روايات وقصص

لا تستهن بضعفي بقلم اسما السيد 3

وقفت قدام باب شقتي وأنا ببص لأدهم وداليا. الاتنين واقفين جنبي بعض. وكأنهم جايين يحاكموني. أدهم قال بعصبية: — عايز أفهم علاقتك بحسام بدأت إمتى؟ بصيتله ثواني. وبعدين ضحكت. مش سخرية. ضحكة واحدة اكتشفت فجأة إن الموقف يستحقها. قلت: — علاقتي بحسام؟ داليا شبكت إيديها قدام صدرها.

 

— ما تعمليش نفسك مش فاهمة يا ليلى. إنتِ خارجة داخلة عنده، وولادك عنده طول الوقت…

قاطعتها:

— وإنتِ مالك؟

اتلخبطت.

— أنا… أنا أم ولاده.

— بالضبط. أم ولاده. يبقى اسألي عن ولادك، مش عني.

أدهم قرب خطوة.

— وأنا أبو ولادك، ومن حقي أعرف مين داخل حياتهم.

هنا ضحكتي اختفت.

قلت:

— حقك كأبوهم محفوظ. لكن حياتي الشخصية بعد الطلاق مش ملكك.

— يعني بتعترفي؟

— أعترف بإيه؟ أنا وحسام مافيش بينا علاقة.

داليا قالت بسرعة:

— مش مصدقاكي.

بصيتلها.

— وإنتِ آخر واحدة في الدنيا يهمني تصدقيني.

أدهم خبط بإيده على الحيطة.

— كفاية لف ودوران! إنتوا كنتوا بتتقابلوا من ورانا!

قلت:

— أيوه.

سكتوا.

أدهم قرب:

— أهو اعترفتي!

— كنا بنتقابل علشان نعرف إزاي نحمي حقوقنا وولادنا بعد ما اكتشفنا إن شريكي حياتنا بيخونونا مع بعض.

وشه احمر.

قلت:

— الفرق بيننا إننا لما اتقابلنا، ما خناش حد.

داليا تمتمت:

— أكيد الموضوع اتطور.

— لأ.

— ومستنية أصدق؟

— ما يفرقليش.

وقبل ما أقفل الباب، قلت:

— وبالمناسبة يا أدهم… لو في يوم حسام دخل حياتي فعلًا، هيكون بعد ما كل شيء بينا انتهى. من حقي أبدأ من جديد زي ما من حقك تتحمل نتيجة اختياراتك.

ثم قفلت الباب.

ولأول مرة…

ما ارتعشتش إيدي بعد مواجهة أدهم.

لكن كلامهم عمل حاجة جوايا.

خلاني أخاف.

مش منهم.

من نفسي.

لأن الحقيقة اللي كنت بهرب منها إن حسام فعلًا بقى شخص مهم بالنسبة لي.

لما مريم تتعب، يسأل عليها.

لما أتأخر، يفضل الأطفال معاه.

لما لارا تحتاج حاجة، تكلمني.

بقينا عيلتين مربوطين ببعض من غير ما نقصد.

وفي ليلة، بعتله:

“لازم نتكلم.”

تقابلنا في مكان عام.

أول ما قعد قال:

— أدهم وداليا جم لك، صح؟

استغربت.

— عرفت إزاي؟

— داليا اتصلت بيا وعملت نفس المسرحية.

سكتنا.

وبعدين قلت:

— حسام… لازم نقلل تعاملنا.

ملامحه اتغيرت.

— ليه؟

— علشان الأولاد.

— ولا علشان كلامهم؟

— علشان أنا مش عايزة حاجة تبدأ غلط.

بصلي طويلًا.

— في حاجة أصلًا؟

السؤال خلاني أسكت.

كرر:

— ليلى… في حاجة؟

قلت:

— أنا مش عارفة.

هز رأسه.

— وأنا كمان.

دي كانت أول مرة نعترف.

مش بحب.

ولا بإعجاب حتى.

اعترفنا إن في شيء بيتكوّن…

وإننا الاتنين خايفين منه.

قال:

— أنا مش عايز أكون بالنسبة لك رد فعل على أدهم.

قلت:

— وأنا مش عايزة أكون تعويض عن داليا.

— يبقى نستنى.

بصيتله.

— نستنى إيه؟

ابتسم ابتسامة بسيطة.

— لحد ما نبقى متأكدين إننا بنختار بعض… مش بنهرب لبعض.

الجملة دي فضلت معايا شهور.

بعدها فعلًا قللنا مقابلاتنا.

كل واحد ركز في أولاده وحياته.

خلصت إجراءات طلاقي.

وأنهى حسام زواجه هو الآخر بالطريق القانوني.

أدهم في البداية حاول يرجعني.

ورد.

اعتذارات.

مكالمات.

مرة وقف قدام شغلي.

قال:

— أنا غلطت.

قلت:

— عارفة.

— وداليا انتهت.

ما حسيتش بحاجة.

قلت:

— دي مش مشكلتي.

— ليلى أنا بحبك.

بصيتله.

زمان الجملة دي كانت كفاية تهدني.

دلوقتي سألت:

— بتحبني ولا مش قادر تستوعب إني عرفت أعيش من غيرك؟

سكت.

قلت:

— لأن الاتنين مش واحد.

حاول يمسك إيدي.

بعدتها.

— ولادك هيفضلوا يشوفوك، وأنا عمري ما هشوّه صورتك قدامهم. لكن أنا وإنت خلصنا.

— علشان حسام؟

ابتسمت.

— لأ يا أدهم.

قربت منه وقلت بهدوء:

— علشاني أنا.

ومشيت.

أما داليا…

فاكتشفت إن الحكايات السرية جميلة طول ما هي سر.

بعد الطلاق، بدأت تضغط على أدهم.

كانت متوقعة إنه يتجوزها.

هو بدأ يتهرب.

مرة يقول الظروف.

مرة الأولاد.

مرة الفلوس.

لحد ما اتقابلوا قدام العمارة وسمعتهم أمه بالصدفة بيتخانقوا.

داليا صرخت:

— إنت وعدتني!

أدهم قال:

— ما وعدتكيش بحاجة!

— كنت بتقول أول ما نخلص منهم هنعيش مع بعض!

— كنت مضغوط!

ضحكت بمرارة:

— مضغوط؟ تسع سنين وإنت بتقول إن أنا حب عمرك!

وأمه كانت واقفة خلفهم.

سمعت كل شيء.

ما احتجتش أفضحهم.

هم عملوها بنفسهم.

والخبر انتشر وسط العيلة والجيران من خناقاتهم ومحاولاتهم يبرروا اللي حصل.

وأنا؟

ما علقتش.

لأن أكبر فضيحة للخاين مش إن الناس تعرف.

إن الشخص اللي ضحى عشانه يطلع مش مستعد يضحي عشانه هو.

مر تقريبًا عام.

عام كامل.

غيرت شغلي لمكان أفضل.

استقريت مع ولادي.

ياسين بقى أهدى.

مريم بطلت تسأل:

“بابا هيرجع يعيش معانا إمتى؟”

وأدهم بدأ يتعامل مع واقعه كأب منفصل.

أما أولاد حسام…

فضلوا قريبين مننا.

خصوصًا لارا.

وفي يوم عيد ميلادها، أصرت إني أحضر.

روحت أنا والولاد.

كان الاحتفال بسيط.

كيكة.

بالونات.

أطفال بيجروا في كل مكان.

حسام كان واقف بعيد بيتكلم مع أخته.

وأنا كنت بساعد لارا تظبط طرحتها الصغيرة فوق شعرها علشان صورة العيد ميلاد.

قالت فجأة:

— طنط ليلى؟

— نعم؟

— إنتِ بتحبي بابا؟

اتخضيت.

— إيه السؤال ده؟

ضحكت.

— علشان هو بيبقى مبسوط لما إنتِ موجودة.

— لارا!

جريت وهي بتضحك.

رفعت عيني…

لقيت حسام باصصلي من الناحية التانية.

واضح إنه شاف ارتباكي.

قرب.

— قالتلك إيه المصيبة؟

— اسأل بنتك.

— أخاف.

ضحكت.

ضحك.

وفجأة…

سكتنا.

المرة دي ما كانش فيه خيانة نتكلم عنها.

ولا محامين.

ولا أدهم.

ولا داليا.

كان فيه أنا وهو بس.

قال:

— عدت سنة يا ليلى.

فهمت قصده.

قلت:

— عارفة.

— ولسه شايفة إننا محتاجين نستنى؟

قلبي دق.

قلت:

— وإنت؟

— أنا استنيت علشان أتأكد.

— اتأكدت من إيه؟

بصلي بطريقة مختلفة.

— إن اللي حاسه ناحيتك مش امتنان.

سكت.

— ومش علشان وقفتي مع ولادي.

قرب خطوة، محافظ على مسافته.

— ومش علشان إحنا اتخانّا من نفس الشخصين.

ابتلعت ريقي.

قال:

— أنا بحب ليلى نفسها.

نزلت عيني.

قال:

— ولو إنتِ مش حاسة بنفس الحاجة، مش هيتغير احترامي ليكي ولا علاقة ولادنا ببعض.

رفعت عيني.

وده بالضبط…

كان الفرق.

أدهم كان دايمًا عايز إجابة تناسبه.

حسام كان مستعد يسمع “لأ”.

قلت:

— وأنا خفت أحبك.

ابتسم.

— ليه؟

— علشان الناس تقول بدلوا الأزواج.

ضحك بخفة.

— والناس كانت فين لما إحنا كنا بنلم ولادنا من وسط اللي حصل؟

ابتسمت رغمًا عني.

ثم قلت:

— وخفت يكون اللي بينا مجرد وجع مشترك.

— وبعد سنة؟

بصيت للأطفال.

ياسين وآدم بيلعبوا كورة.

مريم ولارا بيضحكوا.

رجعت بصيتله.

— بعد سنة… الوجع راح.

— وأنا؟

ابتسمت.

— إنت فضلت.

كانت دي إجابتي.

ما اتجوزناش تاني يوم.

ولا بعد أسبوع.

أخدنا وقتنا.

دخلنا البيوت من أبوابها.

اتكلم حسام مع أهلي باحترام.

قعدنا مع الأطفال بطريقة تناسب أعمارهم، من غير ما نفرض عليهم حاجة.

وكان أغرب رد من آدم.

بصلي وقال:

— يعني لو اتجوزتوا… مريم هتبقى أختي؟

ضحكت:

— تقريبًا.

بص لياسين.

— بس هو مش هياخد البلايستيشن بتاعي.

ياسين صاح:

— إنت أصلًا بتلعب عندي!

انفجرنا كلنا ضحك.

أما لارا…

فحضنتني.

يوم كتب كتابنا كان بسيط.

أنا ما كنتش عايزة قاعة كبيرة.

ولا مظاهر.

كنت عايزة بيت هادي.

أهلي.

أهله.

الأطفال.

ودعوة من القلب إن ربنا يعوضنا خير.

قبل ما نمضي، حسام قاللي:

— ليلى؟

— نعم؟

— آخر فرصة تهربي.

ضحكت:

— وإنت؟

— أنا عندي أربعة عيال مستنيين برا، لو هربت هيجيبوني.

قلت:

— أربعة؟

بصلي.

— من النهارده ولادك ولادي، وولادي ولادك… من غير ما حد فينا يحاول ياخد مكان أبوهم أو أمهم.

الجملة دي هي اللي خلت عيني تدمع.

لأن الحب الحقيقي ما طلبش مني أمسح الماضي.

طلب مني نبني مستقبلًا أرحم.

ومضينا.

بعد الجواز بشهور، كنا قاعدين كلنا على سفرة واحدة.

ياسين بيتخانق مع آدم على آخر قطعة فراخ.

مريم بتشتكي إن لارا خدت قلمها.

حسام بيقول:

— يا جماعة أنا كنت متجوز وعندي طفلين… إزاي صحيت لقيتهم أربعة؟

قلت:

— لسه بدري على الندم.

قال:

— أنا ندمان فعلًا.

الأطفال سكتوا.

بصوا له.

كمل بمنتهى الجدية:

— كان لازم نجيب سفرة أكبر.

ضحكوا.

وأنا ضحكت معاهم.

بصيت حواليّ.

البيت مش كامل.

ولا حياتنا كانت حكاية وردية.

الأطفال فضل ليهم أب وأم بيشوفوهم وفق الترتيبات المناسبة، وإحنا ما حاولناش نمحي حد من حياتهم.

لكن داخل بيتنا الجديد…

كانوا الأربعة أولادنا في الرعاية والحب والعدل.

وفي ليلة، وأنا واقفة في البلكونة، حسام وقف جنبي.

قال:

— بتفكري في إيه؟

قلت:

— في أول شقة.

سكت.

— زعلانة؟

هززت رأسي.

— لأ.

— مع إنك دفعتي فيها قرش بقرش؟

ابتسمت.

— كنت فاكرة إني خسرت كل حاجة يوم عرفت ليه أدهم اختارها.

— ودلوقتي؟

بصيت جوه.

الأطفال الأربعة نايمين في أمان.

ثم بصيتله.

وقلت:

— دلوقتي فهمت إن البيت مش طوب وفلوس.

— أمال إيه؟

حطيت إيدي على قلبي.

— البيت هو المكان اللي ما تضطرش فيه تشك إنك محبوب.

ابتسم.

أما أدهم وداليا…

فالحب الأسطوري اللي هدموا بيتين عشانه ما استحملش الواقع.

بعد فترة قصيرة انفصلوا تمامًا.

كل واحد بدأ يحمل التاني مسؤولية اللي خسره.

داليا كانت شايفة إن أدهم خذلها.

وأدهم كان شايف إنها السبب في خراب بيته.

لكن الحقيقة؟

ولا واحد فيهم كان ضحية التاني.

الاتنين اختاروا.

والاتنين دفعوا ثمن اختيارهم.

أما أنا وحسام…

فما اتجوزناش علشان ننتقم منهم.

لو كان جوازنا انتقامًا، كان انتهى أول ما غضبنا انتهى.

إحنا اتجوزنا بعد ما الغضب هدي.

بعد ما الطلاق انتهى.

بعد ما كل واحد وقف على رجله.

وبعد ما اكتشفنا إن اللي بدأ بينا كشراكة بين شخصين بيحموا بيوتهم…

اتحول بهدوء إلى مودة ورحمة وحياة جديدة.

وفي ذكرى جوازنا الأولى…

حسام جابلي هدية.

كانت مجسم صغير لبيت.

ضحكت.

— إيه ده؟

قال:

— أول طوبة.

— أول طوبة في إيه؟

بصلي.

— في بيت أحلامك الحقيقي.

حضنت المجسم بين إيديا.

وافتكرت الجملة اللي قلتها يوم اكتشفت الخيانة:

“هبني حياتي من جديد… طوبة طوبة.”

وبنيتها فعلًا.

لكن المرة دي…

ما بنيتهاش علشان أرضي راجل.

ولا علشان أحافظ على شكل بيت قدام الناس.

بنيتها علشاني.

وعلشان ولادي.

وبعد ما اكتملت…

لقيت راجل محترم واقف عند بابها.

ما اقتحمهاش.

ما خدعنيش.

ما طلبش مني أنسى وجعي.

استأذن يدخل.

ففتحتله.

**وعرفت أخيرًا إن بعض البيوت لما بتتهد…

مش بيكون ده نهاية الحكاية.

ساعات بيكون ربنا بينجيك من بيت كنت بتبنيه للشخص الغلط…

علشان تبدأ، بإرادتك، تبني بيتك الحقيقي.**

تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى