

— لأ.

ثم أمي مدت إيدها تحت المرتبة.

طلعت موبايل صغير.

— لكن بعد موتهم… سجلت مكالمة.

فتحته.

شغلت تسجيل.

صوت هالة.

— إنت وعدتني إن الأطفال مش هيموتوا!

وصوت راجل رد:

— إحنا ما اتفقناش على التفاصيل.

صوت هالة:

— أنا حطيت الجرعة اللي قولتلي عليها بس!

الراجل:

— وأنا زودتها.

حسيت إني هقع.

الضابط سأل:

— تعرفي صوت الراجل؟

أمي هزت راسها.

— أيوه.

— مين؟

قالت:

— خالد.

اتجمدت.

قلت:

— خالد اللي قالوا إنه مات؟

أمي ردت:

— هو ما ماتش.

الضابط قال:

— عندنا شهادة وفاة.

أمي ابتسمت بمرارة.

— زي شهادة وفاتي؟

سكت الجميع.

ثم قالت:

— خالد هو اللي عمل اللعبة كلها.

قلت:

— ليه أحفاده؟

أمي بصتلي.

— لأن آدم وآسر مش أحفاده.

حسيت الدنيا بتلف من جديد.

— إيه؟

قالت:

— كريم مش ابن خالد.

سكتت لحظة.

— كريم ابن حازم.

والصدمة نزلت على الكل.

أمي كملت:

— نوال بدلت الطفلين من أكتر من تلاتين سنة.

قلت:

— يعني إيه بدلتهم؟

— خالد كان عنده ابن رضيع.

وحازم كان عنده ابن رضيع.

— كريم؟

— أيوه.

— ونوال بدلت بينهم؟

أمي هزت راسها.

— علشان تضمن إن الوريث اللي تقدر تتحكم فيه يفضل معاها.

قلت:

— يبقى خالد كان  أولاد أخوه؟

أمي قالت:

— لأنه اكتشف إن كريم مش ابنه.

الضابط سأل:

— إمتى؟

— من شهور.

فهمت أخيرًا.

ظهور خالد.

توتر كريم.

التحاليل.

الميراث.

كلها بدأت في نفس الوقت.

لكن أمي شدت إيدي.

— بس فيه حاجة أهم.

قلت:

— إيه؟

— خالد كان ناوي ليلى كمان.

دموعي نزلت.

— ليه؟

أمي قالت:

— لأنه كان فاكر إنها بنت كريم.

سكتت.

— لكنه اكتشف قبل ساعات إنها مش بنته.

رجعت نفس الجملة.

قلت:

— ليلى بنت كريم. كل ده تزوير.

أمي هزت راسها.

— لأ يا سلمى.

قلبي وقف.

— إنتِ بتقولي إيه؟

قالت:

— التحليل المزور كان بيخبي حقيقة تانية.

— إيه؟

أمي بصت في عيني.

— ليلى فعلًا مش بنت كريم.

قلت بصوت بالكاد طالع:

— بنت مين؟

أمي ردت:

— بنت الراجل اللي أنقذك ليلة الحادثة من خمس سنين.

سكتت.

— الراجل اللي إنتِ فاكرة إنه مات بعدها.

شهقت.

لأن الاسم ظهر في دماغي فورًا.

راجل ما نطقتش اسمه من سنين.

يوسف.

وفي اللحظة نفسها…

سمعنا تصفيق بطيء من باب المخزن.

لفينا.

راجل واقف هناك.

شعره طويل شوية.

ملامحه متعبة.

لكن أنا عرفته.

الموتى ما بيرجعوش.

لكن يوسف كان واقف قدامي.

وقال:

— أخيرًا عرفتي يا سلمى.

يتبع…

وقفت أبص ليوسف، ومخي رافض يستوعب إن الراجل اللي افتكرته مات من خمس سنين واقف قدامي بلحمه ودمه.

قلت بصوت مخنوق:

— إنت… عايش؟

يوسف ما اتحركش.

بصلي بنظرة فيها تعب سنين.

— أيوه.

قربت منه خطوة.

وبعدين وقفت.

كل حاجة جوايا كانت عايزة أجري عليه وأسأله ألف سؤال.

لكن كان فيه سؤال واحد أهم من كل حاجة.

بصيت لأمي.

— إنتِ قلتي إن ليلى بنته.

يوسف بسرعة قال:

— لأ.

لفيتله.

— إيه؟

قال:

— ليلى بنت كريم.

أمي بصتله بصدمة.

— يوسف…

قاطعها:

— كفاية أسرار.

وبعدين بصلي.

— التحليل اللي معاكي مزور، زي ما اتقال. لكن ليلى بنت كريم فعلًا.

حسيت إني بتنفس لأول مرة من ساعات.

قلت لأمي:

— أمال ليه قولتيلي كده؟

أمي بدأت تعيط.

— لأن دي كانت آخر كذبة خالد أجبرني أحفظها.

الضابط سأل:

— خالد كان عايز الجميع يصدق إن الطفلة مش بنت كريم؟

يوسف هز راسه.

— علشان يخرجها من سلسلة الورثة.

قلت:

— وإنت دخلت في الموضوع إزاي؟

يوسف بصلي.

— فاكرة الحادثة من خمس سنين؟

طبعًا فاكرة.

كنت راجعة لوحدي بالليل، والعربية اتقلبت.

يوسف كان أول واحد وصللي.

فضل معايا لحد ما الإسعاف جه.

وبعدها بأسبوع سمعت إنه مات في حادث.

قال:

— الحادث بتاعك ماكانش حادث.

اتجمدت.

— قصدك إيه؟

— حد كان قاصد يخوف كريم.

— مين؟

بص ناحية أمي.

— خالد.

قلت:

— من خمس سنين؟ يعني قبل ما يظهر لكريم؟

— هو عمره ما اختفى فعلًا. كان بيراقب العيلة كلها.

سأل الضابط:

— ويوسف ليه اختفى؟

يوسف رد:

— لأني شفت العربية اللي خبطت سلمى.

— وعرفت السواق؟

هز راسه.

— عماد.

عماد كان تحت الحراسة في الخارج.

صرخت:

— يعني عماد حاول ؟!

يوسف قال:

— خالد أمره يخوفك. عماد زودها من دماغه.

قلت:

— وبعدين؟

— لما عرفوا إني شفتهم، عملوا حادثة تانية ليا. لكني نجيت.

— وما رجعتليش ليه؟

صوته انكسر.

— لأنهم وصلولي رسالة فيها صورة ليلى وهي عندها شهور.

سكت.

— قالولي لو ظهرت… هي اللي هتدفع التمن.

ما قدرتش أتكلم.

يوسف كمل:

— فضلت بعيد. وبدأت أجمع دليل.

الضابط سأله:

— عندك دليل على خالد؟

يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة.

— عندي أكتر مما تتخيل.

طلع فلاشة صغيرة من جيبه.

— مكالمات. تحويلات مالية. ملفات المستشفى. أوامر باسم عماد. وحتى تسجيل لخالد وهو بيتكلم عن التخلص من التوأم.

قلبي وقف.

قلت:

— شغله.

الضابط قال:

— الأفضل يتفحص رسميًا.

صرخت:

— أنا عايزة أسمع!

يوسف بص للضابط.

الضابط سكت لحظة، وبعدين أشار له.

شغل يوسف ملف صوتي.

صوت خالد ظهر واضح.

— الطفلين دول لو فضلوا عايشين، حازم هيكسب كل حاجة عن طريق كريم.

صوت هالة رد:

— أنا قلتلك مش هأذي أطفال.

خالد:

— محدش طلب منك . حطي الجرعة وخلاص.

هالة:

— وإنت هتعمل إيه؟

خالد ضحك.

— الباقي عليّا.

حطيت إيدي على بوقي.

التسجيل كمل.

هالة:

— وليلى؟

خالد:

— بعدين.

هالة:

— لأ. البنت مالهاش دعوة.

خالد:

— كل واحد شاف أكتر من اللازم، له تمن.

قفلت التسجيل بنفسي.

ماقدرتش أسمع أكتر.

قلت:

— يبقى خالد هو اللي ؟

يوسف هز راسه.

— هو اللي خطط.

الضابط قال:

— لكن محتاجين نعرف مين نفذ الجرعة .

وفجأة أمي قالت:

— أنا عارفة.

بصينا لها.

قالت:

— مش هالة.

قلت:

— أمال مين؟

أمي ردت:

— خالد بنفسه.

يوسف قال:

— إزاي؟

أمي بصتله.

— الممر اللي في بيت سلمى.

افتكرت الحيطة اللي فتح منها حازم.

أمي قالت:

— البيت ده كان ملك العيلة من زمان. فيه ممرات قديمة واصلة بين المخزن والأوض الخلفية.

الضابط سأل:

— خالد دخل من الممر؟

— أيوه.

— وإنت عرفتي منين؟

أمي سكتت ثواني.

— لأني كنت معاه.

اتجمدت.

قلت:

— ماما؟

بدأت تعيط.

— غصب عني.

— كنتي في بيتي ليلة موت ولادي؟!

