روايات وقصص

بعد الانفصال حكايات اسما السيد 3 والاخير

لم أركض خلف رامي.

كان هذا أول شيء تعلمته منذ بدأت ذاكرتي تعود:

الشخص الذي يهرب يريدك أن .

والشخص الذي يريدك أن  غالبًا ترك شيئًا أخطر خلفك.

نظرت إلى الباب المفتوح، ثم إلى الهاتف فوق الطاولة.

قلت:

— محدش يتحرك.

فؤاد رفع حاجبه.

أما أبي فقال:

— ليان، لازم نلحقه.

— لأ.

— معاه معلومات ممكن تدمرنا.

نظرت إليه.

— “تدمرنا”؟

ابتلع بقية الجملة.

قلت:

— من ساعة ما دخلت البيت وأنا بسمع إن كل واحد فيكم كان بيحميني. رامي كان “بيحميني”. إنت كنت “بتحميني”. حتى الدوا كان عشان “تحموني”.

دفعت عبوة الحبوب إلى منتصف الطاولة.

— الغريب إن كل الحماية دي كانت محتاجة إني أفضل مش فاكرة.

ساد الصمت.

مددت يدي إلى هاتف رامي.

كان مفتوحًا.

غريب.

رامي لا يترك هاتفه مفتوحًا حتى وهو نائم.

فتحت سجل الملفات الأخيرة.

وجدت تقرير الوفاة.

الاسم: ليان فؤاد النجار.

توقفت.

ليس اسم العائلة التي أحملها رسميًا.

النجار.

اسم أبي البيولوجي.

وتاريخ إصدار التقرير كان قبل “جنازتي” بثلاثة أيام فعلًا.

لكن شيئًا آخر لفت نظري.

اسم الطبيب الذي اعتمد الوفاة.

قرأته بصوت مرتفع:

— الدكتور سليم مراد.

فؤاد شهق.

أما أبي فجلس ببطء.

عرفت فورًا أن الاسم يعني شيئًا.

قلت:

— مين سليم مراد؟

لم يجب أحد.

ضربت الطاولة.

— مين هو؟

قال أبي:

— الطبيب اللي وقّع شهادة وفاة أبوكي الحقيقي.

شعرت بشيء بارد يمر في ظهري.

— من 28 سنة؟

— أيوه.

رفعت الهاتف.

— ولسه بيوقّع شهادات وفاة ناس ما ماتوش؟

قال فؤاد:

— لو سليم رجع يظهر، يبقى حد فتح الملف القديم.

— أي ملف؟

اقترب من النافذة وأغلق الستارة.

ثم قال:

— ملف 17.

ضحكت بمرارة.

— طبعًا. لازم يكون فيه ملف برقم غامض.

لكنه لم يبتسم.

— ملف 17 مش ورق يا ليان.

نظر إلى أبي.

— ده حساب.

سألت:

— حساب بنكي؟

— شبكة حسابات. اتعملت وقت تأسيس الشركة. أرباح غير معلنة، عمولات، أسهم باسم أشخاص ماتوا، شركات وهمية…

توقف.

— وجدك اكتشفها متأخر.

قلت:

— وأبويا اكتشفها كمان.

هز رأسه.

— وعشان كده مات.

بدأت أفهم.

— والزواج بيني وبين رامي؟

قال فؤاد:

— كان طريقة لإغلاق النزاع على الملكية. لو وريث الفرعين اتجوزوا، الأسهم المتنازع عليها تدخل كيان واحد.

نظرت إلى الباب الذي هرب منه رامي.

— يعني هو اتجوزني عشان الأسهم.

قال أبي:

— في البداية.

تجاهلت محاولته لتخفيف الجملة.

ثم سألت:

— ولو مت؟

لم يجب فؤاد.

لكنني عرفت.

فتحت تقرير الوفاة مرة أخرى.

— كل حاجة تنتقل له.

قال أبي:

— تقريبًا.

— مش تقريبًا. بالضبط.

مررت بين الملفات.

عقود.

صور.

تحويلات.

ثم وجدت مجلدًا اسمه:

L-6

ضغطت عليه.

طلب كلمة مرور.

جربت تاريخ ميلادي.

