روايات وقصص

ثلاث توائم حكايات اسما السيد 3

فضل صوت أبويا بيرن في وداني: “حاجات تخص ولادكم نفسهم… وهي مش هتستحمل تعرف الحقيقة.” بصيت لجوزي. — هو يقصد إيه؟ هز راسه. — معرفش. لكن عينيه قالتلي إنه خايف زيي. مددت إيدي. — شغّل الرسالة تاني. سمعناها. مرة. واتنين. وتلاتة. وفي المرة الرابعة، جوزي وقف التسجيل عند جملة:

 

“لو الورق ده اتفتح رسمي…”

وقال:

— هو خايف من الورق.

— يعني إيه؟

— يعني السر موجود في مستندات. مش مجرد كلام عيلة.

سكت لحظة، وبعدين سألني:

— أبوكي كان معاه أي أوراق تخص علاجنا أو الحمل؟

كنت هقول لأ.

لكن فجأة افتكرت حاجة.

في أول شهور الحمل، شركة التأمين طلبت مستندات كتير.

وأبويا وقتها أصر يساعدنا لأن جوزي كان مضغوط في الشغل.

أخد صور التحاليل.

تقارير المتابعة.

صورة بطاقتي.

وحتى نسخة من ملف علاجات تأخر الحمل.

همست:

— كان معاه كل حاجة تقريبًا.

جوزي حط إيده على جبينه.

— يا رب استر.

بعد ساعتين، دخلت علينا موظفة من الشؤون القانونية بالمستشفى.

كانت معاها مديرة التمريض.

قالت:

— لقينا حاجة أثناء مراجعة الملف.

قلبي انقبض.

— إيه؟

حطت قدامي دوسيه أزرق.

— المستندات اللي اتقدمت بخصوص الطفل الثالث كان معاها صورة من تقرير قديم جدًا من مركز الخصوبة اللي كنتوا بتتابعوا فيه.

بصيت لجوزي.

— تقرير إيه؟

فتحت الملف.

كان فيه جدول.

تواريخ.

أرقام عينات.

وأسماء.

اسمي.

اسم جوزي.

ورقم ملف العلاج.

لكن تحت خانة ملاحظات المعمل، كان فيه سطر متعلم عليه بقلم أحمر.

جوزي قرأه.

وسكت.

قلت بخوف:

— مكتوب إيه؟

ناولني الورقة.

قرأتها.

ومفهمتش.

— يعني إيه “مراجعة مصدر العينة”؟

الموظفة قالت:

— إحنا مستشفى ولادة، مش مركز خصوبة. مقدرش أفسر تقرير صادر من مكان تاني. لكن الواضح إن فيه ملاحظة على بيانات عينة مستخدمة في دورة علاج سابقة.

جوزي قام.

— هنروح المركز.

مسكت إيده.

— دلوقتي؟

بص لأولادنا.

— مش هنسيبهم.

قالت مديرة التمريض:

— وطبعًا مش مناسب لحضرتك تخرجي. لكن ممكن تطلبوا نسخة رسمية من ملفكم.

جوزي عمل الطلب فورًا.

وبعد ساعات، وصل الرد.

الملف الأصلي أقدم من الحمل بسنين.

لكن كان فيه صفحة ناقصة من النسخة اللي معانا في البيت.

صفحة واحدة.

وعليها توقيع استلام.

اسم المستلم؟

أبويا.

بصيت لجوزي وأنا حاسة إن جسمي كله بارد.

— بابا استلم صفحة من ملف علاجي ليه؟

محدش جاوب.

لكن في نفس اللحظة، أمي اتصلت بيا.

رفضت المكالمة.

اتصلت تاني.

رفضت.

التالتة…

رديت.

— عايزة إيه؟

صوتها كان مكسور.

— لازم أشوفك لوحدنا.

— مفيش بيني وبينكم لوحدنا تاني.

— أرجوكي.

— قولي في التليفون.

سكتت.

وبعدين سمعتها بتعيط.

— أبوكي مش عارف إني بكلمك.

قلبي دق أسرع.

— قولي.

قالت:

— الحكاية بدأت قبل حملك بسنين.

غمضت عيني.

— كملي.

— وإحنا غلطنا… غلطنا غلطة كبيرة.

— في إيه؟

سمعت نفسها بيترعش.

ثم قالت:

— في علاجك.

قلت:

— علاج إيه؟

أمي كانت بتعيط.

— علاج تأخر الحمل.

بصيت لجوزي.

قرب مني وشغل المكالمة على السماعة.

أمي كملت:

— فاكرة لما كنتوا بتعملوا أول محاولة علاج؟

— أيوه.

إزاي أنسى؟

كانت من أصعب فترات حياتي.

تحاليل.

حقن.

انتظار.

وأمل بيتولد كل شهر ويموت بعده.

قالت أمي:

— وقتها أخوكي ومراته كانوا بيتعالجوا في نفس المركز.

اتجمدت.

— إيه علاقة ده بيا؟

سكتت.

صرخت:

— ماما!

قالت بسرعة:

— حصلت مشكلة في الملفات.

— مشكلة إيه؟

— معرفش التفاصيل كلها… والله معرفش.

جوزي تدخل:

— حضرتك عارفة كفاية. اتكلمي.

سكتت ثواني.

ثم قالت:

— أبوكي اكتشف إن فيه خطأ إداري حصل في إحدى دورات العلاج القديمة… وإن بيانات عينات اتبدلت في النظام لفترة قصيرة.

حسيت قلبي هيقف.

— عينات مين؟

— بتاعتكم… وبتاعت أخوكي.

مقدرتش أتكلم.

جوزي أخد التليفون.

— وإيه اللي حصل بعدها؟

أمي قالت:

— المركز قال إن الخطأ اتكتشف قبل استخدام أي عينة وإن كل حاجة اتصححت.

جوزي انفجر:

— يبقى فين السر؟!

أمي عيطت أكتر.

— لأن أبوها معرفش يصدقهم.

رفعت صوتي:

— وبعدين؟!

— عمل تحليل من وراكم.

— تحليل إيه؟

الصمت طال.

قلت:

— ماما… تحليل إيه؟

ردت:

— تحليل نسب.

حسيت إن الأوضة مالت بيا.

جوزي أمسك كتفي.

— نسب لمين؟

أمي شهقت وهي بتعيط:

— للأطفال.

قلت:

— ولادي لسه مولودين إمبارح!

قالت:

— مش دلوقتي.

سكتت.

— التحليل اتعمل أثناء الحمل.

رفعت إيدي على بطني بشكل غريزي رغم إنها بقت فاضية.

— إزاي؟!

— أبوكي أخد نسخة من تحليل جيني كنتي عاملاه أثناء الحمل… ووصل لعينة من أخوكي.

جوزي قال:

— من غير إذننا؟

— أيوه.

حسيت بالقرف.

الغضب.

الخوف.

كلهم مرة واحدة.

قلت:

— والنتيجة؟

أمي مردتش.

— النتيجة إيه يا ماما؟!

قالت:

— أبوكي قال إن النتيجة بتشير إن فيه صلة وراثية محتملة بين واحد من الأطفال وأخوكي.

الدنيا سكتت.

بصيت لأولادي.

تلات حضانات.

تلات أطفال.

تلاتة أنا حملتهم.

حسيت بحركتهم.

سمعت قلوبهم.

خفت عليهم.

حلمت بأساميهم.

جوزي قال بمنتهى الهدوء:

— تحليل غير رسمي، بعينات مش موثقة، ومن غير موافقة الأم أو الأب… ميثبتش أي حاجة.

أمي ردت:

— عارفة.

قلت:

— لكن بابا صدقه.

— أيوه.

وهنا فهمت.

أبويا مكانش شايف إنه “بيدي” أخويا طفل من أطفالي.

كان مقتنع في دماغه المريضة إنه بيرجعله طفل “من حقه”.

قلت:

— علشان كده اختار الطفل ده تحديدًا؟

أمي بدأت تنتحب.

— أيوه.

قفلت عيني.

افتكرت أبويا وهو بيتجاهل الحضانتين.

ويمد إيده مباشرة للحضانة التالتة.

ماكنش اختيار عشوائي.

كان عارف هو رايح لمين.

قلت:

— وإنتِ كنتي عارفة؟

صمتت.

وكان صمتها الإجابة.

— من إمتى؟

— من الشهر الخامس.

ضحكت.

ضحكة خرجت مني من شدة الصدمة.

— يعني وإنتِ بتدخلي بيتي وتحضنيني وتحطي إيدك على بطني… كنتي عارفة إن جوزك بيخطط ياخد طفل مني؟

— كنت فاكرة إننا هنقنعك بعد الولادة.

— نقنعني؟!

الأجهزة حواليا بدأت تصفر أسرع لأن نبضي ارتفع.

جوزي أخد الموبايل.

— كفاية.

لكن قبل ما يقفل، أمي صرخت:

— استنى!

سكت.

قالت:

— فيه حاجة لازم تعرفوها.

جوزي بصلي.

— إيه؟

أمي قالت:

— التقرير اللي مع أبوها…

صوتها اتهز.

— مش هو التقرير الأصلي.

جوزي قال:

— يعني إيه مش الأصلي؟

أمي ردت:

— أنا شفت التقرير الأصلي.

— والنتيجة كانت إيه؟

قالت الجملة اللي قلبت القصة كلها:

— النتيجة مكانتش بتقول إن واحد من الأطفال ابن أخوكي.

سكتنا.

أمي كملت:

— كانت بتقول العكس.

فتحت عيني.

— العكس إزاي؟

— التقرير قال إن العينة اللي أبوكي بعتها غير كافية لإثبات أي علاقة أبوة، وإن التشابه اللي ظهر طبيعي لأنكم إخوات وبتشاركوا جزء كبير من الصفات الوراثية.

جوزي قال:

— يبقى أبوها زوّر النتيجة؟

— أيوه.

الكلمة نزلت علينا كالصخرة.

قلت:

— ليه؟

أمي ردت بصوت ضعيف:

— علشان أخوكي كان بينهار.

وهنا بدأت تحكي.

بعد سنين العلاج، أخويا ومراته وصلوا لمرحلة صعبة جدًا.

مراته بقت مهووسة بفكرة الطفل.

كل خبر حمل في العيلة كان بيكسرها.

ولما عرفت إني حامل في تلاتة، حالتها ساءت.

وفي ليلة، قالت لأبويا:

— ربنا اداها تلاتة… وأنا مش عايزة غير واحد.

بدل ما أبويا يقولها إن ولادي مش ملكه…

بدأ يدور على مبرر.

أي مبرر.

ولما عرف بقصة الخطأ القديم في مركز الخصوبة، لقى الحاجة اللي محتاجها.

قصة يقدر يحول بيها الطمع إلى “حق”.

عمل التحليل السري.

ولما النتيجة ما أثبتتش اللي هو عايزه…

غيّرها.

عمل نسخة مختلفة.

وراها لأخويا ومراته.

وقال لهم:

— واحد من التلاتة ممكن يكون ابنكم بيولوجيًا.

شهقت.

— وأخويا صدقه؟

أمي قالت:

— صدقه لأنه كان عايز يصدقه.

— وإنتِ؟

سكتت.

— وإنتِ يا ماما؟

— سكت.

دموعي نزلت.

قلت:

— وسبتيني الساعة اتنين الفجر وأنا بولد لوحدي.

أمي بدأت تعيط.

— أبوكي منعني أجيلك.

— وإنتِ سمعتي كلامه.

— قال لو جينا وخدناكي، ممكن جوزك يلحق يرجع قبل الولادة. وكان عايزك تدخلي المستشفى لوحدك علشان…

وقفت.

صرخت:

— علشان إيه؟!

— علشان بعد الولادة وإنتِ تحت تأثير البنج والوجع، نضغط عليكي تمضي.

غمضت عيني.

دي كانت الحقيقة.

كل شيء اتربط.

السفر.

رفضهم ييجوا.

الورق المزور.

التقرير النفسي.

محاولة تصويري إني غير مستقرة.

كل ده علشان توقيع.

جوزي قال:

— كانوا ناويين يعملوا إيه لو مضتش؟

أمي مردتش.

كرر:

— كانوا ناويين يعملوا إيه؟

قالت:

— أبوها كان ناوي يستخدم التقرير النفسي ويقول إنها غير قادرة مؤقتًا على اتخاذ القرار.

فتحت عيني.

— يعني كنتوا هتاخدوا ابني وأنا نايمة؟

أمي انفجرت في العياط.

— أنا آسفة.

قلت بمنتهى الهدوء:

— لأ.

وسكتت.

— الاعتذار مش كفاية.

قفلت المكالمة.

وبصيت لجوزي.

قال:

— هنعمل تحليل رسمي.

هزيت راسي.

— للتلاتة.

— طبعًا.

— في جهة مستقلة.

— طبعًا.

— ومحدش من عيلتي يقرب منهم.

مسك إيدي.

— محدش هيلمس شعرة منهم.

وبالفعل، اتعملت الإجراءات الرسمية.

وكانت أيام الانتظار أطول أيام حياتي.

لحد ما النتيجة وصلت.

الدكتور دخل علينا بنفسه.

حط الظرف قدامنا.

وقال:

— النتائج واضحة.

مسكت إيد جوزي.

الدكتور ابتسم ابتسامة صغيرة.

— الأطفال الثلاثة متوافقون وراثيًا معكما أنتما الاثنين كوالدين.

شهقت.

جوزي غطى وشه بإيده.

وبكى.

وأنا بصيت للتلاتة.

ولأول مرة من ساعة ولادتهم…

ابتسمت.

لكن الدكتور ماخرجش.

فضل واقف.

بصيتله.

— فيه حاجة تانية؟

قال:

— الحقيقة… أيوه.

قلبي انقبض من جديد.

فتح ملفًا آخر.

— أثناء التحقيق في مستندات مركز الخصوبة القديم، اكتشفوا حاجة بخصوص ملف أخوكي ومراته.

قلت:

— إيه؟

قال:

— مفيش دليل إن المشكلة القديمة في المركز أثرت على علاجكم.

سكت لحظة.

— لكنها أثرت فعلًا على علاج شخص آخر.

جوزي سأله:

— مين؟

الدكتور بصلي.

— أخوكي.

وساعتها فهمت إن السر الحقيقي…

لسه ما خلصش.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى