هديه من حماتي حكايات اسما السيد

حماتي أهدتني نبتة جميلة مزروعة في أصيص بمناسبة بيتي الجديد… لكن بعد شهور، لما قررت أنقلها لأصيص أكبر، اتصدمت من الحاجة اللي لقيتها جوه التراب.
لما أنا وجوزي بدأنا علاقتنا في الأول، حماتي كانت بعيدة عني شوية. ماكانش بينا توافق كبير، وماقدرناش نقرب من بعض بسهولة.
لكن بعد الجواز، الأمور بدأت تتغير.
بقت أهدى في تعاملها معايا، ومع الوقت بدأنا فعلًا نبني علاقة كويسة وحقيقية.
ولما خلفنا ابننا من سنتين، حماتي بقت سند كبير ليا.
كانت بتيجي تزورنا كتير، لكن مش علشان تتدخل في حياتنا أو تفرض نفسها علينا…
بالعكس.
كانت بتجيب احتياجات البيت، تساعدني في ترتيب الهدوم، وتقعد مع الطفل علشان أعرف أنام شوية وأعوض الإرهاق.
بمرور الوقت، بقيت واحدة من أكتر الناس اللي أقدر أعتمد عليهم، وعلاقتنا بقت ممتازة.
لكن مع نمو ابننا، شقتنا الصغيرة ما بقتش تكفينا.
أنا وجوزي فضلنا نوفر فترة طويلة، لحد ما قدرنا أخيرًا نشتري أول بيت لينا.
حماتي فرحت جدًا علشاننا.
وفي حفلة بسيطة عملناها احتفالًا بالبيت الجديد، وصلت وهي شايلة أصيص سيراميك كبير مزروع فيه نبات جميل.
حضنتني وقالت إن دي هدية للبيت، وإنها بتتمنى تكون رمز للراحة والطاقة الجميلة لعيلتنا في بيتنا الجديد.
فرحت بالهدية جدًا، وحطيت النبتة جنب شباك الصالة.
فضلت حوالي ست شهور حالتها ممتازة.
لكن مؤخرًا، بدأت بعض أوراقها تصفر، ولاحظت إن الجذور بدأت تطلع من فتحات التصريف أسفل الأصيص.
فهمت إنها ببساطة محتاجة أصيص أكبر.
امبارح الصبح، كان جوزي في الشغل وابني نايم.
فرشت شوية جرايد قديمة على أرضية المطبخ، وحطيت الأصيص التقيل على جنبه، وبدأت أحاول أطلع النبتة منه بهدوء.
لكنها كانت ماسكة جامد.
جبت جاروف زرع صغير، وبدأت أحرك التراب من الجوانب علشان أفك الجذور.
وبعد محاولات…
كتلة الجذور خرجت أخيرًا.
التراب اتناثر على الأرض.
وفجأة…
وقعت حاجة وسط التراب على بلاط المطبخ.
خبطت في الأرض بصوت مكتوم.
اتجمدت.
بصيت ناحية الحاجة اللي وقعت.
نزلت على ركبتي، ومديت إيدي وأنا مش فاهمة إيه اللي ممكن يكون مدفون جوه أصيص زرع بقاله ست شهور في بيتي.
بدأت أمسح التراب المبلول عنها بأصابعي.
ثانية…
اتنين…
وأول ما فهمت أنا ببص على إيه…
جسمي كله برد.
سحبت إيدي بسرعة.
وقعدت أبص للحاجة قدامي وأنا مش قادرة أصدق.
وبعدين خطفت موبايلي واتصلت بحماتي فورًا…
كانت إيدي بتترعش وأنا مستنية ترد.
لأن الحاجة اللي كانت مدفونة تحت النبتة طوال الشهور اللي فاتت…
ماكانش ممكن تكون وصلت هناك بالصدفة.سيبوا لايك وكومنت واكتبولي توقعاتكم إيه هو السر، وهرد عليكم في التعليقات
ومتنسوش المتابعة عشان تكملوا باقي القصة
✍️ الكاتبة: أسما السيد
ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن. للكاتبة أسما السيد.
ردت حماتي بعد الرنة التالتة.
— ألو يا حبيبتي؟
صوتها كان طبيعي جدًا.
وده خلاني أبص للحاجة اللي قدامي وأشك للحظة إني فهمت غلط.
قلت بصوت مهزوز:
— طنط… إنتِ حطيتي إيه في أصيص النبتة؟
سكتت.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين سألتني:
— إنتِ نقلتيها من الأصيص؟
قلبي دق .
