بعد الانفصال حكايات اسما السيد 2

ابتسامة رامي كانت أكثر شيء أخافني في تلك اللحظة.
منذ أن دخل القصر وهو يتراجع أمامي كحيوان وقع في فخ، لكن بمجرد أن قال الرجل العجوز إن عليّ معرفة هوية أبي الحقيقي، تغيّر وجهه.
جلس رامي على أقرب كرسي.
ووضع ساقًا فوق الأخرى.
كأنه لم يعد .
كأنه أصبح متفرجًا ينتظر .
قلت للرجل:
— مين إنت؟
نظر إليّ طويلًا ثم قال:
— اسمي فؤاد النجار.
الاسم ضرب شيئًا قديمًا في ذاكرتي.
سمعته من قبل.
ركضت بعيني نحو الصورة الموضوعة أمامي.
جدي.
فؤاد.
والد رامي.
وأبي.
أربعة رجال يبتسمون أمام مبنى قديم يحمل اسم الشركة التي تحولت لاحقًا إلى إمبراطورية عائلتنا.
قلت:
— فؤاد النجار مات من 22 سنة.
أجاب:
— رسميًا.
ضحك رامي ضحكة قصيرة.
— العيلة دي بتحب الرسمي جدًا.
تجاهلته.
— وليه اختفيت؟
رفع فؤاد عينيه إلى رامي.
— لأن أبوه حاول يقتلني.
اختفت ابتسامة رامي.
وهنا عرفت أن فؤاد أصاب المكان الصحيح.
تابع:
— من ثلاثين سنة، الشركة ما كانتش ملك جدك لوحده. إحنا الأربعة أسسناها مع بعض. جدك كان الواجهة، وأنا كنت مسؤول عن التطوير، ووالد رامي كان مسؤول عن التمويل…
توقف.
— والرجل اللي بتقولي له بابا؟
شعرت ببرودة في يدي.
— كان مسؤول عن إيه؟
أجاب:
— إنه يضمن إن الحقيقة ما تطلعش أبدًا.
قلت بعصبية:
— أي حقيقة؟
لكن صوتًا جاء من خلفي:
— كفاية يا فؤاد.
استدرت.
كان أبي واقفًا عند باب الصالة.
لم أسمع دخوله.
نظر إليّ، ثم إلى فؤاد.
لأول مرة في حياتي رأيت أبي خائفًا.
ليس قلقًا.
خائفًا فعلًا.
قال فؤاد:
— كان لازم تعرف من زمان.
رد أبي:
— وأنا وعدت أمها إنها عمرها ما تعرف.
توقفت أنفاسي.
— أمي؟
اقتربت منه.
— ماما كانت تعرف؟
لم يجب.
صرخت:
— أنا بنت مين؟
الصمت الذي جاء بعد سؤالي كان أقسى من أي إجابة.
ثم قال رامي من كرسيه:
— قولي لها يا عمي.
نظرت إليه.
يا عمي؟
التفت إلى أبي.
رامي ابتسم.
— مستغربة ليه؟
وقف.
— الراجل اللي رباكي أخو أمي.
شعرت بالأرض تميل تحت قدمي.
نظرت إلى أبي.
— إنت خاله؟
قال بهدوء:
— أيوه.
— يعني كنت تعرفه من قبل ما أقابله؟
لم يجب.
— قبل الجامعة؟
صمت.
— قبل ما يقول إنه شافني صدفة في معرض الشركة؟
ظل صامتًا.
ضحكت.
لم تكن ضحكة حقيقية.
كانت الصوت الوحيد الذي استطاع جسدي إخراجه بدل الصراخ.
— يعني جوازي كله كان مترتب؟
قال أبي:
— مش بالطريقة اللي إنتِ فاهمها.
— مفيش جملة في الدنيا أخطر من دي.
اقترب مني.
— اسمعيني…
رفعت يدي.
— ماتلمسنيش.
توقف.
أشرت إلى رامي.
— الراجل ده كان بيديني أدوية تخليني مش واعية. كان بيزور توقيعي. كان الشركة. وكان مستني عشان ياخد أسهمي.
ثم نظرت إلى أبي.
— وإنت كنت عارفه طول عمرك.
قال:
— كنت أعرف عيلته. مش .
تدخل فؤاد:
— لكنه كان يعرف سبب الزواج.
استدار أبي نحوه بعنف.
— اخرس.
فؤاد لم يتحرك.
— كفاية حماية للأكاذيب.
ثم نظر إليّ.
— ليان، زواجك من رامي كان شرطًا في اتفاق مكتوب قبل ولادتك.
قلت:
— اتفاق إيه؟
أخرج من معطفه ظرفًا بنيًا قديمًا.
وضعه أمامي.
كانت هناك أربعة توقيعات في الأسفل.
توقيع جدي.
توقيع فؤاد.
توقيع والد رامي.
والتوقيع الرابع…
توقيع أبي.
بدأت أقرأ.
لم أفهم اللغة القانونية كلها، لكنني فهمت الجملة التي وُضع تحتها خط أحمر:
“لا يجوز تفعيل حق السيطرة النهائي على المجموعة إلا باجتماع وريث فرع السالمي ووريث فرع النجار بعقد زواج قانوني.”
رفعت رأسي.
— أنا وريثة السالمي؟
قال فؤاد:
— لأ.
توقفت.
أشار إلى رامي.
— هو وريث السالمي.
ثم أشار إليّ.
— وإنتِ وريثة النجار.
لم أستطع الكلام.
نظرت إلى الاسم أمامي.
فؤاد النجار.
ثم إليه.
رأى السؤال في وجهي.
وهز رأسه ببطء.
— أنا مش أبوكي يا ليان.
تنفست.
لكن راحتي لم تستمر أكثر من ثانية.
قال:
— أبوكي كان أخويا.
تجمدت.
— كان؟
خفض عينيه.
— اتقتل قبل ولادتك بشهرين.
نظرت إلى أبي.
الرجل الذي رباني.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
قلت:
— مين قتله؟
لم يجب فؤاد.
لكنني لاحظت شيئًا.
رامي لم يكن ينظر إليّ.
كان ينظر إلى أبي.
قلت:
— مين قتل أبويا؟
أغمض أبي عينيه.
وقال:
— أنا كنت موجود الليلة دي.
— سألت مين قتله.
فتح عينيه.
— أبو رامي.
شهقت.
لكن فؤاد قال:
— دي نص الحقيقة بس.
استدار أبي إليه.
— فؤاد!
— كفاية.
ضرب فؤاد الطاولة بيده.
— أخويا اكتشف إنهم بيحوّلوا أموال الشركة لحسابات خارجية. قرر يبلغ عنهم. وفي الليلة اللي كان هيسلم فيها الأدلة، استدرجوه للمخزن القديم.
نظر إليّ.
— حصل حريق.
تذكرت قصة سمعتها طفلة.
حريق المصنع القديم.
حادث شهير مات فيه ثلاثة عمال.
قال فؤاد:
— أخويا ما ماتش في الحريق.
توقفت أنفاسي.
— خرج حي.
ثم أشار إلى أبي.
— وهو اللي شافه.
نظرت إلى أبي.
بدأت يده ترتجف.
قال:
— كان مصاب جدًا.
سألت:
— وبعدين؟
لم يجب.
فؤاد أجاب بدلًا منه:
— اتصل بوالد رامي.
أغمضت عيني.
بدأت الصورة تكتمل بطريقة بشعة.
— ليه؟
قال أبي:
— كنت غبي. كنت فاكر إننا هننقذه.
ضحك فؤاد بمرارة.
— أنقذوه فعلًا. من إنه يتكلم للأبد.
صرخت:
— كفاية!
ساد الصمت.
لم أعد أريد تاريخًا.
أردت حقيقة واحدة يمكنني الإمساك بها.
نظرت إلى رامي.
— وإنت كنت تعرف كل ده؟
قال:
— مش كله.
— لكن كنت تعرف الاتفاق.
— أيوه.
— عشان كده اتجوزتني؟
سكت.
اقتربت منه.
— بصلي وقولها.
رفع عينيه.
وللمرة الأولى منذ عرفته، لم يحاول تجميل نفسه.
— في البداية؟ أيوه.
شيء داخلي انكسر.
لكن الغريب أنه لم يؤلمني كما توقعت.
ربما لأنني لم يعد لدي شيء سليم يمكن كسره.
قلت:
— وبعد الجواز؟
ابتلع ريقه.
— الموضوع اتغير.
ضحكت.
— أكيد. حبيتني فبدأت .
— أنا ما .
— الحبوب؟
نظر إلى أبي.
وهذه المرة لاحظت النظرة.
لم تكن نظرة متهم يبحث عن مخرج.
كانت نظرة شخص يقول:
قل لها أنت.
التفت إلى أبي.
— إيه؟
لم يتكلم.
اقتربت.
— بابا… إيه؟
قال رامي:
— أنا ما بدأتش الدوا يا ليان.
استدرت نحوه.
— كداب.
— أنا كملت عليه. ودي جريمة وأنا عارف.
ثم أضاف:
— لكن أول روشتة ما كانتش مني.
شعرت بدقات قلبي في أذني.
قال:
— كانت قبل ما أعرف إن الاتفاق ممكن يتفعّل.
نظر مباشرة إلى الرجل الذي رباني.
— أول واحد طلب من الدكتور يديكي الدوا…
توقف.
ثم قال:
— كان أبوكي.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
فقط نظرت إلى أبي.
وكان صمته اعترافًا.
جلست.
لأول مرة شعرت أن كرسي جدي أكبر من جسدي.
قلت:
— ليه؟
جلس أبي أمامي على ركبتيه.
— لأنك بدأتي تفتكري.
— أفتكر إيه؟
— اللي حصل وإنتِ عندك ست سنين.
لم أتذكر شيئًا.
لكن جسدي فعل.
بدأت يدي ترتجف.
رائحة.
دخان.
باب حديد.
صوت رجل يصرخ.
طفلة تختبئ خلف صناديق خشبية.
ثم…
ساعة فضية تقع على الأرض.
وضعت يدي على فمي.
همست:
— المخزن.
اتسعت عينا أبي.
قال فؤاد:
— افتكرتِ؟
رأيت لقطة أخرى.
رجل يحملني ويركض.
وجهه مغطى .
كان يردد:
“ما تبصيش وراكي يا ليان.”
قلت:
— كان فيه راجل.
فؤاد اقترب.
— مين؟
أغمضت عيني.
حاولت رؤية الوجه.
ظهر للحظة.
ثم اختفى.
قلت:
— مش عارفة.
وفجأة سمعت صوت رامي:
— أنا عارف.
فتحنا أعيننا نحوه.
أخرج هاتفه ووضعه على الطاولة.
فتح ملف فيديو.
قال:
— عشان كده الحفلة كانت الليلة.
حدقت فيه.
— إيه الحفلة؟
— أنا ما كنتش بحتفل بس.
مرر إصبعه على الشاشة.
ظهر فيديو من كاميرا مراقبة.
المطعم نفسه.
قبل ثلاثة أيام.
المرأة التي كانت تجلس في نهاية القاعة ظهرت وهي تدخل خاصة.
وبعدها بدقيقة دخل أبي.
قلت:
— مين الست دي؟
قال رامي:
— كنت فاكرها واحدة بتشتغل مع أبوكي.
— وبعدين؟
— تتبعتها.
فتح صورة أخرى.
المرأة أمام مبنى قديم.
وبجانبها لوحة:
مؤسسة النجار الطبية.
رفع فؤاد رأسه فجأة.
تغير وجهه بالكامل.
— مستحيل.
قلت:
— تعرفها؟
اقترب من الهاتف حتى كاد يسقطه.
همس:
— دي ماتت.
شعرت بالبرد.
— مين؟
نظر إليّ.
— أمك.
توقفت الدنيا.
قلت:
— أمي وأنا عندي سبع سنين.
قال:
— الست اللي ربتك وإنتِ عندك سبع سنين.
ثم أشار إلى الشاشة.
— لكن دي…
لم يكمل.
رن هاتف أبي.
نظر إلى الشاشة.
رفض المكالمة.
رن مرة ثانية.
ثم ثالثة.
قلت:
— رد.
— مش مهم.
— قلت رد.
فتح المكبر.
لم يتكلم أحد لثانيتين.
ثم جاء صوت المرأة نفسها:
— واضح إن الاجتماع العائلي بدأ من غيري.
أبي شحب.
قال:
— إنتِ عايزة إيه؟
ضحكت.
— نفس الحاجة اللي كنت عايزاها من 28 سنة.
ثم قالت:
— بنتي.
نظرت إلى الهاتف.
قالت المرأة:
— ليان، لو عايزة تعرفي مين حاول يقتلك فعلًا الأسبوع اللي فات، ما تثقيش في أي حد موجود في الأوضة.
توقف قلبي.
الأسبوع اللي فات؟
أنا لم أتعرض لمحاولة قتل الأسبوع الماضي.
على الأقل…
لم أكن أتذكر واحدة.
ثم قالت المرأة جملتها الأخيرة:
— واسألي رامي ليه تقرير وفاتك كان جاهز قبل “الحادث” بثلاثة أيام.
انقطع الاتصال.
التفتنا جميعًا إلى رامي.
لكن كرسيه كان فارغًا.
والباب الخلفي…
كان مفتوحًا.