خطأ.

تاريخ زواجي.

خطأ.

ثم تذكرت الساعة الفضية.

الصورة التي ظهرت في ذاكرتي.

ساعة تسقط على أرض المخزن.

قلت:

— تاريخ الحريق؟

ذكر فؤاد التاريخ.

أدخلته.

فتح المجلد.

كان بداخله ملف فيديو واحد.

مدته 43 ثانية.

ضغطت تشغيل.

ظهرت الصورة مهزوزة.

كاميرا قديمة.

مخزن.

نار في الخلفية.

ورجل مصاب يجلس على الأرض.

لم أر وجهه بوضوح.

لكنني سمعت صوته.

— لو حصل لي حاجة… الأسهم مش أهم حاجة.

اقترب شخص من الكاميرا.

الرجل المصاب تابع:

— البنت هي المفتاح.

تجمدت.

قال:

— ليان مش لازم تعرف قبل ما تتم 30 سنة.

نظرت إلى فؤاد.

— أنا تممت 30 من شهرين.

لم يجب.

في الفيديو، سُمع صوت آخر:

— ولو افتكرت قبلها؟

الرجل المصاب رد:

— امنعوها.

الصوت الثاني قال:

— بأي طريقة؟

رفع الرجل المصاب رأسه.

ولأول مرة ظهر وجهه.

شعرت أن الهواء خرج من الغرفة.

كان يشبهني.

العينان.

شكل الفك.

حتى الخط الصغير بين الحاجبين.

أبي الحقيقي.

قال في التسجيل:

— مش بالقتل.

ثم أضاف:

— لو مت، المفتاح يموت معايا.

انتهى الفيديو.

قلت:

— مفتاح إيه؟

رن هاتف رامي الذي في يدي.

رسالة.

من رقم غير مسجل.

فتحتها.

“لو شفتي الفيديو، يبقى عندك أقل من ساعتين.”

ثم وصلت رسالة ثانية.

صورة.

كانت صورة رامي.

مقيدًا إلى كرسي.

الدم ينزل من جانب وجهه.

خلفه جدار إسمنتي أعرفه.

المخزن القديم.

قال أبي:

— ده فخ.

وصلت رسالة ثالثة:

“تعالي لوحدك.”

فؤاد قال فورًا:

— مستحيل.

لكنني لم أكن أنظر إلى الرسالة.

كنت أنظر إلى يد رامي في الصورة.

أصابعه كانت مضمومة ما عدا إصبعين.

الإبهام.

والخنصر.

كرر الحركة في الصورة الثانية التي وصلت بعدها.

إبهام.

خنصر.

تذكرت شيئًا.

في الجامعة، قبل أن نتزوج بسنوات، اخترعنا إشارات سخيفة نستخدمها في الاجتماعات المملة.

الإبهام والخنصر كان معناهما:

“كذب.”

الصورة كذب.

أو الاختطاف كذب.

أو الرسالة كذب.

لكن رامي كان يحاول أن يخبرني بشيء.

قلت:

— هو مش .

أبي نظر إليّ.

— إزاي عرفتي؟

لم أجب.

فتحت تفاصيل الصورة.

ثم كبّرتها.

انعكاس صغير ظهر على قطعة معدنية خلف كرسي رامي.

شخص يحمل الكاميرا.

امرأة.

شعر داكن.

قلت:

— أمي.

فؤاد اقترب.

— متأكدة؟

— لأ.

وضعت الهاتف في حقيبتي.

— وعشان كده هروح.

صرخ أبي:

— لوحدك؟!

— هي طلبتني لوحدي.

— وده بالضبط سبب إنك ما تروحيش.

نظرت إليه.

— إنت آخر شخص يحق له يقول لي أثق في مين.

تركت الصالة.

لكنني لم أذهب إلى المخزن.

ذهبت إلى البنك.

الساعة 11:18 مساءً.

دخلت الفرع الخاص الذي لا يفتح ليلًا إلا لأصحاب الحسابات الكبرى.

كان مدير الفرع ينتظرني.

وضع أمامي صندوقًا معدنيًا صغيرًا.

قلت:

— ده إيه؟

قال:

— أمانة باسمك.

— أنا ما حطتش أمانة هنا.

— حضرتك لأ.

دفع ورقة نحوي.

— اتسجلت يوم ولادتك.

توقيع المودع:

يوسف النجار.

أبي الحقيقي.

ارتجفت أصابعي.

فتح المدير الصندوق بمفتاح البنك.

لكن بداخله كان صندوق آخر.

بلا مفتاح.

فقط قارئ بصمة.

وضعت إصبعي.

صدر صوت.

فتح.

كان بداخله ثلاثة أشياء.

ذاكرة إلكترونية صغيرة.

مفتاح نحاسي.

ورسالة مكتوبة بخط اليد.

فتحت الرسالة.

“إلى ليان، في عيد ميلادك الثلاثين.”

جلست.

بدأت أقرأ.

“لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا فشلت إني أكون موجود عشان أقول لك الحقيقة بنفسي.”

توقفت للحظة.

ثم أكملت.

“هيقولوا لك إن الصراع على الشركة.”

“كذب.”

“هيقولوا لك إنهم عايزين أسهمك.”

“نصف حقيقة.”

“الشيء اللي خبيناه مش فلوس.”

نظرت إلى الذاكرة.

تابعت.

“في سنة تأسيس الشركة، اكتشفنا طريقة لتوثيق ملكيات مخفية لا تظهر في السجلات التقليدية. استخدمها البعض لإخفاء أموال. لكن جدك استخدمها لإخفاء شيء أكبر.”

السطر التالي جعلني أعيد قراءته ثلاث مرات.

“51% من المجموعة ليست مملوكة لأي شخص تعرفينه.”

شعرت بصداع.

“المالك الحقيقي يظهر فقط عندما يتم فتح سجل 17.”

ثم:

“ولا يمكن فتحه إلا بشخصين.”

“وريث النجار.”

“ووريث السالمي.”

أنا.

ورامي.

فهمت فجأة لماذا لم يقتلني.

ولماذا لم أستطع أنا التخلص منه من المعادلة.

كان كل منا يحتاج الآخر.

لكن آخر سطر في الرسالة قلب كل شيء.

“لو أخبروك أن رامي هو وريث السالمي…”

توقفت.

“لا تصدقيهم.”

رفعت رأسي.

الفرع كان صامتًا.

أكملت:

“وريث السالمي الحقيقي فتاة.”

ثم اسم.

اسم جعل يدي تسقط من فوق الورقة.

“اسمها نور.”

نور.

عشيقة رامي.

المرأة التي ظهرت معه في حفلة طلاقه الوهمية داخل الخطة التي سبقت جنازتي.

المرأة التي ظننت أنها ترتدي مجوهراتي لأنها تريد زوجي.

لم تكن تريد زوجي.

كانت تريد الوصول إليّ.

وصلت إلى المخزن الساعة 12:07.

قبل الموعد بإحدى عشرة دقيقة.

الباب كان مفتوحًا.

دخلت.

كان رامي مربوطًا إلى الكرسي كما في الصورة.

والمرأة ذات الشعر الداكن واقفة خلفه.

قالت:

— اتأخرتي.

قلت:

— بالعكس. جيت بدري.

رفعت الذاكرة الإلكترونية.

لأول مرة تغير وجهها.

— منين جبتي دي؟

ابتسمت.

— واضح إنك مش عارفة كل حاجة عن بنتك.

قال رامي:

— ليان، ما تديهالهاش.

اقتربت منه.

صفعته.

حدق بي مذهولًا.

قلت:

— دي عشان الدوا.

ثم صفعتُه مرة ثانية.

— ودي عشان تقرير الوفاة.

قال:

— متفهميش غلط…

— وإشارة الإبهام والخنصر؟

توقف.

نظرت إلى المرأة.

ثم إليه.

قلت:

— كنت بتقولي إن الاختطاف كدب.

خفض عينيه.

قالت المرأة:

— ذكي.

قلت:

— مش قوي.

ثم سألتها:

— نور فين؟

لأول مرة فقدت هدوءها.

رامي رفع رأسه بسرعة.

— إنتِ عرفتي؟

قلت:

— إنها وريثة السالمي؟

ساد الصمت.

وهذا كان كل التأكيد الذي أحتاجه.

ثم جاء صوت تصفيق من الظلام.

مرة.

مرتين.

ثلاثًا.

ظهر شخص من خلف الأعمدة.

قال:

— ممتاز يا ليان.

عرفت الصوت.

لكن عقلي رفضه.

خرج الرجل إلى الضوء.

كان يحمل مسدسًا في يده.

والساعة الفضية القديمة في معصمه.

نفس الساعة التي رأيتها تسقط في ذاكرتي.

همست:

— إنت…

ابتسم.

وقال:

— واضح إن الدوا ما قدرش يمسح كل حاجة.

كان أبي.

الرجل الذي رباني.

لكن قبل أن أتكلم، قالت المرأة خلف رامي:

— ما تناديهوش أبوكي.

رفع الرجل المسدس نحوها.

قالت دون خوف:

— لأن الليلة اللي مات فيها يوسف، هو ما اتصلش بوالد رامي عشان ينقذه.

نظرت إليه.

تابعت:

— هو اللي قال له مكانه.

شعرت أن ركبتيّ لا تحملانني.

قلت:

— إنت سلمت أبويا ليهم؟

نظر إليّ الرجل الذي وثقت به ثلاثين سنة.

ثم قال جملة لم أتوقعها:

— كان لازم يموت.

صاح رامي:

— ليان، انزلي!

سمعت الطلقة.

انطفأت الأنوار.

صرخة.

ارتطام جسد بالأرض.

ثم صوت خطوات تركض في الظلام.

وعندما عادت إضاءة الطوارئ الحمراء بعد ثوانٍ…

كان كرسي رامي فارغًا.

والمرأة ملقاة على الأرض.

وأبي اختفى.

أما الذاكرة التي كنت أمسكها…

فلم تعد في يدي.

نظرت إلى الأرض بجنون.

لا شيء.

ثم سمعت صوتًا خلفي:

— بتدوري على دي؟

استدرت.

كانت نور واقفة عند الباب.

تمسك الذاكرة بين إصبعين.

وعلى رقبتها…

كان العقد الأزرق.

قالت:

— كلهم كذبوا عليكي في حاجة واحدة يا ليان.

أغلقت الباب خلفها.

— سجل 17 مش محتاج وريثتين عشان يتفتح.

ابتسمت.

— محتاج واحدة بس.

نظرت إلى الذاكرة في يدها.

ثم إليّ.

وقالت:

— والتانية لازم تموت.

نور أغلقت الباب خلفها.

في يدها الذاكرة.

وفي عينيها ذلك الهدوء الذي لا يملكه إلا شخص يعتقد أنه ربح بالفعل.

قالت:

— سجل 17 محتاج واحدة بس.

ثم نظرت إليّ.

— والتانية لازم تموت.

لم أتحرك.

خلفي كانت المرأة التي قالت إنها أمي ملقاة على الأرض، والدم ينتشر تحت كتفها.

رامي اختفى.

وأبي هرب.

أما أنا فكنت وحدي أمام امرأة اكتشفت قبل أقل من ساعة أنها مرتبطة بي بقصة بدأت قبل ولادتي.

قلت:

— لو موتي هو الحل، ليه ما قتلتونيش من زمان؟

ابتسمت نور.

— لأنك لو متِّ قبل سن الثلاثين، حق النجار ينتقل للصندوق العائلي. لكن بعد الثلاثين…

رفعت الذاكرة.

— ينتقل للوريث المقابل بمجرد تفعيل سجل 17.

قلت:

— يعني ليكي.

— بالضبط.

ثم مدت يدها.

— المفتاح.

وضعت يدي على حقيبتي.

المفتاح النحاسي كان لا يزال معي.

قالت:

— ما تصعبيهاش.

— وإنتِ صدقتي إن جدي عمل نظام ملكية بمليارات ومفتاحه قطعة نحاس؟

اختفت ابتسامتها قليلًا.

— هاتي المفتاح.

سمعت أنينًا خلفي.

أمي كانت لا تزال حية.

تحركت نحوها.

نور رفعت المسدس.

— مكانك.

توقفت.

قالت المرأة بصوت ضعيف:

— ليان… ما تديهالهاش.

نور ضحكت.

— مؤثر جدًا.

ثم نظرت إليها.

— خصوصًا منك.

قلت:

— إنتِ تعرفيها؟

ردت نور:

— أكتر منك بكتير.

نظرت إلى المرأة.

— مين إنتِ فعلًا؟

أغمضت عينيها للحظة.

ثم قالت:

— اسمي مريم.

— وإنتِ أمي؟

صمتت.

كان الصمت كافيًا.

قلت:

— جاوبي.

قالت:

— لأ.

لم أشعر بالصدمة هذه المرة.

ربما وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها جسدي قادرًا على استقبال مفاجأة أخرى.

قالت مريم:

— أمك الحقيقية ماتت وهي بتولدك.

نور أضافت:

— ومريم أختها.

خالتي.

نظرت إليها.

قالت:

— وعدتها تحميكي. وبعد موت يوسف، خافت إنهم يقتلوكي، فسلّمتك للعيلة واختفت.

سألتها:

— وليه رجعتي دلوقتي؟

قالت مريم:

— لأنهم بدأوا يجهزوا لموتك.

نظرت إلى نور.

— وهي؟

مريم لم تجب.

نور فعلت.

— أنا اللي خليتها ترجع.

ثم اقتربت خطوة.

— كنت محتاجة كل القطع تتحرك في نفس الوقت. فؤاد. أبوكي بالتربية. رامي. مريم. وإنتِ.

قلت:

— والحبوب؟

— مش فكرتي.

— تقرير وفاتي؟

— فكرتي.

تجمدت.

قالت ببساطة:

— كنت محتاجة أخوف رامي. لما اكتشف التقرير، بدأ يدور ورايا. ولما بدأ يدور، وصل لمريم. ولما وصل لمريم، وصلتي إنتِ للحقيقة.

ابتسمت.

— الناس أسهل في التحكم لما يفتكروا إنهم بيكشفوا مؤامرة بنفسهم.

قلت:

— ورامي كان شريكك؟

— فترة.

— وبعدين؟

— وقع في حبك.

ضحكت.

— رامي؟

— أيوه. ودي كانت مشكلته.

سمعنا صوتًا من الظلام:

— لسه بتتكلمي كتير يا نور.

استدارت.

رامي.

كان خلفها.

وقبل أن ترفع المسدس، أمسك معصمها.

انطلقت رصاصة إلى السقف.

اندفعت نحوهما.

سقطت الذاكرة على الأرض.

ركلتها بعيدًا.

نور ضربت رامي بمرفقها، وأفلتت منه.

اتجهت نحو الذاكرة.

لكن صوتًا دوّى عند الباب:

— محدش يتحرك!

دخل فؤاد ومعه رجلان من الأمن.

وخلفهم…

الشرطة.

نور توقفت.

نظرت إليّ.

ثم ابتسمت.

— إنتِ بلغتيهم؟

قلت:

— قبل ما أخرج من البنك.

كانت أول مرة أرى الخوف في وجهها.

قلت:

— قلتلك إني جيت بدري.

بعد عشرين دقيقة، كانت نور مقيدة اليدين.

مريم في سيارة الإسعاف.

ورامي جالسًا على الأرض، يضغط قطعة قماش على جرح في رأسه.

أما الرجل الذي رباني…

فلم يكن موجودًا.

هرب.

قال الضابط:

— هنلاقيه.

لكنني لم أكن واثقة أنني أريد سماع كلمة “أبي” مرتبطة به مرة أخرى.

اقترب رامي مني.

قلت:

— ما تعتبرش اللي حصل بينا هنا بداية جديدة.

توقف.

— عارف.

— إنك ساعدتني الليلة ما يمسحش اللي عملته.

— عارف.

— الدوا. التوقيعات. الحسابات.

خفض رأسه.

— عارف.

نظرت إليه.

— ليه؟

ظل ساكتًا لحظات.

ثم قال:

— بدأت عشان الفلوس.

— وكملت ليه؟

رفع عينيه.

— عشان كنت جبان.

لأول مرة لم يقدم عذرًا.

قال:

— في الأول كنت مقتنع إنك مجرد طريق للأسهم. بعدين عرفتك. ولما حبيتك، كان المفروض أعترف بكل حاجة.

ضحكت بمرارة.

— بدل كده زودت الجرعة.

أغمض عينيه.

— لأنك بدأتي تفتكري، وأنا خفت.

— عليا؟

قال:

— على نفسي.

هززت رأسي.

— أخيرًا قلت حاجة صادقة.

ثم ابتعدت.

قال:

— ليان.

توقفت دون أن ألتفت.

— أنا هسلم كل حاجة عندي للنيابة.

قلت:

— كويس.

— وهعترف.

— أحسن.

— مش عشان تسامحيني.

استدرت إليه.

قلت:

— كويس إنك فاهم.

وخرجت.

ظننت أن النهاية ستكون في المحكمة.

لم تكن.

بعد أربعة أشهر، صدر أمر توقيف دولي بحق الرجل الذي رباني، بعد أن كشفت التحقيقات تحويلات وأدلة مرتبطة بمقتل يوسف النجار.

فؤاد أدلى بشهادته.

مريم نجت من الرصاصة.

رامي اعترف بالتزوير، وإساءة استخدام الأدوية، والتلاعب في حساباتي، وسلّم المحققين ملفات ساعدت في كشف الشبكة القديمة.

ونور؟

كانت لديها مفاجأة أخيرة.

لم تكن وريثة السالمي أصلًا.

تحاليل النسب أثبتت ذلك.

كل حياتها بُنيت على كذبة أخبرها بها والد رامي وهي صغيرة، ليستخدمها يومًا كورقة ضغط.

وعندما عرفت الحقيقة في السجن، طلبت مقابلتي.

رفضت.

لم أعد بحاجة إلى سماع كل سر من فم صاحبه.

بعض الأبواب لا يجب فتحها لمجرد أنك تملك المفتاح.

لكن بقي سؤال واحد:

سجل 17.

الذاكرة.

والمفتاح النحاسي.

بعد ستة أشهر، جلست في المكتب الرئيسي للشركة.

لأول مرة منذ سنوات، لم يكن أمامي كوب ماء وبجواره حبة دواء.

لم يكن هناك أحد يذكرني بما يجب أن أتذكره.

ولا أحد يخبرني بما يفترض أن أنساه.

وضعت المفتاح النحاسي على المكتب.

أمامي كان محامي الشركة الجديد ومدقق مستقل وفؤاد.

قال المحامي:

— مستعدة؟

قلت:

— افتحه.

لم يكن المفتاح لباب.

كان يحتوي شريحة دقيقة مخفية داخله.

وعندما جمعناها مع الذاكرة، ظهر سجل 17.

انتظرنا حسابات سرية.

أسهمًا.

مليارات.

لكن الملف الأول لم يكن ماليًا.

كان فيديو.

ظهر جدي.

أكبر سنًا مما أتذكره.

جلس أمام الكاميرا وقال:

— لو بتشوفي التسجيل ده يا ليان، يبقى العيلة فشلت في أهم اختبار.

توقفت أنفاسي.

تابع:

— المال بيكشف الناس أسرع من أي شيء. لذلك خليتهم يعتقدوا إن سجل 17 يمنح السيطرة على الشركة.

نظرت إلى فؤاد.

حتى هو بدا مصدومًا.

جدي أكمل:

— لكنه لا يمنحها.

ظهرت وثائق على الشاشة.

— قبل وفاتي، نقلت الحصة المسيطرة إلى مؤسسة مستقلة لا يستطيع أي فرد من العائلة بيعها أو وراثتها.

ابتسم في التسجيل.

— مفيش وريث يملك 51%.

شعرت بضحكة تخرج مني.

كل هذا.

كل .

كل .

وهم يطاردون شيئًا لم يكن موجودًا.

لكن جدي لم ينتهِ.

— سجل 17 له غرض واحد.

ظهر جدول طويل.

أسماء.

تواريخ.

تحويلات.

رشاوى.

وفي العمود الأخير:

الأدلة.

قال جدي:

— ده مش سجل ملكية.

— ده سجل جرائم.

ساد المكتب صمت كامل.

قال:

— كل شخص سرق من الشركة موجود هنا. كل شخص زوّر. كل شخص دفع رشوة. وكل شخص شارك في إسكات يوسف.

ظهر اسم.

عرفته.

الرجل الذي رباني.

وبجواره تسجيل صوتي.

ثم ظهر اسم والد رامي.

ثم الطبيب سليم.

ثم أسماء مسؤولين ومديرين ومحامين.

عشرات.

قال جدي:

— لو فتحتي الملف، ما تحميش اسم العيلة.

نظر مباشرة إلى الكاميرا.

وكأنه يراني.

— احمي الحقيقة.

انتهى الفيديو.

قال فؤاد:

— لو سلمنا ده للنيابة، الشركة ممكن تنهار.

نظرت إليه.

ثم إلى المدينة خلف الزجاج.

قلت:

— يبقى تنهار.

التفت إليّ.

— ليان…

قلت:

— الشركة اللي محتاجة جرائم عشان تفضل واقفة، ما تستحقش تفضل واقفة.

نسخت الملف.

وأرسلناه كاملًا إلى السلطات.

مر عام.

بعت القصر.

أغلقت الجناح الذي كنت أعيش فيه خلال زواجي.

أعدنا هيكلة الشركة، وبعنا الشركات الوهمية، وأعدنا الأموال التي أمكن إثبات أصحابها.

وخسرت العائلة جزءًا ضخمًا من ثروتها.

الغريب؟

نمت للمرة الأولى من دون خوف.

أما رامي، فصدر بحقه حكم .

ذهبت إلى جلسة النطق بالحكم.

ليس من أجله.

من أجلي.

عندما أخذوه، التقت عيناه بعيني.

لم يقل “سامحيني”.

وأنا احترمت فيه، للمرة الأولى، أنه لم يطلب شيئًا لا يستحقه.

بعد أسابيع وصلتني منه رسالة.

لم أفتحها.

وضعتها في درج.

ربما أقرأها يومًا.

وربما لا.

الشفاء ليس أن تعرف كل الإجابات.

أحيانًا الشفاء هو أن تدرك أنك لم تعد مضطرًا للسؤال.

بعد ثمانية عشر شهرًا من الليلة التي بدأت فيها كل الحكاية، كنت في اجتماع مجلس الإدارة عندما اهتز هاتفي.

إشعار من البنك.

توقفت للحظة.

لسبب سخيف، أعادني الصوت إلى ممر المحكمة.

إلى اليوم الذي تغير فيه كل شيء.

فتحت الإشعار.

لم يكن سحبًا.

ولا محاولة شراء.

كان تأكيدًا على تحويل أرباح المؤسسة الجديدة إلى صندوق لتعويض الموظفين المتضررين من عمليات الشبكة القديمة.

أغلقت الهاتف.

سألتني مساعدتي:

— كل حاجة تمام؟

ابتسمت.

— أيوه.

ثم تذكرت الجملة التي بدأت بها الكارثة كلها:

غيّري الرقم السري لكل بطاقاتك حالًا.

يومها اعتقدت أن أبي أنقذ أموالي.

بعد ذلك اكتشفت أنه كان يحاول إنقاذ أسراره.

لكنني فعلت شيئًا لم يتوقعه أحد منهم.

لم أغيّر الرقم السري لبطاقاتي فقط.

غيّرت المحامين.

غيّرت مجلس الإدارة.

غيّرت الوصاية على أموالي.

غيّرت البيت الذي أعيش فيه.

غيّرت الأشخاص الذين يملكون حق الدخول إلى حياتي.

وأخيرًا…

غيّرت الفكرة التي زرعوها داخلي طوال سنوات:

أنني لا أستطيع الوثوق بعقلي.

وقفت أمام نافذة مكتبي.

الشمس كانت تشرق.

ولم يكن هناك زوج يراقب دوائي.

ولا أب يخفي عني الماضي.

ولا وريثة تنتظر موتي.

ولا عائلة تقرر بالنيابة عني من أكون.

كنت وحدي.

ولأول مرة…

لم تكن الوحدة .

كانت حرية.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى