ثلاث توائم حكايات اسما السيد 2

الممرضة قربت بالملف. — فيه طلب اتقدم من كام أسبوع بخصوص الطفل الثالث. قلت وأنا مش فاهمة: — طلب إيه؟ بصت للورق. — طلب مبدئي لإضافة شخصين كجهة رعاية محتملة للطفل بعد الولادة. قلبي بدأ يخبط. — مين الشخصين؟ اترددت. وبعدين قالت اسمي أخويا ومراته. حسيت إني مش سامعة كويس. — مستحيل.
— علشان كده بسألك. الورقة موجود فيها اسمك.
مدت الملف ناحيتي.
بصيت.
اسمي كامل.
رقمي القومي.
بيانات حملي.
اسم جوزي.
وتحتهم…
توقيع.
توقيع شبه توقيعي.
لكن مش توقيعي.
قلت:
— أنا عمري ما مضيت الورقة دي.
الممرضة سحبت نفسًا طويلًا.
— كنت متوقعة تقولي كده.
— ليه؟
قلبت الصفحة.
— لأننا لاحظنا اختلافًا في التوقيع عن توقيعات الموافقات الطبية اللي مضيتيها وقت الدخول.
برد سرى في جسمي.
وفجأة افتكرت.
قبل شهرين، أمي كانت عندي.
قالتلي وقتها إن فيه أوراق تأمين للمستشفى محتاجة صورة بطاقتي وبعض البيانات.
أنا ما سألتش كتير.
دي أمي.
اديتها صورة البطاقة.
وبعدها بأسبوع، أبويا طلب مني أمضي ورقتين وقال إنهم متعلقين بإجراء مالي كان بيخلصه باسمي من زمان.
وقتها جوزي اتضايق.
وقال:
— متوقعيش حاجة من غير ما تقريها.
زعلت منه.
قلتله:
— ده أبويا.
دلوقتي الجملة دي رجعت تضربني في دماغي.
“ده أبويا.”
همست:
— يا نهار أبيض…
الممرضة قالت:
— فيه حاجة تانية.
— إيه؟
— الطلب اترفض.
تنفست.
لكنها كملت:
— وبعد الرفض، حد اتصل بالمستشفى أكتر من مرة يسأل: إيه الإجراءات لو الأم وافقت بعد الولادة مباشرة؟
غمضت عيني.
— مين؟
قالت:
— ست قالت إنها والدتك.
فتحت عيني بسرعة.
وفي اللحظة دي، فهمت جزءًا من الصورة.
لكن الجزء الأبشع لسه ناقص.
سألت:
— وليه رفضوا ييجوا ياخدوني ليلة الولادة؟
الممرضة ماعرفتش تجاوب.
لكن الإجابة جت بعد حوالي ساعة.
لما الباب اتفتح…
وجوزي دخل.
كان لسه بملابس السفر.
وشه مرهق.
نفسه مقطوع.
وأول ما شافني، جري عليا.
حضني بحذر وهو بيقول:
— أنا آسف… آسف إني سبتك.
عيطت في حضنه.
— متعتذرش… إنت مكنتش تعرف.
بعدها بص لأولاده.
ولما شاف التلات حضانات، دموعه نزلت.
— دول… كلهم كويسين؟
هزيت راسي.
— الحمد لله.
قرب منهم، وحط إيده على زجاج أول حضانة.
— بابا جه.
كنت هعيط من جديد.
لكن بعدها قلت:
— لازم أقولك حاجة.
حكيتله كل شيء.
طلب أبويا.
محاولة أخد الطفل.
الخبطة.
الورقة.
التوقيع.
وكل ما كنت بتكلم، ملامحه كانت بتتغير.
لحد ما قلت:
— وفي حاجة مش فاهمها. هما ليه رفضوا ييجوا ياخدوني وأنا بولد؟
جوزي لف ناحيتي ببطء.
— لأنهم كانوا عارفين إني مش موجود.
— طبيعي، أنا قلت لماما.
— لأ.
قرب مني.
— أقصد إنهم كانوا عارفين بالضبط إمتى هسافر.
— ما أنا قلت…
قاطعني:
— إنتِ مقولتيش لأخوكي أنا مسافر فين، صح؟
— لأ.
— ولا اسم الشركة اللي كنت رايح أقابلها؟
— لأ.
طلع موبايله.
فتح رسالة.
وحطه قدامي.
كانت من رقم أخويا.
قبل سفري بيوم.
“مبروك على صفقة الإسكندرية. رحلة موفقة.”
بصيت لجوزي.
— هو عرف منين؟
قال:
— السؤال الأهم…
وسكت.
— إيه؟
بصلي في عيني.
— مين اللي أصر إن الاجتماع يتحدد في التلات أيام دول؟
قلبي وقع.
— مين؟
رد:
— أبوكي.
فضلت أبص لجوزي كأني مستنية يقول إنه بيهزر.
— بابا؟
هز راسه.
— الشركة اللي كنت رايح أقابلها فيها واحد شريك قديم لأبوكي. هو اللي رشحني للمشروع من الأساس.
— وإنت مقولتليش ليه؟
— لأن مكنش فيه سبب أشك. اعتبرتها مساعدة منه.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— بس بعد اللي حصل… الموضوع مبقاش طبيعي.
بدأنا نراجع التواريخ.
موعد سفري اتحدد قبلها بأسبوعين.
في نفس الأسبوع، أمي بدأت تسألني أسئلة غريبة:
“الدكتور متوقع الولادة إمتى؟”
“لو حصلت ولادة فجأة وجوزك مش موجود مين هيدخل معاكي؟”
“الأطفال هيتنقلوا حضانات؟”
وقتها حسبتها أسئلة أم خايفة على بنتها.
لكن دلوقتي كل سؤال كان شكله مختلف.
في اليوم التالي، إدارة المستشفى طلبت مني إفادة رسمية عن اللي حصل.
جوزي قال:
— هنبلغ رسمي.
ترددت.
مش علشان أبويا.
لكن علشان أمي.
أخويا.
العيلة.
الكلام.
الفضايح.
جوزي فهم ترددي.
قعد جنبي وقال:
— بصيلي.
بصيتله.
— لو سكتنا النهارده، بكرة ممكن يحاولوا تاني. أنا مش هسيب ولادنا يعيشوا وهم معرضين إن حد يعتبر واحد فيهم حق مكتسب.
كانت دي اللحظة اللي حسمتني.
قلت:
— بلغ.
وبدأ التحقيق الداخلي في المستشفى.
وبعد مراجعة الأوراق، اكتشفوا حاجة أخطر.
الطلب اللي اتقدم باسمنا ماكانش مجرد استفسار.
كان معاه مستند بيقول إننا “مبدئيًا غير قادرين على رعاية ثلاثة أطفال بسبب ظروف مالية وصحية”.
صرخت:
— ظروف مالية إيه؟!
جوزي أخد الورقة.
قرأها.
وشه احمر.
— هما بيجهزوا قصة كاملة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في خانة المرفقات.
كان فيه تقرير طبي عن حالتي النفسية.
مكتوب فيه إني عانيت خلال الحمل من “نوبات اضطراب وانفعال شديد”، وإن قدرتي على اتخاذ قرارات بعد الولادة قد تكون “متأثرة”.
أنا عمري ما رحت لطبيب نفسي.
وعمري ما اتشخصت بحاجة زي دي.
سألت:
— مين كتب التقرير؟
الموظفة قالت:
— اسم طبيب موجود عليه.
جوزي بحث عنه.
وسكت.
— تعرفه؟
رفع عينه.
— ده الدكتور اللي مرات أخوكي كانت بتتعالج عنده.
وقتها فهمت ليه أبويا قال:
“إنتِ مش في حالة تسمحلك تاخدي قرارات.”
مكنش بيحاول يهدي الموقف.
كان بيكرر الجملة اللي مجهزينها من شهور.
لو قاومت…
يقولوا متوترة.
لو صرخت…
يقولوا غير مستقرة.
لو رفضت…
يقولوا البنج مأثر عليها.
كل حاجة كانت متحضرة.
لكن فضل سؤال واحد.
ليه كانوا واثقين إني هولد وأنا لوحدي؟
الإجابة جت لما رجعنا لتسجيل مكالمتي مع أمي.
أنا كنت فاكرة إن المكالمة عادية.
لكن شركة الاتصالات أثبتت إن بعد مكالمتي مباشرة، أمي عملت اتصال.
مش بالإسعاف.
ولا بأخويا.
اتصلت بمرات أخويا.
مدة المكالمة كانت سبع دقايق.
وبعدها بدقيقة…
أخويا اتصل بأبويا.
يعني وهما عارفين إني لوحدي، والمية نزلت، وبتلوى من الألم…
بدل ما ييجوا ينقذوني…
اتجمعوا يتكلموا.
جوزي قال بغضب:
— كانوا مستنيينك توصلي المستشفى لوحدك.
هززت راسي.
لكن كان فيه حاجة أسوأ بتتكون في دماغي.
قلت:
— لأ.
— إيه؟
— هما مكانوش مستنييني أوصل المستشفى لوحدي بس.
بصيت ناحية أطفالي.
— كانوا مستنيين إني أولد وأنا منهارة… من غيرك… علشان أبقى أضعف وقت ممكن.
وفي اللحظة دي، موبايل جوزي رن.
رقم أبويا.
جوزي رفض المكالمة.
بعد ثواني وصلت رسالة صوتية.
شغلناها.
صوت أبويا خرج هادي بشكل مرعب:
— قول لمراتك تبطل اللي بتعمله. لو الورق ده اتفتح رسمي، حاجات كتير هتطلع للنور… وحاجات تخص ولادكم نفسهم. وهي مش هتستحمل تعرف الحقيقة.
أنا وجوزي بصينا لبعض.
ولأول مرة…
الخوف اللي حسيت بيه مكنش من إنهم ياخدوا واحد من ولادي.
كان من السؤال اللي خرج من بقي بصوت ضعيف:
— حقيقة إيه اللي تخص ولادي؟
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



