روايات وقصص

علاج طبيعي حكايات اسما السيد 1

بعد عشر سنين من الإجهاض المتكرر، ربنا أخيرًا رزقنا ببنتنا اللي كنا مستنيينها من سنين… لكن أول ما الممرضة حطتها في حضن جوزي، وشه شحب فجأة، وفضل باصص على علامة مميزة في كتفها، وهمس وهو مصدوم:

— لأ… مستحيل.

أنا وجوزي قضينا سنين جوازنا كلها تقريبًا وإحنا بنحاول يبقى عندنا طفل.

خلال عشر سنين، مريت بست مرات إجهاض، وكل مرة كانت بتاخد من روحنا حتة. لحد ما عرفت السنة اللي فاتت إني حامل من جديد.

المرة دي، اتفقنا بينا وبين نفسنا إنها هتكون آخر محاولة.

بعد كل اللي مرينا بيه، التسع شهور كانوا مليانين خوف وقلق. حتى أوضة البيبي ما جهزناهاش بالكامل، وكأننا كنا خايفين نفرح زيادة وبعدين نتوجع من جديد.

لكن الحمد لله، الحمل المرة دي كمل على خير.

وامبارح الصبح بدأت الولادة.

جوزي ما سبنيش لحظة، فضل واقف جنبي طول الساعات الصعبة، يطمني ويمسك إيدي لحد ما اللحظة اللي استنيناها عشر سنين وصلت أخيرًا.

بعد نص الليل بشوية…

سمعت صوت عياط بنتي لأول مرة.

الصوت ده كان بالنسبة لي أجمل صوت سمعته في حياتي.

بكيت من الفرحة وأنا مش مصدقة إنها أخيرًا وصلت بالسلامة.

الممرضة أخدتها علشان تنظفها وتعمل لها الفحوصات المعتادة، وبعد شوية ابتسمت وقالتلنا:

— الحمد لله… بنتكم بصحة كويسة جدًا.

جوزي دموعه نزلت من الفرحة.

بعد دقائق، الممرضة لفت بنتنا في بطانية دافية، لكن جزء صغير من كتفها فضل ظاهر.

قربت من جوزي ومدتله الطفلة.

إيديه كانت بتترعش وهو بياخد بنته في حضنه لأول مرة.

كنت نايمة على السرير وببص عليهم وأنا بضحك وسط دموعي، مستنية أشوف اللحظة اللي حلمنا بيها سنين…

لكن فجأة…

ابتسامة جوزي اختفت.

وشه بقى أبيض كأنه شاف حاجة مرعبة.

فضل باصص على كتف بنتنا من غير ما يرمش.

كان فيه علامة ولادة صغيرة ومميزة جدًا على كتفها.

جوزي اتجمد مكانه.

نَفَسه بقى سريع، وإيديه بدأت ترتعش أكتر.

وبص للعلامة كأنه شافها قبل كده.

وبصوت واطي مليان صدمة، قال:

— لأ… مستحيل.

رفعت نفسي من على السرير وأنا قلبي بدأ يدق بسرعة، وقلتله:

— في إيه؟ مالك؟!

لكنه ظل صامتا وهو ينظر للعلامة بقلق شديد.

— مالك؟! إيه اللي شوفته؟

قلت الجملة وأنا بحاول أرفع نفسي من على سرير الولادة، رغم إن جسمي كله كان لسه بيرتعش من التعب.

جوزي ما ردش.

فضل شايل بنتنا بين إيديه، وعينيه ثابتة على العلامة الصغيرة اللي فوق كتفها.

كانت علامة غريبة فعلًا.

لونها أغمق شوية من جلدها، وشكلها شبه هلال صغير، وتحته نقطة كأنها منفصلة عنه.

لكن بالنسبة لي…

كانت مجرد علامة ولادة.

بالنسبة له، كانت حاجة تانية خالص.

الممرضة لاحظت تغير وشه، فقربت منه وقالت:

— حضرتك كويس؟

رفع عينه لها وكأنه رجع للدنيا فجأة.

— آه… آه، كويس.

لكن صوته مكانش كويس.

مد الطفلة للممرضة بسرعة زيادة عن الطبيعي.

قلت:

— إنت بتعمل إيه؟ هاتها لي.

الممرضة حطت بنتي في حضني.

أول ما جسمها الصغير لمس صدري، نسيت الدنيا كلها للحظة.

بصيت لوشها.

كانت مغمضة عينيها، وشها أحمر وصغير، وصوابعها مقفولة.

بنتي.

بعد عشر سنين.

بعد ست مرات فقدت فيهم حلم الأمومة قبل ما ألمسه بإيدي.

أخيرًا عندي بنت.

لكن وأنا ببوس راسها، رفعت عيني لجوزي.

كان واقف عند الشباك ومديني ضهره.

قلت:

— بصلي.

ملفش.

— بصلي وقولي إيه اللي حصل.

قال:

— مفيش.

ضحكت من التوتر.

— مفيش؟ إنت أول ما شوفت العلامة قولت “مستحيل” ووشك اتقلب! متقوليش مفيش.

لف ناحيتي.

لأول مرة شفت في عينيه حاجة غير الفرحة.

خوف.

قلت:

— إنت شوفت العلامة دي قبل كده؟

سكت.

وهنا قلبي بدأ يقبض.

— عند مين؟

قرب من السرير.

بص للممرضة وقال:

— ممكن تسيبينا لوحدنا شوية؟

الممرضة بصتلي.

هزيت راسي.

خرجت وقفلت الباب.

فضلنا إحنا التلاتة لوحدنا.

أنا.

هو.

والبنت اللي عمرها أقل من ساعة، ومع ذلك ظهورها فتح باب واضح إن جوزي قضى سنين بيحاول يقفله.

قلت:

— اتكلم.

قعد على الكرسي.

حط إيده على وشه.

— قبل ما أقولك، أوعديني ما تفهميش غلط.

الجملة نفسها خوفتني.

— لما حد يبدأ كلامه كده، غالبًا اللي جاي بيتفهم غلط فعلًا.

قال بسرعة:

— الموضوع حصل قبل ما أعرفك أصلًا.

بصيتله.

— إيه اللي حصل؟

سكت ثواني.

ثم قال:

— كان عندي أخت.

عقدت حواجبي.

— كان عندك إيه؟

— أخت.

فضلت باصة له.

أنا متجوزة الراجل ده من عشر سنين.

عارفة أمه.

عارفة أبوه الله يرحمه.

عارفة قرايبه.

حضرت أفراحهم وعزاهم.

عمري ما سمعت إن جوزي كان عنده أخت.

قلت:

— إنت مالكش أخوات بنات.

رد بهدوء:

— كان عندي.

شعرت ببرودة في جسمي.

— اسمها إيه؟

قال:

— مريم.

— فين مريم؟

خفض عينيه.

— ماتت وهي صغيرة.

— عندها كام سنة؟

— ست سنين.

سألته:

— وإيه علاقة ده ببنتنا؟

رفع عينيه ناحية الطفلة.

وأشار للعلامة.

— مريم كان عندها نفس العلامة.

بصيت تلقائيًا لكتف بنتي.

قلت:

— علامات الولادة ممكن تتكرر في العيلة.

— عارف.

— أمال اتخضيت ليه؟

قال:

— لأنها مش شبهها بس.

قرب أكتر.

وأشار من بعيد.

— نفس المكان تقريبًا… نفس الشكل… الهلال وتحته النقطة.

حاولت أهدّي نفسي.

— برضه ممكن تكون وراثة.

هز راسه.

— يمكن.

لكن نبرة صوته قالت إنه مش مقتنع.

سألته:

— طب ليه مخبيت عليا إن كان عندك أخت؟

هنا ملامحه اتغيرت.

قال:

— أنا مخبيتش بمزاجي.

— يعني إيه؟

— أمي هي اللي منعت أي حد في العيلة يتكلم عنها.

— ليه؟

سكت.

ثم قال:

— لأن مريم ما ماتتش بالطريقة اللي الناس فاكرينها.

حضنت بنتي أقوى.

— ماتت إزاي؟

فتح بقه علشان يرد…

لكن الباب اتفتح فجأة.

حماتي دخلت.

كانت جاية تزورني وتشوف حفيدتها لأول مرة.

في إيدها ورد، وفي الإيد التانية كيس هدوم للبيبي.

وشها كله فرحة.

— حمد لله على سلامتك يا حبيبتي!

قربت مني وباست راسي.

وبعدين قالت:

— فين بقى حبيبة تيتة اللي استنيناها العمر ده كله؟

جوزي قام بسرعة.

— ماما…

لكنها ما اهتمتش.

قربت من السرير.

بصت لحفيدتها.

دموعها نزلت.

— يا حبيبتي… يا روح قلبي.

مدت إيديها.

— هاتيها أشيلها.

ناولتها بنتي.

كانت بتضحك وهي بتبوس جبينها.

لحد ما البطانية اتحركت.

وظهر كتف البنت.

ظهرت العلامة.

ابتسامة حماتي اختفت.

في ثانية واحدة.

إيديها اتجمدت.

وبعدين بدأت ترتعش.

نفس رد فعل جوزي بالضبط.

لكن اللي حصل بعدها كان أسوأ.

حماتي رجعت خطوة لورا وهي شايلة البنت.

وقالت بصوت مخنوق:

— مين شاف العلامة دي؟

بصيت لها.

— كلنا. مالها؟

بدل ما تجاوبني، بصت لابنها.

قالتله:

— إنت قلتلها؟

رد:

— كان لازم تعرف.

حماتي صرخت:

— تعرف إيه؟!

قلت:

— أعرف إن كان عنده أخت اسمها مريم.

وش حماتي اتسحب منه الدم.

بصت لابنها.

— إنت جبت سيرة مريم؟!

قال:

— ماما، كفاية.

— وعدتني!

— عدى أكتر من تلاتين سنة!

فجأة، حماتي بصت لبنتي تاني.

قربت إيدها من العلامة، لكنها ما لمستهاش.

وهمست:

— لأ…

جوزي قال:

— ماما.

لكنها كررتها:

— لأ… لأ… دي مش صدفة.

قلت بعصبية:

— حد يفهمني!

حماتي رفعت عينيها ليا.

كانوا مليانين دموع.

قالت:

— مريم يوم ما اتولدت، كان على كتفها العلامة دي.

قلت:

— عارفة.

هزت راسها.

— لأ… إنتِ لسه متعرفيش حاجة.

قعدت على الكرسي وهي حاضنة حفيدتها.

وبعدين قالت:

— قبل ما مريم تموت بأسبوع، الدكتور طلب مننا تحليل معين.

جوزي بص لها باستغراب.

— تحليل إيه؟ إنتِ عمرك ما قلتيلي الكلام ده.

حماتي تجاهلته.

كانت باصة لي أنا.

— النتيجة وصلت بعد موتها بيومين.

سألتها:

— وكانت إيه؟

قالت:

— أبو جوزك شافها قبلي.

— وبعدين؟

— أخد الورقة… وحرقها.

جوزي وقف.

— بابا حرق نتيجة تحليل أختي؟!

هزت رأسها.

— ولما سألته ليه، قالي جملة واحدة.

سألتها:

— قال إيه؟

حضنت بنتي أقوى، كأنها خايفة حد ياخدها منها.

وقالت:

— قالي: “لو نتيجة التحليل دي خرجت من البيت، العيلة كلها هتتهد.”

الغرفة سكتت.

حتى جوزي مكانش قادر يتكلم.

قلت:

— وإنتِ معرفتيش كان مكتوب فيها إيه؟

حماتي بصتلي.

— وقتها لأ.

سكتت لحظة.

ثم أكملت:

— لكن بعد وفاة جوزي… لقيت نسخة.

جوزي قرب منها بسرعة.

— فين؟!

قالت:

— خبيتها.

— ليه؟!

بدأت تبكي.

— لأني كنت فاكرة إن السر مات بموت مريم.

ثم بصت ناحية بنتنا.

— لحد النهارده.

قلت:

— التقرير فين؟

مسحت دموعها.

— في البيت.

جوزي مد إيده لمفتاح عربيته.

— أنا هجيبه.

لكن أمه مسكت دراعه.

— متروحش لوحدك.

— ليه؟

حماتي بصتلي.

ثم قالت الجملة اللي غيرت اتجاه الحكاية كلها:

— لأن الورقة مش فيها نتيجة تحليل مريم بس.

سكتت.

— في ضهرها أبوك كتب اعتراف بخط إيده.

جوزي وقف مكانه.

— اعتراف بإيه؟

لكن حماتي رفضت تجاوب.

قالت:

— لما نرجع البيت هتشوفه بنفسك.

ثم بصت إلى العلامة الموجودة على كتف حفيدتها وهمست:

— ولو اللي أنا خايفة منه طلع صح…

رفعت عينيها لابنها.

— يبقى الست مرات اللي مراتك فقدت فيهم الحمل…

توقفت.

قلت وأنا قلبي بيخبط:

— مالهم؟

قالت:

— يمكن ماكانوش مجرد سوء حظ زي ما فضلنا نقول عشر سنين.

وفي اللحظة دي…

بنتي بدأت تعيط.

أما أنا، فكنت باصة لجوزي بسؤال واحد:

إيه السر اللي عيلته خبيته عني عشر سنين، وكان ممكن يكون مرتبط بكل طفل فقدته

 وتساءلت في نفسي عن سر هذه العلامة التي أثارت كل هذا القلق والخوف في قلوب الجميع حولي فجأة وبدون أي مقدمات واضحة على الإطلاق في تلك اللحظة الفارقة جلست حماتي وهي تحمل حفيدتها بين ذراعيها وعيناها تدمعان بصمت ثقيل وكأنها تتذكر ماضيا حاولت نسيانه لسنوات طويلة لكن القدر قرر أن يعيده اليوم أمام الجميع من خلال هذه العلامة الصغيرة التي ظهرت على كتف حفيدتها لتفتح جرحا قديما ظن الجميع أنه اندثر وانتهى إلى الأب

 كنت أنظر إليها وأنا أحاول أن أفهم سر هذا الارتباك المفاجئ الذي أصاب الجميع بعد لحظات قليلة من الفرح الكبير الذي ملأ قلوبنا بعد عشر سنوات من الانتظار الطويل والصبر والدعاء المتواصل دون توقف أو يأس كنت أشعر أن هناك سرا كبيرا تخفيه هذه العائلة وأن هذه العلامة ليست مجرد صدفة عابرة بل هي بداية لكشف حقيقة دفنت لسنوات طويلة خلف جدران الصمت والخوف من مواجهة الواقع المؤلم الذي قد يغير مصيرنا جميعا إلى الأبد وبدأت أشعر أن القادم يحمل الكثير من المفاجآت التي لم نكن نتوقعها أبدا وأن هذه الرحلة الطويلة من البحث عن الحقيقة قد بدأت للتو ولن تنتهي إلا بكشف كل الأسرار المدفونة منذ زمن بعيد جدا داخل هذه العائلة الصغيرة التي عانت كثيرا أخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى