خادمتي الجميله اسما السيد 1

بنت هادية.مفلسة تقريبًا.ولو اتأخرت في دفع الإيجار مرة كمان، غالبًا كانت هتنام في عربيتها.الشغل كان بيدفع أجر عالي جدًا بالساعة.كاش.وكان ده كفاية بالنسبة لها.الخوف بالنسبة لها كان رفاهية…رفاهية ناس عارفة هتنام فين آخر الأسبوع.
وقفت قدام بوابة القصر والمطر نازل عليها.الجاكت الخفيف اللي لابساه كان غرقان مية.
وفي جيبها ورقة إنذار بالطرد من الشقة.
ضغطت على الإنتركم.جه صوت:— مين؟
قالت:— جاية بخصوص وظيفة الرعاية.
البوابة الحديد فتحت.استقبلتها ست كبيرة في السن جوه القصر.
بصت لها من فوق لتحت، وبالذات لهدومها المبلولة.
وقالت:
— إنتِ أصغر في الحجم من اللي طلبته.
ردت:
— أقدر أشيل وزن تقيل.
الست رفعت حاجبها.
فكملت:
— ومش بشتكي… ومش بسأل أسئلة.
قالت لها:
— المكتب اللي بعتك مقالكِش البيت ده بتاع مين؟
ردت:
— قالولي المرتب.
الست فضلت باصة لها شوية.
وبعدين قالت:
— صاحب البيت اتعرض لحادث من ست شهور.
ومن وقتها مش قادر يستخدم رجليه.
مهمتك تجيبي أكله، تنظفي أوضه، وتساعدي السواق وقت اللزوم.
وبعدين ناولتها مريلة بيضا.
وقالت:
— ولا حد اشتغل هنا كمل أكتر من 3 أيام.
البنت ربطت المريلة وقالت:
— أنا مش همشي.
الست ردت:
— إنتِ لسه مقابلهوش.
قالت بهدوء:
— أنا قابلت أصحاب بيوت أسوأ.
ولأول مرة، الست الكبيرة كان شكلها كأنها هتبتسم.
تقريبًا.
بعد ساعة، البنت طلعت بالأكل لأوضة صاحب البيت.
فراخ مشوية.
خضار.
وقهوة سادة.
خبطت مرة واحدة على الباب الخشب التقيل ودخلت.
الأوضة كانت كبيرة جدًا ومظلمة.
كتب مرمية جنب المدفأة.
وهدوم على جزء من السجادة الغالية.
وهو كان قاعد جنب الشباك على كرسي متحرك، باصص للمطر.
بطانية مغطية رجليه اللي مبقوش بيتحركوا.
قال من غير ما يلف:
— قلتلكم مش هاكل الأكل ده.
البنت حطت الصينية جنب السرير.
لف كرسيه بسرعة وبصلها.
كان أصغر مما توقعت.
في أوائل التلاتينات تقريبًا.
جسمه قوي.
وشعره غامق.
وفي علامة جرح قديمة عند حاجبه.
لكن أكتر حاجة كانت بتخلي الناس تهرب منه…
عينيه.
الغضب كان ساكن فيهم.
قال بعصبية:
— إنتِ مين؟
ردت:
— الخدامة الجديدة.
قال:
— اطلعي برا.
هي بدأت تصب القهوة وقالت:
— اتقال لي إنك لازم تاكل.
صوته علي:
— بقولك اطلعي برا!
حرك الكرسي لقدام.
لكن واحدة من العجل علقت في السجادة.
وشه اتغير.
لحظة إحباط.
وبعدين إحساس بالإهانة.
وبعدها غضب.
خبط بإيده على مسند الكرسي وصرخ:
— إنتِ طرشة؟
البنت بصتله.
بس هي ما شافتش راجل مخيف.
شافت راجل فقد السيطرة على جسمه…
فبيحاول يسيطر على كل حاجة حواليه.
قالت بهدوء:
— هرجع بعد ساعة آخد الأطباق.
وبعدين كملت:
— ولو كسرتها في الحيطة، أنا هنضفها.
ضيّق عينيه.
فقالت:
— بس في الآخر ده أكلك إنت.
ولفت ومشيت.
قفلت الباب بهدوء وراها.
فضل هو ثابت مكانه.
محدش كان بيتكلم معاه بالطريقة دي.
والأهم…
محدش كان بيبصله من غير خوف.
برا الأوضة، البنت سندت ضهرها على الحيطة وأخدت النفس اللي كانت حابساه.
فجأة جه صوت من آخر الطرقة:
— لسه عايشة؟
لفت.
كان في راجل ضخم واقف ببدلة غامقة.
قالت:
— على حسب مين اللي بيسأل.
قال:
— أنا السواق ومسؤول الأمن.
وبعدين بص ناحية باب الأوضة.
— إنتِ الجديدة؟
قالت:
— واضح.
سألها:
— مكسّرش حاجة؟
ردت:
— لسه.
قال:
— هتتعلمي.
البنت مسكت العربية الصغيرة اللي بتحط عليها الأكل وقالت:
— يمكن هو اللي يتعلم.
الراجل فضل باصص لها وهي ماشية.
تاني يوم الصبح وصلت الساعة 6.
الفطار كان شوفان، فاكهة، قهوة، ومسكن.
دخلت أوضته.
أول ما شاف الصينية قال:
— أنا مباكلش شوفان.
قالت:
— ده اللي اتعمل.
رد:
— مش فارق معايا.
هي بدأت تلم هدومه المرمية.
هو قرب بالكرسي ناحية الصينية.
وبعدين بص لها مباشرة…
وزق الصينية كلها.
الصوت دوى في الأوضة.
الأطباق اتكسرت.
القهوة طرطشت على الحيطة.
والشوفان وقع على السجادة الغالية.
رجع بضهره لورا.
واستنى.
هو متعود إن دي اللحظة اللي الناس بتعيط فيها.
البنت بصت للأرض.
وبعدين بصتله.
وتنهدت.
وقالت:
— السجادة دي غالبًا أغلى من عربيتي.
دخلت الحمام.
هو عقد حواجبه.
رجعت بمناديل وجاروف صغير.
قال بعصبية:
— إنتِ غبية؟
قالت:
— اتقالي أسوأ من كده.
قال:
— أنا عملت كده قصد.
ردت:
— عارفة.
سألها:
— طب ليه مش بتتخانقي؟
نزلت على ركبتها وهي بتنضف وقالت:
— يعني لو اتخانقت، الشوفان هيرجع للطبق؟
فضل باصصلها.
وبعدين قال:
— إنتِ فاكرة نفسك ملاك؟
قالت:
— لأ.
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— يبقى إنتِ محتاجة الشغل أوي.
إيدها وقفت عن التنضيف.
قالت:
— غالبًا.
قال:
— ممكن أطردك دلوقتي.
رفعت راسها وبصتله.
— اطردني.
رمش باستغراب.
— إيه؟
قالت:
— اطردني.
وقعدت على كعبيها.
— لو مدفعتش الإيجار قبل آخر الأسبوع، هدومي هتترمي في الشارع.
وساعتها هنام في عربيتي.
ولو العربية راحت مني، هنام في أي مكان ألاقيه.
رفعت فوطة مليانة قهوة.
وقالت:
— إنت فاكر شوية قهوة مرمية هيخوفوني؟
سكت.
قالت:
— صوتك العالي بالنسبة لباقي حياتي يعتبر راحة.
وفجأة…
رجله اليمين اتحركت بعنف.
وشه كله اتغير.
وجاله تشنج تاني أقوى.
رجله خبطت في الترابيزة.
مسك فخده وقال بألم:
— اللعنة!
البنت اتحركت فورًا.
نزلت قدامه وثبتت رجله على مسند الكرسي.
وقالت:
— خد نفس.
صرخ:
— متلمسينيش!
قالت:
— بطل تقاوم.
— ابعدي عني!
— إنت كده بتخليه أسوأ.
حاول يبعد إيديها.
هي نادت عليه بصوت ثابت:
— بصلي.
اتجمد للحظة.
قالت:
— نفس عميق.
سحب الهوا بصعوبة.
قالت:
— امسكه.
فكه شد.
قالت:
— دلوقتي طلعه بالراحة.
بعد حوالي نص دقيقة، التشنج بدأ يهدى.
وأخيرًا رجله ثبتت.
رجع بضهره للكرسي وهو نفسه تقيل، والعرق على جبينه.
إيديها فضلت للحظة فوق ركبته.
مفيش خوف.
مفيش شفقة.
ولا حتى نظرة حزن.
بس اهتمام عملي.
وقفت وقالت:
— هجيب حاجة أنضف بيها السجادة.
وبعدين خرجت.
هو فضل باصص للباب بعد ما مشيت.
بقاله ست شهور…
كل الناس بتعامله يا إما كأنه وحش…
يا إما كأنه عاجز.
لكن هي…
ما عاملتوش لا كده ولا كده.
لأول مرة من يوم الحادث…
حس إنه لسه راجل طبيعي.
والإحساس ده..
خوّفه أكتر بكتير من خوف الناس منه.
سيبوا لايك ❤️ وكومنت 💬 واكتبولي توقعاتكم إيه هو السر، وهرد عليكم في التعليقات 👇
ومتنسوش المتابعة عشان تكملوا باقي القصة ❤️
✍️ حكايات الكاتبة: أسما السيد
🚫 ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب
دون إذن. للكاتبة أسما السيد.
الفصل التاني
تاني يوم، أول ما دخلت القصر، الست الكبيرة وقفتها عند باب المطبخ.
وقالت لها:
— هو طلبك.
البنت وقفت مكانها.
— طلبني أنا؟
— أيوه.
— ليه؟
الست الكبيرة رفعت حاجبها.
— قولتي إنك مش بتسألي أسئلة.
البنت ابتسمت نص ابتسامة.
— صح.
وأخدت نفس وطلعت فوق.
وقفت قدام الباب.
خبطت.
مفيش رد.
خبطت تاني.
جه صوته من جوه:
— ادخلي.
دخلت.
كان قاعد قدام الشباك زي كل مرة.
بس المرة دي مفيش صينية.
مفيش أكل.
ومفيش حاجة مكسورة.
قال من غير ما يبصلها:
— اقفلي الباب.
هي قفلته.
وبعدين وقفت مكانها.
قال:
— امبارح…
وسكت.
كأنه مش متعود يبدأ كلام من غير ما يكون أمر.
هي استنت.
قال أخيرًا:
— اللي حصل في رجلي…
ردت:
— التشنج؟
لف وبصلها بسرعة.
— محدش هنا بيتكلم عنه.
قالت بهدوء:
— ما أنا مش من هنا.
شد فكه.
وبعدين قال:
— إنتِ عرفتي تتصرفي إزاي؟
هي قربت خطوة بسيطة.
— اشتغلت فترة في مركز رعاية.
— ممرضة؟
— لأ.
— علاج طبيعي؟
— برضه لأ.
— أمال؟
قالت:
— كنت برعى حد في البيت.
سكت.
— مين؟
بصتله.
— قلتلك إني مش بسأل أسئلة… ومش بحب حد يسألني أسئلة كتير برضه.
هو فضل باصلها ثواني.
وبعدين قال:
— إنتِ مستفزة.
ردت:
— اتقالتلي قبل كده.
لف كرسيه ناحية المكتب.
— في درج تحت، هاتي الملف الأزرق.
راحت للمكتب.
فتحت الدرج.
كان مليان ملفات وتقارير طبية.
طلعت الملف الأزرق.
أول ما فتحته علشان تناولهوله، وقعت منه صورة.
نزلت على الأرض.
البنت انحنت تاخدها.
لكن قبل ما تمسكها، صوته علي فجأة:
— سيبيها!
اتخضت.
وقفت.
هو حرك الكرسي بسرعة ناحية الصورة.
بس عجلة الكرسي علقت تاني في طرف السجادة.
نفس النظرة ظهرت في عينه.
غضب.
وعجز.
وإهانة.
هي من غير ما تتكلم، رفعت طرف السجادة من قدام العجلة.
الكرسي اتحرك.
هو انحنى وخد الصورة بنفسه.
وقلبها على وشها فورًا.
قال:
— اطلعي.
هي بصتله ثانيتين.
— تمام.
لفت.
قبل ما تفتح الباب، قال:
— استني.
وقفت.
قال:
— إنتِ شوفتي إيه؟
ردت:
— ولا حاجة.
— كدابة.
لفتله.
— طب ما دام عارف إني كدابة، ليه بتسأل؟
هو ضغط بإيده على الصورة.
