سبوع ابن ضرتي اسما السيد 5

الفصل الخامس والأخير: البيت الذي عاد له قلبه بعد ولادة الطفل بأيام، كان البيت ساكنًا على غير عادته. هبة عادت مؤقتًا إلى البيت الكبير بناءً على إصرار الحاجة صفية، لا لأنها قررت الرجوع إلى نادر، بل لأنها كانت ما تزال متعبة وتحتاج إلى مكان أهدأ ورعاية أفضل. ونادر التزم حدوده. كان يدخل على ابنه بعد أن يستأذن.
يحمله.
يغير له ملابسه.
ويجلس بالساعات يتأمله كأنه يحاول أن يعوض سنوات كاملة من الحرمان.
أما هبة، فكانت تراقب.
بهدوء.
من بعيد.
شيء في قلبها كان يتحرك.
ببطء.
وحذر.
وفي مساء أحد الأيام، دخلت الحاجة صفية غرفتها وهي تحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
قالت:
— جه وقت تعرفي ليه أنا بعتلك نصيبي من البيت.
رفعت هبة عينيها.
— مش علشان كنتِ واقفة جنبي؟
ابتسمت العجوز.
— وقفت جنبك، آه.
ثم وضعت الصندوق أمامها.
— بس فيه سبب تاني.
فتحت الصندوق.
كان بداخله أوراق قديمة وصورة لنادر مع أبيه.
وأخرجت ظرفًا مغلقًا.
— ده بخط أبو نادر.
تجمدت هبة.
— الله يرحمه؟
— أيوه.
سكتت الحاجة صفية.
ثم قالت:
— قبل ما يموت بشهور، كان عارف إن ابنه عنده مشكلة في الخلفة.
شهقت هبة.
— كان عارف؟
— أيوه.
شعرت بمرارة.
— ونادر ما قالش له؟
— أبوه عرف من الدكتور بالصدفة وقت ما كان بيتابع حالة صحية لنادر.
ثم أضافت:
— بس ما واجهوش.
رفعت هبة حاجبيها.
— ليه؟
تنهدت الحاجة.
— لأنه كان فاهم ابنه.
سكتت.
ثم قالت:
— كان عارف إن نادر بيتعامل مع الوجع بالكتمان.
فتحت الظرف.
وجدت رسالة.
قرأت:
“يا أمي، لو جرالي حاجة، البيت ده نصه لنادر ونصه ليكي. بس لو في يوم ظلم مراته بسبب موضوع الخلفة، أنا عايزك تقفي مع المظلومة، حتى لو كانت ضد حفيدك.”
توقفت هبة.
بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.
أكملت:
“نادر طيب، لكن كبرياؤه ممكن يضيع منه ناس بيحبوه. ولو عمل كده، ما تدافعوش عنه. خلوه يتعلم.”
أنزلت الورقة.
قالت الحاجة صفية:
— علشان كده بعتلك نصيبي.
همست هبة:
— يعني إنتِ كنتِ بتنَفذي وصيته؟
— وبنفذ ضميري.
عرف نادر بالأمر في الليلة نفسها.
دخل على جدته.
— يعني أبويا كان عارف؟
— أيوه.
جلس.
— وليه ما قاليش؟
— يمكن لأنه كان مستنيك تبقى راجل وتعترف بنفسك.
أغمض عينيه.
— وأنا فشلت.
قالت الحاجة صفية:
— فشلت زمان.
رفعت عصاها وأشارت إليه.
— السؤال دلوقتي: هتفضل عايش جوه فشلك القديم؟ ولا هتبني حاجة جديدة؟
سكت طويلًا.
ثم نظر ناحية غرفة هبة.
— مش عارف هي هتسامحني ولا لأ.
قالت العجوز:
— ما تطلبش السماح.
— أمال أعمل إيه؟
— استحقه.
مرت الشهور.
كبر الطفل.
واختارت هبة له اسم آدم.
أما سمر، فانفصلت رسميًا عن نادر.
ورامي اعترف بالطفل وتحمّل مسؤوليته.
لم تعد الأمور جميلة فجأة.
لكنها أصبحت واضحة.
وكل واحد فيهم بدأ يدفع ثمن قراراته ويصلح ما يستطيع إصلاحه.
أما نادر…
فلم يضغط على هبة مرة واحدة.
كان موجودًا.
فقط.
وذات مساء، وجدت هبة آدم نائمًا فوق صدره على الأريكة.
ونادر نفسه غلبه النوم.
وقفت أمامهما.
ظلّت تنظر.
الرجل الذي كسر قلبها…
كان نفسه الرجل الذي يبني الآن في صمت شيئًا آخر.
لاحظت أنها لم تعد تخاف منه.
وهذه الحقيقة كانت أكبر من الحب نفسه.
استيقظ نادر.
رآها.
ابتسم.
— واقفة ليه؟
قالت:
— بتفرج.
— على إيه؟
اقتربت.
أخذت آدم من بين ذراعيه.
— عليك.
ارتبك.
قالت:
— إنت اتغيرت.
خفض عينيه.
— لسه بحاول.
— وأنا شايفة.
رفع رأسه.
ولم يجرؤ أن يسأل.
لكنها فهمت.
قالت:
— أنا مش هنسى اللي حصل.
— عارف.
— ومش عايزة أرجع لنفس الجوازة القديمة.
— وأنا كمان.
سكتت.
ثم قالت:
— بس ممكن نبدأ من أول وجديد.
ظل ينظر إليها كأنه لم يفهم.
— تقصدي إيه؟
ابتسمت.
— أقصد نتعرف على بعض من جديد.
وقف.
— هبة…
رفعت إصبعها.
— واحدة واحدة.
ضحك.
كانت أول ضحكة صافية بينهما منذ زمن طويل.
— حاضر.
بعد عدة أشهر…
كان البيت مزينًا للمرة الثانية.
لكن هذه المرة لم يكن هناك سبوع.
ولا ضرة.
ولا كذبة.
كانت هناك جلسة عائلية صغيرة.
وآدم يرتدي بدلة صغيرة وهو في حضن الحاجة صفية.
قالت الجدة:
— استعجلوا بقى بدل ما أموت قبل ما أشوفكم رجعتوا رسمي!
ضحكت هبة.
— بعد الشر عليكي.
أما نادر فقال:
— أنا جاهز من زمان.
نظرت إليه هبة.
— وإنت مين قالك إن القرار لوحدك؟
رفع يديه.
— اتعلمت. والله اتعلمت.
ضحكت.
ثم اقترب منها.
— يعني موافقة؟
نظرت إلى آدم.
ثم إلى نادر.
ثم قالت:
— موافقة.
احتضنها نادر.
لكنها أبعدته قليلًا.
— قدام الناس يا نادر!
ضحكت العائلة.
وقال هو:
— سبع سنين جواز ولسه بتتكسفي؟
ردت:
— الجوازة دي جديدة يا أستاذ.
اقترب وهمس:
— أحلى جوازة في عمري.
وبعد عامين…
كان آدم يجري في الحديقة.
وخلفه طفلة صغيرة لم تتجاوز العام.
وقفت هبة عند الباب تنادي:
— آدم! براحة على أختك!
ظهر نادر من خلفها.
— سيبيهم يلعبوا.
قالت:
— إنت اللي هتشيل الليلة لو وقعها.
— أشيلها هي وأخوها وأمهم.
نظرت إليه.
— كلام كبير.
ابتسم.
— جربي.
ضحكت.
ثم أسندت رأسها على كتفه.
وفي الداخل…
كانت هناك صورة قديمة معلقة من ليلة السبوع.
هبة ترقص.
وكل الموجودين يظنون أنها مكسورة.
لكنها الآن كانت تنظر إلى الصورة بشكل مختلف.
قال نادر:
— ليه محتفظة بالصورة دي؟
ابتسمت.
— علشان تفضل تفكرني.
— بإيه؟
قالت:
— إن في اليوم اللي الكل افتكرني فيه بخسر…
بدأت حياتي الحقيقية.
نظر إليها.
— وأنا؟
سكتت لحظة.
ثم ابتسمت.
— وإنت كنت أكبر درس فيها.
تظاهر بالزعل.
— درس بس؟
ضحكت.
— وبقيت أحلى تعويض.
ضمها إليه.
ومن بعيد…
تعالت ضحكات الطفلين.
وسقطت الشمس ببطء خلف البيت الذي شهد الخيانة والوجع والخذلان.
لكنه شهد أيضًا شيئًا آخر.
أن بعض البيوت لا تنقذها الجدران.
ينقذها الصدق.
وأن الحب وحده لا يكفي.
لكن حين يأتي الحب مع الاحترام، والاعتراف، والتغيير…
يمكن لقلب مكسور أن يحب من جديد.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



