سيادة العقيد حكايات اسما السيد 1

امراه تحمل رتبه عقيد في الجيش راحت تزور قبر بنتها… لكنها وجدت عامل نظافة أرمل بيعيط هو وبنته، قربت، سمعت و اللي عرفته بعدها غيّر حياتها للأبد. كانت العقيد نهى فوزي ماشية وسط المقابر بنفس الثبات اللي كانت بتمشي بيه وسط أي أزمة في خدمتها—ظهرها مستقيم، خطواتها متزنة، كأن الهوا البارد مش قادر يلمسها.
صفوف الرخام واقفة في نظام يشبه طابور عسكري. وفي النص، بين أسماء شهداء وضباط وجنود، كان فيه شاهد واحد بس قادر يكسّر قلبها كل مرة:
الملازم الأولى سلمى نهى فوزي.حكـايات أسمـا السيـد
بنتها الوحيدة. ٢٤ سنة وقت الحادث.
العربية المدرعة اتقلبت… وما رجعتش.
الناس كانت تعرف نهى إنها “نهى الحديد”. أول ست تمسك وحدة لوجستية كبيرة. صوت هادي تحت الضغط، وقرارات صعبة بتتخذ بثبات.
حكـايات أسمـا السيـد
بس هنا… وسط القبور… لا رتبة لها معنى.
هنا هي أم بس… أم مكسورة.
وصلت للصف الرابع عشر… الرابع من الآخر… عند الجميزة اللي بتقع ورقها بدري كل سنة.
لكن المرة دي… حد كان راكع عند القبر.
رجل بسيط، لابس أوفرآل صيانة باهت. راجل مهدود من التعب.
وجنبُه بنت صغيرة، حوالي ست سنين، ماسكة شوية ورد بري متبهدل.
الاتنين كانوا بيعيطوا… في صمت.
نهى وقفت.
قلبها اتشد.
مين؟ وليه هنا؟
اتقدمت بخطوة:حكـايات أسمـا السيـد
“لو سمحت… دا قبر بنتي.”
اتخضّ الرجل وقام بسرعة، والبنت كانت هتقع.
“آسف يا فندم… مكنّاش نقصِد… هنمشي حالًا.”
نهى هزّت راسها:حكـايات أسمـا السيـد
“لأ. أنا مقلتش تمشوا. بس… عمري ما شوفتكم هنا.”
سكت الرجل لحظة… وقال:
“إحنا بنيجي كل أسبوع.”
كل. أسبوع.
“ليه؟”
تنفّس بعمق… وقال:
“أنا اسمي سامح عبدالعزيز. عامل نظافة في المعسكر.
ودي بنتي… ملك.”
ملك خرجت خطوة صغيرة، وعدّلت ورقة صغيرة كانت حطاها على القبر، وبصوت هادي مكسور قالت:
“آسفة… يا طنط سلمى.”
حكـايات أسمـا السيـد
الاعتذار ضرب نهى في قلبها.
“آسفة على إيه يا حبيبتي؟”
سامح قال بصوت راجف:
“عشان بنتك… ..لو عجبتك الرواية لايك و سيبلي كومنت وهرد عليك باللينك الرواية كامله بترتيب فصولها “الحكاية لم تنتهِ بعد…”
الكاتبة أسما السيد
سامح قال بصوت راجف:
— عشان بنتك… ماتت وهي بتنقذ ملك.
الجملة وقعت على نهى كأن حد ضربها في صدرها.
فضلت واقفة مكانها ثواني، عينيها ثابتة على سامح، لكن ملامحها اتغيرت تمامًا.
— إنت قلت إيه؟
سامح بلع ريقه.
— الملازم سلمى… أنقذت بنتي يوم الحادث.
نهى قربت منه خطوة.
— حادث إيه؟ العربية المدرعة اتقلبت في طريق الرجوع من مأمورية. ده اللي موجود في التقرير… وده اللي اتقال لي.
سامح نزل عينه للأرض.
ملك شدت إيده أكتر.
نهى لاحظت خوفه.
والعقيد اللي جواها ظهرت للحظة بدل الأم.
قالت بصوت هادي… لكنه مخيف:
— بصلي يا سامح.
رفع عينه بالعافية.
— إنت عارف حاجة عن موت بنتي أنا معرفهاش؟
سامح ما ردش.
— سألتك سؤال.
ملك فجأة قالت:
— بابا… قول لها.
سامح بص لبنته بسرعة.
— ملك، اسكتي يا حبيبتي.
لكن الطفلة بدأت تعيط.
— قول لها يا بابا… طنط سلمى قالت ما نخافش.
نهى حسّت إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.
نزلت على ركبتها قدام ملك.
لأول مرة، صوت “نهى الحديد” اختفى تمامًا.
— ملك… بصيلي يا حبيبتي.
الطفلة رفعت عينيها الحمرا من العياط.
— إنتِ كنتِ تعرفي سلمى؟
ملك هزت راسها.
— أيوه.
نهى شهقت بهدوء.
— منين؟
ملك بصت لأبوها.
سامح مسح وشه بإيده وقال:
— أنا هحكيلك يا فندم… بس أوعديني إن بنتي ماتدخلش في أي تحقيق ولا تتسأل لوحدها.
نهى وقفت.
— احكي الأول.
سامح أخد نفس طويل.
وبص لقبر سلمى.
— يوم الحادث… أنا كنت شغال وردية ليل في مخزن تابع للمعسكر. أمي كانت تعبانة ومفيش حد يقعد مع ملك، فاضطريت آخدها معايا.
نهى عقدت حواجبها.
— دخلت طفلة منطقة عسكرية؟
— ما دخلتهاش جوه يا فندم. كانت قاعدة في غرفة الخدمات عند البوابة القديمة… بعيد عن الوحدات.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
— الدنيا مطرت جامد الليلة دي. وفي آخر الوردية، حصل ماس كهربائي في غرفة الخدمات.
نهى بدأت تسمع وهي حابسة نفسها.
— ملك كانت جوا؟
هز سامح راسه.
— وأنا كنت في الناحية التانية من المخزن.
ملك بدأت تبكي أكتر.
سامح ضمها لصدره.
— الدخان ملا المكان… والباب الحديد علّق. الناس حاولت تفتحه، وأنا كنت بجري زي المجنون وبصرخ إن بنتي جوا.
نهى همست:
— وسلمى؟
سامح رفع عينه لها.
— بنتك كانت راجعة بالعربية مع زملائها.
سكت.
ثم قال:
— أول ما سمعت صريخ ملك… نزلت.
نهى حطت إيدها على فمها.
سامح كمل:
— الضابط اللي معاها قال لها تستنى الدفاع المدني، وإن المكان خطر.
صوت سامح اتكسر.
— لكنها سمعت ملك بتنادي: “بابا”.
ملك مسحت دموعها وقالت:
— طنط سلمى دخلتلي.
نهى بصت لها.
ملك كملت بصوت طفولي مرتعش:
— كنت مستخبية تحت الترابيزة… والدخان كان بيخليني مش شايفة حاجة.
نهى نزلت دمعة من عينها.
ملك قالت:
— هي شالتني… ولفت الجاكيت بتاعها حواليا.
سامح شهق وهو بيحاول يكمل بدل بنته:
— خرجت بيها من المكان… وسلمتهالي بإيديها.
نهى بصت ناحية اسم بنتها المحفور على الرخام.
— وبعدين؟
هنا سامح سكت.
ونهى عرفت إن الجزء الأسوأ لسه جاي.
— سامح… وبعدين إيه؟
قال:
— بعد ما سلمتني ملك… حصل انفجار صغير جوه غرفة الكهرباء.
نهى شهقت.
— وسلمى اتصابت؟
— أيوه… لكن الإصابة ما كانتش هي اللي قتلتها.
نهى لفّت له ببطء.
— يعني إيه؟
سامح تردد.
— العربية اللي كانت بتنقلها للمستشفى… هي اللي حصل لها الحادث.
نهى رمشت كذا مرة.
— لأ.
سامح سكت.
— لأ… التقرير بيقول إن سلمى كانت جوه العربية من البداية، وإنها توفت نتيجة انقلاب المدرعة أثناء المأمورية.
— التقرير ما قالش الحقيقة كاملة يا فندم.
نهى قربت منه لدرجة إنه رجع خطوة.
— وإنت عرفت منين؟
سامح مد إيده جوه الأوفرآل.
طلع محفظة قديمة.
ومنها أخرج كيس بلاستيك صغير مطوي بعناية.
فتحه.
كان جواه ميدالية عسكرية صغيرة وسلسلة رفيعة.
نهى أول ما شافتها…
ركبها خانتها.
— دي…
مدت إيدها المرتعشة.
— دي بتاعة سلمى.
سامح هز راسه.
— وقعت منها وهي بتسلمني ملك.
نهى مسكت الميدالية.
قلبتها.
على ظهرها كان محفور بخط صغير:
“ماما… قوتي منك.”
نهى قفلت عينيها.
وضمت الميدالية لصدرها.
ولأول مرة من يوم جنازة بنتها…
انهارت.
مش دمعتين في هدوء.
لأ.
قعدت على الأرض قدام القبر وعيطت بصوت أم فقدت آخر حاجة كانت ماسكة نفسها علشانها.
ملك سابت إيد أبوها.
وقربت من نهى.
وحطت إيدها الصغيرة على كتفها.
— ماتعيطيش يا خالتو.
نهى رفعت وشها لها.
ملك قالت:
— طنط سلمى قالتلي قبل ما تمشي: “خليكي شاطرة وماتخليش بابا يعيط.”
نهى شهقت.
ومدت دراعها.
ملك قربت منها.
نهى حضنتها.
حضنت الطفلة اللي كانت آخر إنسان سلمى أنقذته.
سامح لف وشه بعيد وهو بيعيط.
مر وقت طويل قبل ما نهى تهدى.
وبعدين رفعت رأسها وقالت:
— ليه ما جيتش قلتلي الكلام ده من زمان؟
سامح اتوتر.
— حاولت.
— إمتى؟
— بعد الجنازة بأسبوع.
نهى سكتت.
— رحت المعسكر وطلبت أقابلك. قالولي إنك مش موجودة.
— كنت موجودة.
سامح بص لها.
— رجعت تاني بعدها بكام يوم.
— وبعدين؟
— اتقال لي بالحرف… “الموضوع اتقفل، ومافيش داعي تفتح كلام يوجع أهل الضابطة.”
ملامح نهى اتجمدت.
— مين قالك كده؟
سامح نزل عينه.
— مش فاكر اسمه.
نهى عرفته من تردده.
— إنت فاكر.
سامح ما ردش.
— سامح… أنا مش بسأل دلوقتي بصفتي أم سلمى.
سكتت لحظة.
— أنا بسألك بصفتي عقيد في القوات المسلحة. مين منعك توصل لي؟
سامح بلع ريقه.
— يا فندم…
— اسمه.
رفع سامح عينه لها.
وقبل ما ينطق…
ملك مدت الورقة اللي كانت حطاها فوق القبر لنهى.
— دي كمان بتاعة طنط سلمى.
نهى بصت للورقة.
— إيه دي؟
قالت ملك:
— بابا لقيناها في الجاكيت اللي طنط سلمى لفّتني بيه.
سامح اتخض.
— ملك!
نهى خطفت عينيها ناحية سامح.
— جاكيت إيه؟
سامح وشه شحب.
— يا فندم، الورقة دي يمكن ملهاش علاقة…
نهى فتحتها.
كانت الورقة قديمة، أطرافها متأثرة بالمياه.
لكن الخط…
عرفته فورًا.
خط سلمى.
وفي أعلى الصفحة كان مكتوب:
“إلى العقيد نهى فوزي — شخصي وعاجل.”
إيد نهى بدأت ترتعش.
فتحت الورقة بالكامل.
قرأت أول سطر.
ثم رفعت عينيها لسامح بصدمة.
لأن بنتها كانت كاتبة قبل موتها بساعات:
“ماما… لو الورقة دي وصلتلك، يبقى غالبًا أنا ماقدرتش أقولك بنفسي. الحادث اللي بيحصل في الوحدة مش صدفة… وفي حد بيزوّر سجلات الصيانة.”
نهى حسّت الدم يهرب من وشها.
بصت لقبر بنتها.
ثم للورقة.
ثم لسامح.
وسألته بصوت بالكاد خرج:
— مين شاف الورقة دي غيرك؟
سامح قال:
— محدش.
وفجأة…
صوت عربية وقف عند مدخل المقابر.
سامح بص وراه.
ملامحه اتغيرت.
ملك مسكت هدوم أبوها بخوف.
نهى لاحظت.
— مالك؟
سامح همس:
— العربية دي…
— فيها إيه؟
سامح بص لها والرعب واضح في عينيه.
— دي نفس العربية اللي بشوفها كل مرة بنيجي نزور قبر بنتك.
نهى وقفت ببطء.
رجعت “نهى الحديد” في ثانية.
طوت رسالة سلمى وحطتها جوه جيبها.
ومسحت دموعها.
— خد ملك… وخليك ورايا.
سامح همس:
— يا فندم، إحنا نمشي أحسن.
نهى بصت ناحية العربية السودا الواقفة بعيد.
وقالت بهدوء مخيف:
— لأ يا سامح.
إيدها شدت على الميدالية اللي كانت بتاعة بنتها.
— أنا فضلت سنة كاملة فاكرة إن بنتي ماتت في حادث.
ورفعت عينيها للعربية.
— دلوقتي عايزة أعرف… هي ماتت فعلًا في حادث؟
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