هي ما سألتنيش: “لقيتي إيه؟”
قالت: “نقلتيها؟”
يعني كانت عارفة.
قلت:
— آه.
سمعت نفسها يتغير.
— وجوزك فين؟
اتجمدت.
— في الشغل.
— وابنك؟
— نايم… ليه؟
قالت بسرعة:
— اسمعيني كويس يا بنتي… ما تكلميش جوزك، وما تفتحيش الحاجة اللي لقيتيها، وأنا جاية حالًا.
بصيت قدامي.
الحاجة اللي وقعت من التراب كانت علبة معدنية صغيرة، ملفوفة بطبقتين من البلاستيك الشفاف وشريط لاصق سميك.
وعليها اسمي.
سارة.
مكتوب بقلم أسود.
قلت:
— عليها اسمي.
حماتي شهقت.
ثم قالت:
— بالله عليكي ما تفتحيهاش لحد ما أوصل.
وقفلت.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا حاسة إن الأرض بتميل بيا.
ليه حماتي تدفن علبة عليها اسمي جوه نبتة وتهديهالي يوم ما دخلت بيتي الجديد؟
وليه أهم سؤال عندها كان: جوزك فين؟
وصلت بعد حوالي عشرين دقيقة.
عمري ما شوفتها بالشكل ده.
دخلت من الباب من غير حتى ما تقلع جاكتها.
— فين العلبة؟
أشرت للمطبخ.
راحت ناحيتها بسرعة.
وأول ما شافتها، حطت إيدها على .
— يا رب استر.
قلت بعصبية:
— أنا عايزة أفهم حالًا.
بصتلي.
— ابنك لسه نايم؟
— أيوه.
— اقفلي باب أوضته.
— طنط!
— اقفليه الأول.
عملت اللي قالت عليه.
رجعت لقيتها قاعدة على كرسي المطبخ والعلبة قدامها.
كانت إيديها بتترعش.
قعدت قصادها.
— اتكلمي.
قالت:
— قبل أي حاجة… أنا عارفة إن اللي عملته غلط.
— إيه اللي عملتيه؟
— خبيت عنك الحقيقة.
ضحكت بمرارة.
— حقيقة إيه؟
بصتلي طويلًا.
وبعدين قالت جملة ماكنتش مستعدة أسمعها:
— جوزك ما فقدش شغله من سنة زي ما قالك.
عقدت حواجبي.
— إيه؟
— هو اتفصل.
— ما هو قالي الشركة قللت العمالة.
هزت راسها.
— لأ.
— اتفصل ليه؟
سكتت.
مديت إيدي ناحية العلبة.
— لو مش هتقولي، أنا هفتحها.
مسكت إيدي.
— اتفصل بسبب فلوس اختفت من حسابات الشركة.
سحبت إيدي منها.
— إنتِ بتقولي إيه؟
— هو قال إن زميله لفّقله الموضوع… وأنا صدقته في الأول.
— وإيه علاقة ده بيا؟
نزلت عينيها.
— بعد فترة طلب مني فلوس كتير.
— قد إيه؟
قالت الرقم.
وحسيت نفسي اتخنقت.
مبلغ ضخم.
أكبر بكتير من أي مبلغ ممكن تكون حماتي ساعدتنا بيه.
قلت:
— ليه؟
— قال إن عليه ديون ولازم يسددها قبل ما الموضوع يكبر.
— وإنتِ اديتيه؟
— جزء.
— والباقي؟
بصت للعلبة.
— لما رفضت أديله أكتر… بدأ يسألني عن فلوس أبوكي.
اتجمدت.
أبويا كان متوفي من سنين، وسابلي مبلغ صغير وقطعة أرض كنت رافضة أبيعها.
قلت:
— هو عارف إن الأرض باسمي.
— عارف أكتر مما تتخيلي.
حسيت معدتي بتتقبض.
— كملي.
قالت:
— قبل ما تشتروا البيت بشهر تقريبًا، جيتله البيت القديم من غير ما أقولكم. إنتِ كنتِ بره، وهو كان لوحده.
سكتت لحظة.
— لقيته ماسك ملف أوراق.
— أوراق إيه؟
— توكيل.
ما فهمتش.
— توكيل لمين؟
رفعت عينيها ناحيتي.
— باسمك.
قلبي وقف.
— أنا ما عملتش توكيل لحد.
— عارفة.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
قلت ببطء:
— يعني إيه عارفة؟
— الورق كان عليه توقيع شبه توقيعك.
قمت من مكاني.
— مستحيل.
— أنا واجهته.
— وقالك إيه؟
— قال إنك عارفة وإنك موافقة.
— كداب!
— عارفة.
— عرفتي منين؟
ابتسمت بحزن.
— لأنك كنتِ قاعدة معايا اليوم اللي التاريخ المكتوب على التوكيل بيقول إنك وقّعتي فيه قدام الموظف.
رجلي ما بقتش شايلاني.
رجعت قعدت.
— وإنتِ سكتّي؟
دموعها لمعت.
— ودي أكبر غلطة عملتها.
قلت بعصبية:
— ليه؟!
— لأنه ابني.
صرخت:
— وأنا مرات ابنك! وأنا أم حفيدك!
نزلت دمعة على خدها.
— علشان كده بدأت أجمع دليل.
وأشارت للعلبة.
فتحت البلاستيك.
وبعدين العلبة.
كان جواها فلاشة صغيرة.
مفتاح.
ظرف بني.
وموبايل قديم.
بصيتلها.
— إيه ده؟
قالت:
— كل حاجة قدرت أوصل لها.
فتحت الظرف.
صور أوراق.
نسخة من التوكيل.
صورة بطاقتي.
عقد بيع مبدئي لقطعة الأرض.
وعقد قرض.
لكن الصدمة…
إن القرض كان باسمي.
شهقت.
— أنا ما مضيتش ده!
— عارفة.
قلبت الورق بسرعة.
وبعدين شفت حاجة خلتني أبطل أتنفس.
كان فيه صورة لمحادثة بين جوزي وشخص اسمه “محمود المكتب”.
جوزي كاتب:
“المهم التوقيع يعدي.”
والراجل رد:
“متقلقش، النسخة ممتازة.”
رفعت عيني لحماتي.
— إنتِ جبتي ده منين؟
— الموبايل القديم.
أشارت للهاتف الموجود في العلبة.
— كان سايبه عندي بعد ما اشترى الجديد. ولما شكيت فيه، فتحته.
— والباسورد؟
ابتسمت بمرارة.
— تاريخ ميلاد ابنه.
حطيت الورق على الترابيزة.
— ليه دفنتي كل ده في النبتة؟
قالت:
— لأني كنت خايفة.
— من ابنك؟
ما ردتش.
وده كان الرد.
قالت بعدها:
— واجهته إني عرفت موضوع التوكيل. اتغير تمامًا. قالي أبعد عن حياته وعن بيته، وإن لو حاولت أتدخل تاني مش هشوف حفيدي.
بدأت أفهم.
— فخبيتي الأدلة عندي؟
— كنت عايزة أحطها في مكان هو عمره ما هيفكر يدور فيه.
بصيت للنبتة الملقاة على أرض المطبخ.
— الأصيص.
هزت راسها.
— يوم حفلة البيت الجديد، وصلت قبله بشوية. دخلت المطبخ وحطيت العلبة في القاع وزرعت النبتة فوقها.
— ليه ما اديتهاليش في إيدي؟
بكت.
— لأني كنت جبانة.
الجملة خرجت منها مكسورة.
— كنت مستنية الوقت المناسب أقولك… وكل يوم أقول بكرة.
قلت:
— ست شهور؟!
— كل ما أشوفه معاكي كويس ومع ابنه، كنت أقنع نفسي يمكن يكون وقف.
ثم بصتلي.
— لحد الأسبوع اللي فات.
قلبي دق.
— حصل إيه الأسبوع اللي فات؟
مدت إيدها للفلاشة.
— دي وصلتني الأسبوع اللي فات.
— من مين؟
— الراجل اللي كان بيساعده في تزوير الورق.
— وليه يبعتهالك؟
— لأن ابنِي حاول يرمي عليه كل التهمة لما عرف إن فيه تحقيق ممكن يتفتح.
سألتها:
— إيه اللي على الفلاشة؟
قالت:
— تسجيلات.
مديت إيدي ناحية اللابتوب.
وصلت الفلاشة.
كان عليها ملفات صوت.
شغلت أول واحد.
وبعد ثواني…
سمعت صوت جوزي.
واضح جدًا.
“أول ما الأرض تتباع، هسدد اللي عليا ونخلص.”
صوت الراجل التاني سأله:
“ومراتك؟”
ضحك جوزي.
ضحكة أعرفها.
وقال:
“سارة بتثق فيا ثقة عمياء… عمرها ما هتراجع ورقة ورايا.”
حسيت إن حاجة جوايا ماتت.
لكن التسجيل كمل.
والراجل سأله:
“طب والبيت الجديد؟”
رد جوزي:
“البيت أهم حاجة. لو الدنيا اتقفشت، نصه باسمها… وأنا جوزها. الأمور هتتحل.”
وقفت التسجيل.
ماكنتش قادرة أسمع أكتر.
حماتي كانت بتعيط.
أما أنا…
ما عيطتش.
قلت:
— هنروح لمحامي.
رفعت راسها.
— دلوقتي؟
— دلوقتي.
— وجوزك؟
بصيت للساعة.
كان فاضل ساعتين ويرجع.
قلت:
— لما يرجع… مش هيلاقيني.
خدت ابني.
والعلبة.
والنبتة نفسها.
وخرجنا.
المحامي أول ما شاف الأوراق، ملامحه اتغيرت.
قال إن الموضوع أكبر من خلاف زوجي.
تزوير.
استخدام بيانات شخصية.
ومعاملات مالية محتاجة مراجعة فورية.
بدأنا الإجراءات القانونية اللازمة، واتأكدنا إن فيه أكتر من محاولة تمت باستخدام بياناتي من غير علمي.
وأنا قاعدة في مكتب المحامي…
موبايلي رن.
جوزي.
مرة.
اتنين.
خمس مرات.
وبعدين رسالة:
“إنتِ فين؟”
ما رديتش.
بعدها:
“أمي عندك؟”
وبعدين:
“سارة ردي فورًا.”
وبعد دقيقة…
وصلت الرسالة اللي أكدتلي إنه فهم.
“إنتِ لقيتي الأصيص؟”
وريت الرسالة للمحامي.
قال:
— ما تمسحيش حاجة.
بعدها جوزي اتصل بحماتي.
كانت قاعدة جنبي.
ردت وحطت المكالمة على السماعة.
صوته كان بيصرخ:
— إنتِ عملتي إيه؟!
قالت بهدوء:
— الحاجة الوحيدة اللي كان لازم أعملها من زمان.
— إنتِ خربتي بيتي!
بصتلي.
وقالت:
— لأ يا ابني… إنت اللي خربته يوم ما افتكرت إن ثقة مراتك غباء.
وقفلِت.
الشهور اللي بعدها ماكانتش سهلة.
الحقيقة ما بتحلش المشاكل بضغطة زر.
لكنها بتديك فرصة تواجهها بدل ما تعيش جوا كذبة.
قدرت أحمي الجزء الأكبر من ممتلكاتي بعد مراجعة كل المستندات والمعاملات، والمحامي تعامل مع باقي الأمور بالطريق القانوني.
أما جوازي…
فانتهى.
مش في اللحظة اللي سمعت فيها التسجيل.
هو كان انتهى من زمان.
أنا بس كنت آخر واحدة تعرف.
أما حماتي؟
علاقتنا اتكسرت فترة.
ماكنتش قادرة أسامحها بسهولة على سكوتها.
وهي ما طلبتش مني أسامحها.
قالتلي مرة:
— أنا اخترت ابني على حساب الحق في الأول… ولما فوقت، كنت تقريبًا ضيعتك إنتِ وحفيدي. لو عمرك ما سامحتيني، هفهم.
لكنها فضلت موجودة.
مش كحماتي السابقة.
كجدة ابني.
وكست حاولت، متأخر، تصلح غلطتها.
بعد سنة تقريبًا…
كنت بنقل حاجات في البيت لما ابني وقف جنب الشباك وقال:
— ماما… النبتة كبرت!
بصيت ناحيتها.
نفس النبتة.
كنت نقلتها لأصيص جديد بعد اليوم ده.
ضحكت.
قال:
— تيتا قالت إنها جابتهالك علشان تجيب طاقة حلوة.
بصيت للأوراق الخضرا الجديدة.
وقلت:
— هي فعلًا جابتلي حاجة أهم.
— إيه؟
حضنته.
— الحقيقة.
وبعد ما نام، وقفت قدام النبتة فترة طويلة.
الغريب إن الشيء اللي حماتي دفنته علشان تخبي الحقيقة…
كان هو نفسه اللي كشفها.
ومن يومها اتعلمت حاجة واحدة:
الثقة من غير حدود مش دايمًا حب… وأحيانًا أقرب شخص ليك هو أكتر شخص لازم ما تسلموش حياتك من غير ما تبص وراه.
أما الأصيص القديم؟
احتفظت بيه.
مش علشان الذكرى الحلوة…
لكن علشان كل ما أشوفه أفتكر إن أحيانًا الحاجة اللي بتكسر حياتنا…
بتكون هي نفسها اللي بتنقذنا منها.
تمت
✍️ الكاتبة: أسما السيد
ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن الكاتبة أسما السيد.