— أيوه.

رجلي ما شالتنيش.

قعدت.

— وشوفتيهم؟

أمي شهقت وهي بتعيط.

— شفت خالد وهو داخل أوضتهم.

صرخت:

— وما منعتيهوش؟!

— حاولت!

صوتها اتكسر.

— حبسني جوه الممر. كنت بسمع آدم بيعيط ومش قادرة أخرج.

حطيت إيدي على وداني.

لكنها كملت:

— وبعد دقائق، خالد رجع.

— عمل إيه؟

— قال: “خلصت.”

العالم كله اسود قدامي.

ولادي ما ماتوش بالصدفة.

ماكانش مرض.

ماكانش تقصير مني.

حد دخل عليهم وهما نايمين.

حد بص في وشهم.

واختار إنهم ما يصحوش تاني.

بدأت أعيط.

مش صراخ.

المرة دي دموعي نزلت بهدوء مرعب.

قلت:

— هو فين؟

يوسف قال:

— خالد؟

رفعت عيني.

— أيوه.

الصمت اللي حصل خلاني أفهم إنهم عارفين.

قلت:

— فين؟!

يوسف رد:

— قريب.

الضابط اتصل بسرعة بفريق تاني.

بعد أقل من عشر دقايق، عرفنا إن الإشارة اللي كانت بتطلع من موبايل خالد جاية من نفس المنطقة.

مخزن مهجور على بعد أقل من كيلومتر.

الشرطة تحركت.

قالولي أفضل.

رفضت.

قلت:

— أنا مش داخلة معاكم. بس مش همشي قبل ما أعرف إنه اتقبض عليه.

فضلت في العربية مع أمي ومنى.

بعد عشرين دقيقة…

رجع الضابط.

كان ماسك جهاز لاسلكي.

قلت:

— مسكتوه؟

بصلي.

— لقيناه.

قلبي دق.

— حي؟

— أيوه.

غمضت عيني.

كنت محتاجة أسمع دي.

مش لأنه يستحق يعيش.

لكن لأني ماكنتش عايزاه يهرب بالموت.

كنت عايزاه يتحاكم.

يتحط قدام كل دليل.

يسمع أسماء آدم وآسر في المحكمة.

ويعرف إنهم ماكانوش رقمين في وصية.

كانوا ولادي.

بعد يومين، النيابة واجهت خالد بالتسجيلات والتحاليل وكاميرات البيت.

في الأول أنكر.

وبعدين حاول يرمي كل حاجة على هالة.

لكن كاميرا صغيرة كانت مثبتة جوه الممر السري سجلته وهو داخل البيت ليلة الوفاة.

والطب الشرعي أكد إن الجرعة اتضافت بعد الجرعات البسيطة اللي اتحطت قبلها.

هالة اعترفت إنها تعاونت معاه.

قالت إنها كانت عايزة تخوف كريم وتثبت حقها في الميراث.

وقالت إنها صدقت خالد لما قال لها إن المادة مجرد مهدئ خفيف.

لكنها اعترفت كمان إنها بعد وفاة الطفلين خبّت أدلة وحاولت تهرب.

منى ما اتحبستش بعد ما ثبت إن المادة اللي حطتها كانت بتركيز غير وإنها اتخدعت، لكن اتحققت معاها النيابة فترة طويلة.

نوال اعترفت بكل حاجة.

المهدئات.

الأوضة السرية.

التزوير القديم.

والسكوت.

ولأول مرة، ما حاولتش تبرر.

قالت:

— أنا ما بإيدي… بس كل كذبة قلتها في حياتي فتحت باب للي .

عماد اتهم في الخطف والابتزاز والتزوير وإخفاء أمي لسنين، وكمان في محاولة القديمة.

أما خالد…

فاتوجهت له تهم آدم وآسر عمدًا، والشروع في استهداف ليلى، والتآمر والتزوير والابتزاز.

لكن الصدمة الأخيرة كانت لما ظهرت نتائج تحليل النسب الرسمي.

كريم كان فعلًا…

ابن حازم.

حازم وقف قدامه في المعمل، ماسك الورقة وإيده بتترعش.

كريم بصله.

ولا واحد فيهم عرف يقول كلمة.

وفي الآخر حازم قال:

— أنا ضيعت عمري بدور على أخويا… وماكنتش أعرف إن ابني كان قدامي.

كريم سأله:

— إنت كنت تعرف إني موجود؟

حازم هز راسه.

— عرفت من شهور.

— وليه ما جيتش؟

— خفت أهد كل حياتك.

كريم ضحك بمرارة.

— هي اتهدت على أي حال.