وقال:
— لأن كل اللي في البيت ده بيتمنوا يعرفوا حاجات مش بتاعتهم.
قالت:
— وأنا كل اللي يهمني مرتبي ينزل في معاده.
وبعدين خرجت.
لكن الحقيقة…
هي شافت.
شافت راجل واقف على رجليه في الصورة.
نفس الوش.
نفس الجرح عند الحاجب.
بس مختلف تمامًا.
واقف وسط مجموعة رجالة.
وإيده على كتف طفل صغير.
وكان بيضحك.
ضحكة كاملة.
مش ابتسامة.
ضحكة راجل مكانش يعرف إن بعد كام شهر حياته كلها هتتقلب.
طول اليوم، الصورة فضلت في دماغها.
مين الطفل؟
وليه هو اتعصب بالشكل ده؟
والأهم…
إيه اللي حصل فعلًا في الحادث؟
لأن من أول يوم دخلت فيه القصر، كل ما حد يجيب سيرة الحادث، الكلام يقف.
كأن في اتفاق بينهم كلهم إنهم ميقولوش أكتر من:
“حادث عربية.”
وبس.
بالليل، وهي بتلم حاجتها علشان تمشي، السواق وقفها.
— استني.
بصتله.
— نعم؟
مد لها ظرف.
— أجرك.
فتحته بسرعة.
الفلوس أكتر من اللي متوقعة.
عدتهم.
وبعدين رفعت عينها.
— في زيادة.
قال:
— صاحب البيت قال تتدفع.
— ليه؟
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة.
— يمكن علشان ما مشيتيش.
قالت:
— أو يمكن علشان يقدر يطردني بكرة وهو مرتاح الضمير.
السواق ضحك.
وبعدين قرب منها شوية وقال بصوت واطي:
— نصيحة.
— إيه؟
— متسأليش عن الحادث.
نظرتها اتغيرت.
— أنا مسألتش.
قال:
— عارف.
وسكت لحظة.
— وده سبب إني بقولك متسأليش.
ومشي.
هي فضلت مكانها.
دلوقتي بقى عندها فضول أكتر.
لكن الفلوس في الظرف كانت كفاية تدفع الإيجار.
وده اللي كان مهم.
في اليوم اللي بعده، وصلت بدري.
دخلت المطبخ.
لقيت الست الكبيرة واقفة جنب الرخامة، ووشها مش طبيعي.
قالت:
— إنتِ اللي عملتيله إيه؟
البنت اتوترت.
— عملت لمين؟
— هو.
— ولا حاجة.
— من ست شهور مبيخرجش من أوضته غير للطبيب.
— طيب؟
— النهارده طلب ينزل يتغدى تحت.
البنت سكتت.
الست قربت منها.
— والأغرب إنه طلب إن إنتِ اللي تنزليه.
قالت باستغراب:
— أنا؟
— أيوه.
وبعدين الست بصت لها بجدية.
— خدي بالك.
— من إيه؟
— منه.
ردت:
— هو اللي محتاج ياخد باله مني.
الست الكبيرة هزت راسها.
— إنتِ مش فاهمة.
وسكتت شوية.
— قبل الحادث، محدش كان يقدر يقف قدامه.
قالت البنت:
— وبعد الحادث؟
— بقى أسوأ.
— ليه؟
الست الكبيرة بصت حواليها.
وبعدين قالت:
— علشان اللي خسر رجليه مش دايمًا بيخسر غروره.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوته من فوق:
— حد هيطلعلي ولا أجيلكم أنا؟
البنت بصت للست.
— واضح إن مزاجه حلو النهارده.
طلعتله.
دخلت الأوضة.
كان لابس قميص أسود وبنطلون غامق.
وشعره متسرح.
شكله مختلف.
أقرب للشخص اللي شافته في الصورة.
قال:
— اتأخرتي.
— دقيقة واحدة.
— كتير.
— أخصمها من مرتبي.
بصلها ببرود.
وبعدين قال:
— نزّليني.
قربت من الكرسي.
إيدها وصلت للمقبض.
فقال فجأة:
— استني.
وقفت.
بصلها.
— إنتِ مش خايفة إني أقلب الكرسي بيكي؟
ردت:
— وإنت مش خايف إني أسيبك في نص السلم؟
لأول مرة…
ضحك.
ضحكة صغيرة جدًا.
بس حقيقية.
هو نفسه اتفاجئ.
كأن الصوت خرج منه بالغلط.
وشه اتقفل فورًا.
وقال:
— يلا.
بدأت تنزله على المصعد الداخلي.
وأول ما وصلوا الصالة الكبيرة، كل اللي في المكان وقف.
الخدم.
الحراس.
حتى الست الكبيرة.
كلهم بصوا له.
هو خد باله.
وشه اتغير.
وقال بعصبية:
— في إيه؟ أول مرة تشوفوا بني آدم؟
الكل رجع لشغله بسرعة.
هي قربت من ودنه وقالت بصوت واطي:
— هما مش بيبصوا علشان إنت بني آدم.
بصلها.
— أمال؟
— علشان نزلت من فوق.
سكت.
دخلوا غرفة السفرة.
حطته عند طرف الترابيزة.
الأكل اتحط.
هو بص للصحن.
وقال:
— إنتِ هتفضلي واقفة؟
— ده شغلي.
— اقعدي.
— لأ.
— ده أمر.
— وأنا خدامة مش عسكري.
بصلها بحدة.
— اقعدي.
قالت:
— لو قعدت، الست الكبيرة هتطردني.
قال:
— محدش يقدر يطرد حد من بيتي غيري.
قالت:
— يا سلام.
وسحبت كرسي وقعدت بعيد شوية.
هو بدأ ياكل.
بعد دقيقتين قال:
— إنتِ عندك كام سنة؟
بصتله.
— ده تحقيق؟
— سؤال.
— مش قولتلك مش بحب الأسئلة؟
— ودي مش إجابة.
قالت:
— تسعة وعشرين.
— متجوزة؟
سكتت.
وشها اتغير جزء بسيط.
هو لاحظ.
— السؤال ضايقك؟
— السؤال مش مهم.
— عندك أولاد؟
إيدها شدت على طرف الكرسي.
وبعدين قالت:
— لأ.
صوته هدي.
— آسف.
بصتله باستغراب.
هو حس بنظرتها وقال:
— إيه؟
— أول مرة أسمعك بتعتذر.
رد بسرعة:
— متتعوديش.
هي ابتسمت.
وفجأة…
صوت عالي جه من باب القصر.
خبط.
صويت.
حركة غريبة.
السواق دخل بسرعة.
وشه كان مشدود.
وقال:
— لازم نطلع فوق.
صاحب البيت وقف الكلام.
— ليه؟
السواق بص للبنت.
وبعدين رجعله.
— في حد برا.
— مين؟
— واحد من الرجالة القديمة.
وش صاحب البيت اتقفل تمامًا.
— دخلوه.
السواق قال:
— مش لوحده.
— قولت دخلوه.
البنت قامت.
— أنا همشي.
صاحب البيت قال فورًا:
— لأ.
بصتله.
— دي مش شغلتي.
— اقعدي.
— ليه؟
— علشان قولت.
وقبل ما ترد، دخل راجل طويل ببدلة رمادي.
وورا اتنين.
أول ما شاف صاحب البيت على الكرسي، ابتسم ابتسامة باردة.
وقال:
— أخيرًا نزلت من أوضتك.
صاحب البيت قال:
— قول اللي عندك وامشي.
الراجل بص للبنت.
— دي جديدة؟
محدش رد.
هو قرب شوية.
— غريب.
وبعدين ضحك.
— كل مرة بتغير الخدم أسرع من رجالتك.
البنت حست إن الجو اتغير.
الموضوع مش مجرد زائر.
الراجل ده بيتعمد يستفزه.
صاحب البيت قال:
— آخر مرة هقولك: قول اللي عندك.
الراجل طلع ظرف أسود وحطه على الترابيزة.
— لقيته قدام باب مخزن قديم.
صاحب البيت مبصش للظرف.
— وإيه يعني؟
الراجل قال:
— افتحه.
مد إيده.
فتح الظرف.
فيه صورة.
أول ما شافها…
لون وشه اتغير.
البنت لمحت جزء منها.
عربية متحطمة.
ونقطة دم على الأرض.
وصورة طفل.
نفس الطفل اللي كان واقف جنبه في الصورة القديمة.
صاحب البيت رفع عينه ببطء.
وقال:
— مين بعت ده؟
الراجل هز كتفه.
— لو كنت أعرف، ماكنتش جيتلك.
صاحب البيت شد الصورة في إيده.
— اطلع برا.
الراجل ابتسم.
— اللي عمل فيك كده رجع.
الهدوء وقع على المكان كله.
البنت بصت لصاحب البيت.
لأول مرة من ساعة ما عرفته…
الغضب اختفى.
وكان مكانه حاجة تانية.
خوف.
حقيقي.
الراجل كمل:
— وقال المرة دي مش هيكتفي برجليك.
السواق مد إيده ناحية سلاحه.
لكن صاحب البيت رفع إيده يمنعه.
وقال:
— برا.
الراجل لف علشان يمشي.
بس قبل ما يخرج، بص للبنت.
وقال:
— لو كنتِ جديدة فعلًا…
امشي قبل ما تبقي جزء من اللي جاي.
البنت فضلت ثابتة.
الباب اتقفل.
الصمت رجع.
هي بصت لصاحب البيت.
— مين الطفل؟
وشه اتجمد.
السواق بص لها بتحذير.
لكن هي كملت:
— هو نفس الطفل اللي في الصورة اللي وقعت منك امبارح، صح؟
صاحب البيت رفع عينه ليها.
— قولتلك متبصيش.
— وإنت قولتلي إنك عملت حادث.
سكت.
قالت:
— واضح إنه مش حادث.
السواق قال بحدة:
— كفاية.
لكن صاحب البيت رفع إيده.
بص للبنت وقت طويل.
وبعدين قال:
— اطلعي برا.
قالت:
— حاضر.
لفت.
وقبل ما توصل للباب، سمعته يقول:
— الطفل كان أخويا.
وقفت.
قلبها نزل.
لفت له ببطء.
ملامحه كانت مختلفة تمامًا.
كأن في ثانية واحدة كل الغضب اللي شايله اتكسر.
قال:
— كان عنده عشر سنين.
هي سكتت.
قال:
— مات في الليلة اللي أنا فقدت فيها رجلي.
البنت رجعت خطوة.
— الحادث؟
ضحك ضحكة مرة.
— مكنش حادث.
السواق غمض عينه.
وصاحب البيت كمل:
— العربية اتضربت عمد.
— مين عمل كده؟
بصلها.
— ده السؤال اللي محدش عرف يجاوبه من ست شهور.
وبعدين رفع الصورة السودا.
— والظاهر إن اللي عملها…
قرر يرجع يكمل اللي بدأه.
البنت وقفت مكانها.
أي حد عاقل كان المفروض يمشي.
تاخد فلوسها.
تدفع إيجارها.
وتبعد عن القصر ده للأبد.
لكنها بصتله.
لأول مرة ما شافتش الملياردير الغاضب.
ولا الراجل اللي بيكسر الأطباق.
ولا صاحب البيت اللي الكل بيخاف منه.
شافت أخ كبير خسر أخوه…
وجزء من جسمه…
وثقته في كل اللي حواليه.
قالت له بهدوء:
— الأكل برد.
رفع عينه باستغراب.
قالت:
— كل الأول.
السواق بص لها كأنها مجنونة.
وصاحب البيت قال:
— إنتِ سمعتي اللي اتقال؟
— أيوه.
— ومش هتمشي؟
قالت:
— لسه آخر الأسبوع مجاش.
فضل باصصلها.
وبعدين لأول مرة…
شد الطبق ناحيته.
وبدأ ياكل.
لكن وهي خارجة من غرفة السفرة…
البنت خدت بالها من حاجة محدش لاحظها.
الصورة اللي كانت جوه الظرف الأسود…
كان مكتوب على ضهرها تاريخ.
تاريخ الحادث نفسه.
وتحت التاريخ جملة قصيرة:
“هي كانت معاكم في العربية.”
البنت وقفت مكانها.
وبصت للصورة تاني.
لأن لو الجملة دي صح…
يبقى في شخص تالت كان موجود ليلة
شخص محدش جاب سيرته.
وشخص واضح جدًا…
إن صاحب القصر كان بيخبي وجوده عن الجميع.
يتبغ




