ثلاث توائم حكايات اسما السيد 4

الفصل السابع: الحقيقة التي عاشوا خمس سنوات يهربون منها بصيت للدكتور وأنا مش فاهمة. — أثرت على علاج أخويا إزاي؟ قفل الملف بهدوء وقال: — التفاصيل الطبية الكاملة تخصه هو ومراته، ومينفعش أتكلم فيها من غير موافقتهم. لكن التحقيق أثبت إن فيه خطأ إداري قديم في ملفهم هما، وده كان سبب جزء كبير من اللخبطة اللي حصلت بعد كده.
جوزي سأله:
— يعني مفيش أي علاقة بين علاجنا وعلاجهم؟
— مفيش دليل على وجود أي خلط نتج عنه حمل حضرتك. والتحاليل الرسمية أثبتت إن الأطفال الثلاثة أولادكم أنتم الاتنين.
الكلمة دي كانت كل اللي يهمني.
أولادكم.
التلاتة.
مفيش طفل زيادة.
مفيش طفل “من حق” حد تاني.
شكرنا الدكتور، وخرج.
لكن أنا فضلت ساكتة.
جوزي قعد جنبي.
— بتفكري في إيه؟
قلت:
— في أخويا.
استغرب.
— بعد اللي عمله؟
— مش بدافع عنه.
بصيتله.
— بس عايزة أفهم. هل بابا ضحك عليه هو كمان؟
بعد يومين عرفت الإجابة.
أخويا طلب يقابلني.
رفضت في الأول.
لكن لما قال إنه جاي لوحده، وافقت بشرط إن المقابلة تكون في وجود جوزي وفي مكان عام داخل المستشفى.
دخل أخويا.
وكان شكله مختلف.
مفيش غضب.
مفيش إحساس بالاستحقاق.
كان مكسور.
قعد قدامي.
وأول جملة قالها كانت:
— أنا آسف.
مردتش.
كمل:
— مش هطلب منك تسامحيني.
قلت:
— كويس، لأني مش مستعدة أسامحك.
هز راسه.
— من حقك.
طلع ورقة مطوية من جيبه.
— دي النسخة اللي بابا ورهالي.
جوزي أخدها.
كانت نفس النتيجة المزورة.
أخويا قال:
— لما ورهالي، قالي إن فيه احتمال كبير إن واحد من الأطفال يكون حصل بسبب الخطأ القديم.
قلت:
— وصدقت؟
نزل عينه.
— كنت عايز أصدق.
الكلمة دي كانت مؤلمة أكتر من أي تبرير.
— وعلشان كنت عايز تصدق، قررت تاخد ابني؟
دموعه نزلت.
— مفيش حاجة تبرر اللي عملته.
سكت شوية.
— خمس سنين وأنا شايف مراتي بتنهار كل شهر. وفي كل مرة علاج يفشل، كنت بحس إني عاجز. لما بابا جالي وقال إن فيه احتمال إن طفل من التلاتة يكون لينا… عقلي وقف.
قلت:
— الطفل مش نتيجة تحليل. الطفل إنسان.
— عارف.
— لأ. إنت دلوقتي بس بدأت تعرف.
بصلي.
قلت:
— لأن لو كنت عارف، مكنتش وقفت قدام سريري تمنعني أوصل لابني.
غطى وشه بإيديه.
— أنا عارف.
قلت:
— وأنت كنت عارف إني بولد لوحدي؟
سكت.
وهنا قلبي اتكسر للمرة الأخيرة.
— كنت عارف؟
قال:
— أيوه.
دموعي نزلت.
— وسبتني؟
— بابا قال إن الإسعاف هيوصلك وإن وجودنا ممكن يعقد الخطة.
ضحكت بمرارة.
الخطة.
كنت أختهم.
بنتهم.
حامل في تلات أطفال.
بتلوى من الألم الساعة اتنين الفجر.
وبالنسبة لهم…
كنت جزءًا من خطة.
قلت:
— اطلع.
وقف.
— أختي…
— متقولهاش دلوقتي.
وقف مكانه.
قلت:
— يمكن ييجي يوم وأقدر أسمعها منك تاني. لكن مش النهارده.
خرج.
وأنا لأول مرة ماحسيتش بالذنب وأنا بقفل بابي في وش حد من عيلتي.
الفصل الثامن: أبويا ما اعتذرش
كنت متوقعة إن أبويا بعد ظهور الحقيقة ينهار.
يعتذر.
يقول إنه غلط.
لكن بعض الناس الاعتراف بالغلط عندهم أصعب من خسارة كل اللي حواليهم.
بعتلي رسالة:
— أنا عملت اللي شايفه صح علشان العيلة.
قريتها مرة.
وبعدين مسحتها.
بعدها بعت:
— أخوكي كان بيتدمر قدامي وإنتِ ربنا رزقك بثلاثة.
الجملة دي خلتني أرد.
كتبتله:
— ربنا رزقني بثلاثة، مش رزقني باثنين وواحد زيادة علشان حضرتك توزعه.
اتصل.
مردتش.
بعت رسالة تانية:
— أنا أبوكي.
رديت:
— وأنا أمهم.
وبلكته.
الإجراءات الرسمية أخدت وقت.
إدارة المستشفى وثقت محاولة إخراج طفل حديث الولادة من غير موافقة والديه، وكمان واقعة الاعتداء عليا.
أما المستندات المزورة، فاتحولت للجهات المختصة علشان تتراجع رسميًا.
أنا وجوزي اتفقنا على حاجة واحدة:
مش هنحول حياتنا لمعركة انتقام.
لكن في نفس الوقت…
مش هنغطي على أي حد.
كل واحد يتحمل نتيجة اللي عمله.
حتى لو كان أبويا.
خصوصًا لو كان أبويا.
أمي حاولت تزورني أكتر من مرة.
رفضت.
لكن بعد حوالي شهر، وافقت أقابلها.
كانت أول مرة تشوف الأطفال من يوم المستشفى.
وقفت بعيد عنهم.
حتى إنها ما حاولتش تمد إيدها.
قالت:
— ممكن أقرب؟
السؤال نفسه وجعني.
أمي اللي كانت زمان تدخل بيتي من غير ما تخبط…
دلوقتي بتستأذن علشان تقرب من أحفادها.
قلت:
— شوفيهم من هنا.
هزت راسها.
وبصت للتلاتة.
وبكت.
قالت:
— أنا خسرتك، صح؟
رديت:
— إنتِ خسرتي ثقتي.
رفعت عينها.
— ممكن ترجع؟
قلت:
— معرفش.
وسكت شوية.
— بس لو رجعت، مش هترجع بالكلام.
— أعمل إيه؟
— تتعلمي تقولي لأ لبابا.
سكتت.
قلت:
— الليلة اللي كنت بموت فيها من الخوف، إنتِ اخترتي طاعته على بنتك. المشكلة مش إنه منعك تيجي. المشكلة إنك وافقتي.
دموعها نزلت.
— عارفة.
ولأول مرة…
ما قالتش: “بس”.
ما بررتش.
ما قالتش: “إحنا عيلة”.
قالت فقط:
— عارفة.
وكانت دي أول خطوة حقيقية.
الفصل التاسع: مرات أخويا
مرات أخويا كانت آخر واحدة توقعت أشوفها.
بعد شهرين، وصلتني منها رسالة.
“مش بطلب أشوف الأطفال. عايزة أشوفك إنتِ.”
فكرت كتير.
وبعدين وافقت.
جت لوحدها.
أول ما قعدت قدامي، حطت ظرف على الترابيزة.
— إيه ده؟
— كل نسخة عندي من الورق اللي أبوكي ادهولنا.
ما لمستش الظرف.
قالت:
— وفيه تسجيلات صوتية.
بصيتلها.
— تسجيلات لمين؟
— لأبوكي.
طلع موبايلها.
شغلت تسجيل.
وصوت أبويا خرج:
— أهم حاجة بعد الولادة متدوش لها فرصة تفكر كتير. البنج والتعب هيخلوها توافق أسرع.
قفلت عيني.
رغم إني كنت عارفة…
سماعها بصوته كان حاجة تانية.
مرات أخويا وقفت التسجيل.
— سجلته لأن جزء مني كان خايف.
قلت:
— ومع ذلك كملتي.
— أيوه.
مفيش تبرير.
وده فاجأني.
قالت:
— كنت أنانية.
بصتلي والدموع في عينيها.
— كنت بشوف بطنك تكبر، وكل اللي بفكر فيه: ليه هي وأنا لأ؟
سكتت.
— وبعدها بدأت أفكر إن طالما عندك تلاتة، مش هيفرق معاكي واحد.
قلت:
— كان هيفرق.
شهقت وهي بتحاول تمنع عياطها.
قلت:
— كان هيفرق كل يوم من عمري.
— عارفة.
— كنت هصحى أدور عليه.
— عارفة.
— كنت هعدّهم كل ليلة وألاقي واحد ناقص.
غطت بوقها بإيدها.
— عارفة.
قلت:
— لأ. وقتها مكنتيش عارفة. لأنك لو كنتي عارفة، مكنتيش فتحتي دراعاتك لأبويا وتقولي له: “هاتهولي.”
انهارت في العياط.
لكن أنا ماواستهاش.
بعض الدموع لازم صاحبها يتحملها.
قبل ما تمشي قالت:
— أنا وأخوكي بدأنا علاج نفسي، ووقفنا أي محاولات حمل مؤقتًا.
سكتت.
— اكتشفنا إن رغبتنا في طفل حولتنا لناس إحنا نفسنا مش عارفينهم.
قلت:
— أتمنى تتعالجوا.
قامت.
وقبل ما تخرج، قالت:
— وأنا آسفة إن أول أيام أمومتك بدل ما تبقى أجمل أيام حياتك، خليناها ذكرى مرعبة.
المرة دي…
مردتش بغضب.
قلت:
— وأنا أتمنى في يوم أفتكر ولادتي من غير ما أفتكركم فيها.
ومشيت.
الفصل العاشر: بيت فيه ثلاثة أصوات
بعد ثلاثة شهور…
بيتنا كان فوضى.
فوضى جميلة.
ثلاث سرائر صغيرة.
رضّاعات في كل مكان.
حفاضات أكتر من أي رقم كنت أتخيله.
هدوم صغيرة بتتنشر كل يوم.
وأصوات عياط بالتبادل، كأن التلاتة عاملين جدول نوبات.
في ليلة، الساعة كانت حوالي تلاتة الفجر.
صحيت على صوت طفل بيعيط.
فتحت عيني.
لقيت جوزي واقف بالفعل.
قلت بنعاس:
— دور مين؟
بص ناحية الأسرة.
— تقريبًا دورنا كلنا.
ضحكت.
قام شال الأول.
وأنا شلت التاني.
وبعد عشر ثواني، التالت قرر إنه مش هيسيب إخواته ياخدوا الاهتمام لوحدهم.
بصينا لبعض.
وقعدنا نضحك.
وسط التعب.
وسط قلة النوم.
وسط البيت المقلوب.
ضحكنا.
جوزي قال:
— فاكرة يوم ما خرجنا من العيادة وعرفت إنهم تلاتة؟
— وإنت قعدت تعيط في العربية؟
— أنا معيطتش.
بصيتله.
— أمال المنديل اللي استهلكته كله كان إيه؟
— حساسية.
ضحكت.
قرب مني.
وبص للأطفال.
قال:
— كنت خايف.
— من إيه؟
— إني معرفش أبقى أب كويس لتلاتة.
قلت:
— وأنا كنت خايفة معرفش أبقى أم كويسة لتلاتة.
ابتسم.
— واضح إنهم هيربونا هما.
ضحكت.
وبعدين سكتنا.
بصيت لأولادي.
افتكرت حضانات المستشفى.
إيد أبويا وهي بتمتد ناحية واحد منهم.
صوتي وأنا بصرخ.
الزر الأحمر.
والخوف.
ثم بصيت للمشهد قدامي.
أبوهم شايل واحد.
أنا شايلة واحد.
والتالت بينا.
ومفيش حد ناقص.
الفصل الأخير: بعد سنة
في عيد ميلادهم الأول، عملنا حفلة صغيرة.
مش عزومة عيلة كبيرة.
مش استعراض.
بس ناس بنثق فيهم.
أصدقاء.
كام شخص وقفوا جنبنا في أصعب فترة.
وأمي.
أيوه…
أمي كانت موجودة.
الثقة بينها وبيني ما رجعتش زي الأول.
لكنها قضت سنة كاملة بتحاول.
سابِت بيت أبويا فترة طويلة لما رفض يعترف بخطئه.
راحت لجلسات أسرية.
شهدت بالحقيقة لما اتطلب منها.
ومرة واحدة بس سألتني:
— إمتى هتسامحيني؟
قلت:
— لما التسامح ييجي لوحده. متستعجليهوش.
ومن يومها مبقتش تسأل.
أخويا ومراته مكانوش في الحفلة.
العلاقة بينا كانت لسه بعيدة جدًا عن الطبيعي.
لكن قبل عيد الميلاد بيوم، وصل صندوق.
فتحته بحذر.
كان فيه تلات لعب.
نفس الحجم.
نفس القيمة.
ومفيش واحدة مميزة عن التانيين.
ومعاهم ورقة صغيرة:
“للتلاتة… لأننا أخيرًا فهمنا إن عمر ما كان فيكم واحد زيادة.”
قريتها.
وعيطت.
مش لأن كل حاجة اتصلحت.
لأ.
بعض الكسور بتسيب علامة حتى بعد ما تلتحم.
لكن لأنهم أخيرًا فهموا.
جوزي سألني:
— هنحتفظ بالهدايا؟
بصيت لأولادنا.
قلت:
— أيوه.
— والورقة؟
طويتها وحطيتها في درج.
— دي كمان.
— ليه؟
قلت:
— علشان يمكن في يوم لما يكبروا، يسألونا ليه علاقتنا بالعيلة مختلفة.
قرب مني.
— وهتقوليلهم إيه؟
بصيت للتلاتة وهم قاعدين قدام التورتة، كل واحد فيهم بيحاول يوصل بإيده للكريمة.
ابتسمت.
— هقولهم الحقيقة بطريقة تناسب سنهم.
— وهي؟
قلت:
— إن الحب مش معناه إننا نسمح لحد يمتلكنا.
سكت.
وكملت:
— وإن صلة الدم مش تصريح لحد يتعدى حدودنا.
وبعدين بصيتله.
— وإن أبوهم وأمهم وقفوا قدام الدنيا كلها علشان يفضلوا التلاتة مع بعض.
ابتسم.
وفي اللحظة دي، واحد من الأطفال مد إيده في التورتة.
والتاني لطخ وش أخوه بالكريمة.
والتالت بدأ يضحك.
فضحكنا كلنا.
وقفت بعيد شوية أتفرج عليهم.
من سنة بالضبط…
كنت على سرير مستشفى، مش قادرة أقف، وأبويا بيخرج بابني من حضني وهو مقتنع إن عندي “زيادة”.
أما النهارده…
كنت واقفة على رجلي.
وأولادي التلاتة قدامي.
أصحاء.
محبوبين.
ومحدش فيهم زيادة.
وقتها فهمت حاجة كان لازم أتعلمها بالطريقة الصعبة:
العيلة مش الناس اللي تقولك: “استحملي علشان إحنا عيلة.”
العيلة الحقيقية هي اللي لما تكوني أضعف ما يكون…
تحميكي.
مش تستغل ضعفك.
والحب الحقيقي مش إنك تضحي بحاجة مش من حق حد يطلبها منك أصلًا.
أنا كنت مستعدة أدي إخواتي أي حاجة أملكها لو احتاجوها.
فلوس.
وقت.
بيتي.
حتى جزء من عمري لو قدرت.
لكن أولادي؟
لأ.
لأن الطفل مش هدية.
مش تعويض.
مش جائزة ترضية لإنسان اتحرم من الإنجاب.
ومش رقم زائد في معادلة عائلية.
الطفل روح.
وفي اليوم اللي ضغطت فيه على الزر الأحمر، كنت فاكرة إني بطلب ممرضة تنقذ ابني.
لكن الحقيقة…
إني كنت بضغط على أول زر في حياتي يقول:
كفاية.
كفاية خوف من زعل أبويا.
كفاية سكوت علشان أمي.
كفاية تنازلات علشان أخويا.
وكفاية استخدام كلمة “العيلة” علشان يخلوني أتنازل عن نفسي.
بصيت لجوزي وهو بيحاول ينضف الكريمة من شعر واحد من التلاتة، فزودها أكتر بدل ما ينضفها.
ضحكت وقلت:
— ابعد إنت… إنت بتبوظ الدنيا.
قال:
— أنا؟ دول تلاتة وأنا واحد!
رديت وأنا بروح ناحيته:
— وإحنا اتنين.
وقفنا جنب بعض.
قدامنا أولادنا التلاتة.
ومهما كان اللي حصل قبل كده…
كانت دي عيلتي.
خمسة.
لا أربعة.
ولا ستة.
ولا طفل يتوزع.
ولا طفل يُعطى.
ولا طفل “زيادة”.
خمسة… بالضبط زي ما ربنا كتب لنا نكون.
تمت
إهداء من الكاتبة أسما السيد
إلى كل أم قيل لها يومًا إن خوفها على أولادها مبالغة…
وإلى كل إنسان اضطر أن يضع حدودًا مع أقرب الناس إليه، فاكتشف أن الحدود لا تعني انعدام الحب، بل أحيانًا تكون الطريقة الوحيدة لحمايته…
وإلى كل قلب انتظر طفلًا طويلًا؛ أسأل الله أن يجبر خاطره ويرزقه الخير حيث كان، وألا يجعل ألم الحرمان سببًا في ظلم إنسان آخر.
وأخيرًا…
إلى كل أم تعرف أن أبناءها ليسوا ممتلكات للعائلة، ولا ديونًا تُسدَّد، ولا هدايا تُوزَّع.
الأطفال أمانة… وليس بينهم طفل زائد.
الكاتبة: أسما السيد
ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن من الكاتبة أسما السيد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