فضل سؤال واحد.

الولد المراهق اللي كريم جابه.

طلع فعلًا ابنه.

أمه كانت بنت اتعرف عليها كريم قبل ما نتقابل أنا وهو بسنين.

حملت منه، لكن أهلها قالوله إن الطفل مات بعد الولادة.

الحقيقة إن عماد خد الطفل واستعمله بعد سنين للضغط على كريم لما بدأ يدور في تاريخ العيلة.

كريم ماكنش عارف بوجوده غير من شهور.

وده كان السر اللي خرج بسببه ليلة موت التوأم.

كان رايح يقابله.

مش خالد.

كريم كذب عليا لأنه كان خايف يقولي إن له ابن من قديمة.

لكن كذبته خلتني أشك فيه في أسوأ ليلة في حياتي.

لما خرج من التحقيق، وقف قدامي.

قال:

— سلمى…

قلت:

— أنا عارفة إنك ما  ولادنا.

عينيه اتمَلّت دموع.

— تسامحيني؟

بصيتله طويل.

— على موتهم؟ مالكش ذنب فيه.

سكت.

— لكن على الكذب؟

ما ردش.

قلت:

— مش دلوقتي.

— هتسيبيني؟

— معرفش.

كانت دي أول مرة في حياتي ما أحاولش أدي إجابة تريح حد غيري.

قلت:

— أنا محتاجة أتعلم أعيش تاني الأول.

هز راسه.

ولأول مرة…

احترم إجابتي.

عدت شهور.

البيت اتباع.

ماقدرتش أفضل فيه.

أنا وليلى نقلنا مكان تاني.

أوضتها الجديدة لونها فاتح، وفي ركن منها الأرنب القماش بتاع آدم.

جنبُه عربية صغيرة كانت بتاعة آسر.

ليلى ساعات تسألني:

— إخواتي شايفينا؟

بقولها:

— أتمنى.

وساعات تصحى بالليل وتيجي تنام جنبي.

ما بقولهاش ترجعي أوضتك.

بسيبها.

كريم بيشوفها بانتظام.

وبدأ يتعرف على ابنه الكبير.

أما إحنا…

فما رجعناش لبعض فورًا.

بدأنا من الصفر.

جلسات.

كلام.

اعترافات.

من غير وعود كبيرة.

لأن بعد كل اللي حصل، اتعلمت إن الحب من غير حقيقة ممكن يتحول لسجن.

بعد سنة تقريبًا، كان يوم ذكرى آدم وآسر.

رحت المقابر ومعايا ليلى.

حطينا وردتين صغيرين.

ليلى قعدت قدام القبرين.

وقالت:

— أنا ما قلتش السر بدري… علشان تيته خوفتني.

حضنتها.

— إنتِ أنقذتي ناس كتير يا حبيبتي.

قالت:

— كنتي هتزعلي مني؟

بصيتلها.

— عمري.

حضنتني.

وبعد شوية، قامت تجري ناحية كريم اللي كان واقف بعيد.

فضلت قاعدة لوحدي.

بصيت لأسماء ولادي.

آدم.

آسر.

قلت:

— أنا كنت فاكرة إن موتكم نهاية حياتي.

دموعي نزلت.

— بس أنتم كشفتم حاجة كانت مدفونة من قبل ما أنا أتولد.

حطيت إيدي على الحجر.

— وحقكم رجع.

قمت.

وقبل ما أمشي، بصيت لآخر مرة.

مافيش نهاية سعيدة لقصة أم دفنت طفلين.

فيه بس نهاية عادلة.

اتحاسب.

الكذبة اتكشفت.

وليلى بقت آمنة.

أما أنا…

فاتعلمت إن النجاة مش معناها إن الوجع يختفي.

النجاة معناها إن الوجع ما يبقاش هو اللي بيقرر باقي عمرك.

مشيت ناحية بنتي.

مسكت إيدها.

كريم كان واقف على بعد خطوات، مستنينا من غير ما يضغط عليا.

ولما وصلنا للباب، ليلى بصتلي وقالت:

— ماما؟

— نعم؟

ابتسمت.

— آدم وآسر كانوا هيحبوا البيت الجديد.

ابتسمت وسط دموعي.

— أيوه.

ومشينا.

ولأول مرة من يوم موتهم…

ما حسيتش إني بسيبهم ورايا.

حسيت إنهم ماشيين معايا.

النهاية.

“بعض الأسرار تتدفن سنين… لكن الحقيقة مهما اتأخرت، بتعرف طريقها للنور.”

 تمت الحكاية.
الكاتبة أسما السيد

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى