روايات وقصص

درجة رجال أعمال حكايات اسما السيد 2

طول الساعات اللي بعدها، جوزي ما رجعش عندي تاني.

بس أنا كنت حاسة بيه.

كل شوية الستارة بتاعة درجة رجال الأعمال تتحرك، وألمحه واقف بعيد بيبص ناحيتي.

مرة بعصبية.

مرة بخوف.

ومرة ماسك موبايله وبيكتب بسرعة.

وأنا؟

كنت بحاول أعدّي الرحلة من غير ما أنهار.

واحد من التلاتة نام على صدري.

التاني كان بيعيط عشان ودنه وجعته من ضغط الطيارة.

والتالت قرر إن أنسب وقت يقلب الببرونة كلها على هدومي هو وأنا بحاول أغيّر حفاضة لأخوه.

وفي وسط كل ده…

موبايلي اهتز.

الرسالة كانت من نهى.

نهى صاحبتي من أيام الجامعة، والوحيدة تقريبًا اللي كنت بحكيلها تفاصيل جوازي.

هي نفسها اللي بعتلها صورة الحجز قبل الإقلاع.

فتحت رسالتها.

وكان مكتوب:

— “أول ما تنزلي كلّميني. داليا منصور مش موظفة في الفندق… وأنا عارفاها.”

قلبي دق بسرعة.

كتبت:

— تعرفيها منين؟

ظهرت علامة إنها بتكتب.

اختفت.

رجعت ظهرت.

وبعدين وصلني:

— “كانت شغالة مع جوزك.”

بصيت ناحية الستارة.

وبعت:

— كانت؟

ردت:

— “أيوه. وسابت الشغل من حوالي شهرين. بس الموضوع أكبر من كده.”

— أكبر إزاي؟

اتأخرت شوية.

وبعدين بعتت:

— “أسما… داليا كانت مخطوبة لأخويا.”

اتجمدت.

قريت الجملة تلات مرات.

أنا كنت أعرف إن أخو نهى كان خاطب بنت فترة قصيرة وإن الخطوبة اتفسخت فجأة.

بس عمري ما سألت عن التفاصيل.

كتبت بسرعة:

— هي دي؟!

— “هي.”

وبعدين بعتت رسالة تانية:

— “والخطوبة اتفسخت لما أخويا اكتشف إنها على  براجل متجوز.”

حسيت إن صوت الطيارة كله اختفى.

فضلت باصة للشاشة.

وبعدين كتبت بإيد بتترعش:

— الراجل كان جوزي؟

عدت دقيقة.

اتنين.

وبعدين ردت:

— “أنا مش هقولك حاجة مش متأكدة منها. بس بعد الصورة اللي بعتيها… لازم تعرفي إن أخويا عنده دليل.”

قفلت عيني.

كنت مستنية أحس بصدمة.

بوجع.

بغيرة.

لكن الغريب إني ماحستش بأي حاجة من دول.

حسيت بس…

إن قطع البازل أخيرًا بدأت تركب.

الساعات الإضافية في الشغل.

المكالمات اللي كان بيخرج البلكونة يرد عليها.

كلمة السر الجديدة على موبايله.

العطر الغريب اللي شمّيته على قميصه مرة وقال إن واحدة من زمايله رشّت برفان في المكتب.

والرحلة.

طبعًا الرحلة.

فجأة فهمت ليه كان مصر نسافر للمكان ده بالذات.

وليه أنا اللي أدفع.

وليه حجز لنفسه جناح بعيد عني وعن الأطفال.

هو ماكانش بيهرب من التلات توائم.

هو كان بيجهز لنفسه إجازة مع واحدة تانية…

على حسابي أنا.

لكن كان فيه سؤال واحد مجنني.

لو داليا مسافرة معانا…

هي فين؟

رفعت راسي ببطء.

وبصيت حواليا.

وبدأت أفتكر الركاب اللي ركبوا الطيارة.

وفجأة…

افتكرت ست.

كانت واقفة قدامنا عند بوابة الصعود.

شعرها أسود طويل.

نضارة شمس كبيرة.

وشنطة صغيرة لونها بيج.

كانت لوحدها.

والأغرب…

إن جوزي لما شافها عند البوابة، بعد عني فجأة وقال:

— هروح الحمام.

في اللحظة دي، معدتي اتقبضت.

فتحت رسالة نهى وبعت:

— ابعتيلي صورة داليا.

بعد أقل من دقيقة، الصورة وصلت.

فتحتها.

وبمجرد ما شوفت وشها…

اتنفست ببطء.

هي.

نفس الست.

رفعت عيني ناحية درجة رجال الأعمال.

وبعدين حصل شيء ماكنتش متوقعاه.

الستارة اتفتحت.

وخرجت منها…

داليا.

كانت بتعدل شعرها ووشها متوتر.

ولما عيني جت في عينها…

وقفت مكانها.

أنا ما اتحركتش.

ولا هي.

ثانيتين كاملين فضلنا باصين لبعض.

وبعدين…

بصت ناحية جوزي اللي كان واقف وراها.

وشها اتغير.

لفت له وقالت بصوت واضح:

— إنت قلتلي إنها مش جاية الرحلة دي!

كام راكب لف ناحيتهم.

وجوزي قرب منها بسرعة وقال:

— وطي صوتك.

لكنها زقّت إيده.

— إنت قلتلي إنها هتسافر بعدنا بيوم!

بصيتله.

وهو بصلي.

وفي اللحظة دي، حتى آخر ذرة شك عندي اختفت.

قلت بهدوء:

— كمّلي يا داليا.

بصتلي.

وبعدين بصت للأطفال.

ملامحها اتبدلت.

وقالت:

— أنا… ماكنتش أعرف إن الأطفال معاكي.

ضحكت ضحكة قصيرة.

— وإيه اللي كنتِ تعرفيه؟

جوزي دخل بسرعة:

— محدش هيتكلم هنا.

قلت:

— لأ، بالعكس. أنا مهتمة جدًا أسمع.

داليا بصتله بغضب.

— إنت قلتلي إنكم منفصلين.

قلت:

— منفصلين؟

— وإن الرحلة دي آخر حاجة بينكم… وإنك هتروحي بالأطفال عند أهلك بعدها.

بصيت لجوزي.

— جميل.

قال بعصبية:

— هي بتكدب.

داليا صرخت:

— أنا اللي بكدب؟!

المضيفة ظهرت فورًا وطلبت منهم يرجعوا لمقاعدهم.

لكن قبل ما داليا تتحرك، قالتلي جملة خلتني أركز معاها:

— فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما ننزل.

جوزي مسك دراعها.

— داليا!

نزعت إيدها منه وقالت:

— سيبني.

وبعدين بصتلي وقالت:

— الفلوس اللي دفعتيها للرحلة دي…

سكتت.

وجوزي قال بصوت عالي:

— اخرسي!

كل اللي حوالينا سكتوا.

داليا بصتله لحظة.

وبعدين قالت:

— مش أول فلوس خدها منك وصرفها عليا.

حسيت الدم بيغلي في عروقي.

لكنها كملت:

— وأنا عندي تحويلات تثبت ده.

جوزي قرب منها وهو بيهددها بعينيه.

فقالت بسرعة:

— مش بس كده.

بصتلي مباشرة.

— هو قالي إن الفلوس دي من حسابه.

سألتها:

— كام؟

ما ردتش فورًا.

— داليا… كام؟

بلعت ريقها.

وقالت رقم خلاني أنسى للحظة حتى صوت الأطفال.

— حوالي مليون ومتين ألف جنيه خلال سنة.

ضحكت.

مش عشان الموضوع مضحك.

لكن لأن الرقم كان مستحيل.

قلت:

— أنا أصلًا ماعنديش مليون ومتين ألف جنيه.

داليا هزت راسها ببطء.

— عارفة.

سكتت ثانية.

ثم قالت:

— عشان كده لازم تسأليه الفلوس دي كانت جاية منين.

جوزي رجع خطوة.

ولأول مرة…

شفت الرعب الحقيقي في عينيه.

مش رعب راجل اتقفش  مراته.

رعب راجل عارف إن سر أكبر بكتير قرب يتكشف.

وقبل ما أقدر أسأل أي سؤال…

موبايلي اهتز.

إشعار من البنك.

فتحته.

وقريت الرسالة.

“تم رفض محاولة خصم مبلغ 186,000 جنيه لعدم كفاية الرصيد.”

بصيت على اسم الجهة اللي حاولت تخصم المبلغ.

ماكنش فندق.

ولا شركة سياحة.

كان اسم شركة عمري ما سمعت عنها.

لكن تحت اسم الشركة…

كان فيه رقم مرجعي.

رقم مألوف جدًا.

لأني شوفته قبل كده.

على ورقة جوزي خلاني أمضي عليها من حوالي ست شهور وهو بيقول:

— دي مجرد ورقة تأمين خاصة بالأطفال.

رفعت عيني ببطء.

جوزي كان لسه واقف قدامي.

قلت:

— الورقة اللي مضيتني عليها من ست شهور…

وشه اصفر أكتر.

— مالها؟

قربت الشاشة منه.

— واضح إنها ماكنتش تأمين للأطفال.

ما ردش.

قلت:

— أنا مضيت على إيه؟

وساعتها…

داليا هي اللي ردت بدلًا منه.

— على ضمان قرض.

بصيت لها.

فكملت:

— قرض كبير جدًا.

سألتها وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك من تحتي:

— قد إيه؟

لكن قبل ما تجاوب…

جوزي قال:

— ولا كلمة يا داليا.

داليا ابتسمت له بمرارة.

وبعدين بصتلي وقالت:

— خمسة ملايين جنيه.

وفي اللحظة دي فهمت إن …

كانت أصغر مشكلة عندي.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى