Uncategorizedروايات وقصص

بعد خمس دقائق حكايات اسما السيد 4

بعد سنة وشهر تقريبًا من صباح

كنت واقفة قدام مراية جناحي في الفندق، بظبط آخر تفصيلة في هدومي قبل ما أنزل الحفل السنوي لشركتي.

الحفل المرة دي مكانش مجرد احتفال.

كان إعلان عن توسع جديد، وعقود جديدة، وشراكات كنا بنجهز لها من شهور.

لكن من بين عشرات الأسماء الموجودة في قائمة الحضور…

كان فيه اسم واحد وقفت عنده عيني ثواني.

طليقي.

مش باعتباره جوزي السابق.

ولا أبو بناتي.

ولا الراجل اللي عشت معاه 12 سنة.

كان جاي بصفته ممثل شركة متقدمة لعقد شراكة معانا.

الغريب؟

إن من سنة واحدة بس، كان قاعد قدامي في مكتب المحامي، ماسك مفاتيح شقة وعربية، وفاكر إنه خرج من الجواز منتصر.

والنهارده…

هو اللي جاي يدخل مكاني.

ومحتاج موافقة مجلس إدارة أنا رئيسته.

دخلت عليا سارة.

كانت كبرت سنة…

بس السنة دي غيرتها أكتر مما توقعت.

قالت:

— ماما؟

— نعم؟

— بابا وصل.

بصيت لها من المراية.

— شوفتيه؟

— أيوه.

— ونور؟

ضحكت.

— جريت عليه أول ما شافته.

ابتسمت.

العلاقة بينهم اتحسنت.

مش رجعت زي زمان…

لأن مفيش «زي زمان» أصلًا.

هو كان بيبني علاقة جديدة معاهم من البداية.

زيارة وراء زيارة.

مكالمة وراء مكالمة.

موقف وراء موقف.

وسارة؟

لسه حذرة.

لكنها بطلت تسأله:

«هتيجي بجد؟»

لأنه بقى بييجي.

قالت فجأة:

— ماما؟

— نعم؟

— إنتِ متضايقة إنه هنا؟

لفيت لها.

— لأ.

— خالص؟

ابتسمت.

— زمان كنت ممكن أتضايق.

— ودلوقتي؟

— دلوقتي باباكي جزء من حياتكم… بس مبقاش مركز حياتي أنا.

فكرت شوية.

وبعدين ابتسمت.

— فهمت.

ضحكت.

— متأكدة؟

— تقريبًا.

حضنتها.

— كفاية تقريبًا.

نزلت القاعة.

أضواء.

مستثمرين.

صحافة اقتصادية.

موظفين.

شركاء.

ناس وقفت تسلم عليا.

ناس كانت بتتكلم عن توسع الشركة.

وناس كانت مستنية الإعلان عن العقود الجديدة.

وفي آخر القاعة…

شفته.

واقف ببدلة غامقة.

لكن ملامحه مختلفة.

أهدى.

أضعف شوية.

ويمكن…

أنضج.

نور كانت ماسكة إيده.

وبتتكلم بسرعة:

— وبعدين الأبلة قالت إن رسمتي أحسن رسمة في المجموعة!

كان مركز معاها.

فعلًا مركز.

مش ماسك موبايله.

مش بيبص في الساعة.

مش مستنيها تسكت.

قال:

— طب فين الرسمة؟

— في البيت.

— المرة الجاية تجيبيها.

نور ضيقت عينيها.

— وتحطها فين؟

ضحك.

— في مكتبي.

— مش العربية؟

وشه اتغير لحظة.

وبعدين قال:

— مستحيل العربية.

نور ضحكت.

وسارة كمان.

أنا وقفت بعيد.

ومعرفتش أمنع ابتسامتي.

مش علشانه.

علشانهم.

لأنهم أخيرًا بقوا بياخدوا من أبوهم الحاجة اللي كانوا محتاجينها من زمان:

الاهتمام.

رفع عينه.

شافني.

سكت.

نور بصتلي وجريت.

— ماما!

حضنتها.

هو قرب.

وقف قدامي.

— مساء الخير.

— مساء النور.

— مبروك التوسع.

— الله يبارك فيك.

لحظة صمت غريبة.

مش عدائية.

ومش رومانسية.

بس مليانة تاريخ.

قال:

— عرفت إن مجلس الإدارة هيعلن النتيجة الليلة.

— صحيح.

هز راسه.

— بالتوفيق للجميع.

واستدار.

ناديت:

— استنى.

لف.

قلت:

— الشركة اللي إنت ممثلها ملفها قوي.

اتصدم.

واضح إنه مكانش متوقع مني أقول حاجة.

— شكرًا.

— بس القرار مش بتاعي لوحدي.

— عارف.

— ولو اترفض…

قاطعني بهدوء:

— هحترم القرار.

بصيتله.

من سنة…

كان هيقول:

«بعد اللي بينا؟»

أو:

«إنت بتنتقمي.»

لكن المرة دي…

قال:

— أنا جيت أقدم عرض شغل. مش أطلب معروف من مراتي السابقة.

هزيت راسي.

— كويس.

ومشيت.

بعد حوالي ساعة…

طلعت المسرح.

بدأ العرض.

نتائج السنة.

الأرباح.

التوسع.

الفروع الجديدة.

وبعدين وصلنا للعقود.

أعلنت عقد.

ثم الثاني.

وبعدين العقد الأخير.

القاعة هديت.

قلت:

— أما الشراكة التشغيلية الجديدة…

فتحت الظرف.

كنت عارفة النتيجة طبعًا.

مجلس الإدارة صوت قبل الحفل.

قلت اسم الشركة.

شركته الجديدة.

التصفيق ملأ القاعة.

بصيت ناحيته.

وقف للحظة كأنه مش مصدق.

زميله حضنه.

نور بدأت تسقف وهي مش فاهمة أصلًا العقد إيه.

أما هو…

ففضل باصصلي.

نزلت من المسرح.

بعد شوية لقاني لوحدي عند طرف القاعة.

قرب.

— سندس.

— نعم؟

— شكرًا.

قلت فورًا:

— متشكرنيش.

اتلخبط.

— الملف كسب بالتصويت.

— عارف، بس…

— وأنا امتنعت عن التصويت.

اتصدم.

— إيه؟

— لأن وجودك طرف في الصفقة ممكن يخليني منحازة ليك أو ضدك. فخرجت نفسي من القرار.

فضل ساكت.

قلت:

— شركتك كسبت العقد لأنها تستحقه.

سألني:

— وإنتِ كان ممكن ترفضي؟

— كان ممكن.

— ليه معملتيش؟

بصيت في عينه.

— لأن الانتقام الحقيقي انتهى من زمان.

— إمتى؟

— يوم ما خرجت من مكتب المحامي.

ابتسم بحزن.

قلت:

— أنا مكنتش عايزة آخد منك شركة، ولا فلوس، ولا حياة.

وسكت لحظة.

— كنت عايزة آخد نفسي وبناتي من مكان بقينا فيه بنحس إننا أقل من حد لسه حتى ماجاش الدنيا.

نزل عينه.

— أنا آسف.

قلت:

— عارفة.

رفع عينه بسرعة.

— سامحتيني؟

فكرت.

ثم قلت:

— أيوه.

دموعه لمعت.

لكن كملت:

— بس المسامحة مش معناها الرجوع.

سكت.

— عارف.

— كويس.

ابتسم ابتسامة صغيرة.

— على فكرة…

— إيه؟

— زمان كنت فاكر إن أسوأ حاجة ممكن تحصل إنك تسيبيني.

— وبعدين؟

بص ناحية سارة ونور.

— اكتشفت إن الأسوأ إن بناتي يبطلوا يشوفوني أبوهم.

قال:

— خسارة الشركة خوفتني.

وسكت.

— الحادثة خوفتني أكتر.

وبعدين بصلي.

— بس مكالمة سارة كسرتني.

ما رديتش.

قال:

— لما قالتلي «إنت مش محتاج تقول إنك زعلان إننا بنات»… عرفت إن فيه حاجات كنت بعملها من غير ما أفكر، وهي كانت بتعيشها كل يوم.

قلت:

— المهم إنك فهمت.

— متأخر.

— أحيانًا المتأخر أحسن من أبدًا.

ابتسم.

وبعدين قال:

— أتمنى في يوم…

وسكت.

كنت عارفة الجملة.

لكنه غيرها.

— أتمنى في يوم تبقي فخورة إني بقيت أب أحسن.

ابتسمت.

— دي حاجة بينك وبين بناتك.

ومشيت.

بعد الحفل، خرجت أدور على البنات.

لقيت نور قاعدة على الكنبة.

وسارة جنبها.

وفي النص…

طفلة صغيرة بتجري بينهم.

ليان.

كانت بدأت تمشي.

مرات طليقي كانت واقفة بعيد بتضحك.

أول ما شافتني، اتوترت.

قربت.

— مساء الخير.

— مساء النور.

سكتنا.

وبعدين قالت:

— شكرًا إنك وافقتي البنات يقضوا وقت مع أختهم.

بصيت ناحية الثلاثة.

— هما أخوات. مشاكلنا ملهاش علاقة بيهم.

دموعها ظهرت.

— أنا مدينة لك باعتذار.

قلت:

— إحنا اتكلمنا قبل كده.

— لأ… المرة دي عايزة أقوله وأنا باصة في عينك.

سكت.

قالت:

— أنا عرفت إنه متجوز.

عيني ثبتت عليها.

— من الأول؟

هزت راسها.

— أيوه.

أخدت نفس.

— وصدقت كلامه إن جوازكم انتهى فعليًا وإنكم عايشين علشان البنات بس.

ما رديتش.

قالت:

— ولما حملت…

دموعها نزلت.

— حسيت إني كسبت.

سألتها:

— كسبتي إيه؟

سكتت.

— راجل متجوز؟

— عارفة.

— بيت فيه طفلتين؟

عيطت.

— عارفة.

قلت:

— يبقى الاعتذار مش ليا لوحدي.

بصت ناحية سارة ونور.

فهمت.

قلت:

— في يوم، لما يكونوا كبار كفاية… لو حبيتي تعتذري لهم، اعملي ده.

هزت راسها.

— هعمل.

وبعدين سألت:

— إنتِ بتكرهيني؟

فكرت شوية.

— لأ.

اتصدمت.

قلت:

— الكراهية محتاجة طاقة… وأنا عندي حاجات أهم أصرف فيها طاقتي.

ضحكت وسط دموعها.

— تستاهلي كل اللي وصلتي له.

قلت:

— وإنتِ تستاهلي تبدأي تبني بيتك من غير ما تعيشي في منافسة مع ست خرجت منه.

بصتلي.

— يعني؟

— متخليش حياتك كلها محاولة تثبتي إنك كسبتيني.

وسكت لحظة.

— لأن مفيش مسابقة أصلًا.

عدت سنتين.

سارة بقت عندها 12 سنة.

نور 8.

وليان بقت طفلة شقية، كل ما تشوف أخواتها تجري عليهم.

طليقي استمر مع شركته الجديدة.

ومع الوقت…

بقى ناجح.

لكن بشكل مختلف.

مش النجاح اللي محتاج حد ينقذه من وراه.

وأنا؟

شركتي فتحت فرعين جداد.

اشتريت بيت أكبر.

مش علشان أثبت حاجة.

لكن لأن البنات كانوا عايزين جنينة.

وفي أول يوم دخلنا البيت…

نور جريت في الجنينة وهي بتصرخ:

— دي كلها بتاعتنا؟!

ضحكت.

— أيوه.

سارة كانت واقفة جنبي.

قالت:

— ماما؟

— نعم؟

— فاكرة يوم ما سافرنا؟

بصيت لها.

— طبعًا.

— كنتِ خايفة؟

ابتسمت.

— جدًا.

اتصدمت.

— إنتِ؟!

— أيوه أنا.

— بس إنتِ مكنتيش باينة خايفة.

قلت:

— الشجاعة مش إنك متخافيش يا سارة.

— أمال؟

— إنك تبقي خايفة… وبرضه تعملي الحاجة الصح.

فكرت شوية.

وبعدين قالت:

— أنا فخورة بيكي.

الجملة دي…

كانت أغلى من كل عقد مضيته.

وأكبر من كل انتقام تخيلته.

حضنتها.

وبعدها بشهور…

جه اليوم اللي قفل القصة فعلًا.

كنا في مصر في إجازة.

طليقي طلب يقابل البنات على الغدا.

وافقت.

بعد الغدا، البنات خرجوا مع ليان للجنينة.

وأنا كنت ماشية.

ناداني:

— سندس.

لفيت.

كان ماسك حاجة في إيده.

مفتاح.

مدهولي.

بصيتله باستغراب.

— إيه ده؟

قال:

— مفتاح الشقة القديمة.

ضحكت.

— بتديهولي ليه؟

— بعتها.

— مبروك.

— اشتريت مكان أصغر.

هزيت راسي.

لكنه فضل مادد المفتاح.

— المفتاح ده مش بيفتح حاجة خلاص.

أخدته منه.

نفس شكل المفتاح اللي حطيته قدامه على الترابيزة يوم الطلاق.

تقريبًا نفس الإحساس.

قال:

— فاكرة آخر حاجة قلتيهالي يومها؟

ابتسمت.

— إنك تكون ماسك مفاتيح حاجة مش معناها إنها ملكك.

ضحك.

— فضلت الجملة دي في دماغي سنتين.

بصيت للمفتاح.

قال:

— كنت فاكر إن البيت ملكي.

وسكت.

— والعربية ملكي.

وبعدين بص ناحية البنات.

— وحتى العيلة كنت بتعامل معاها كأنها حاجة ملكي، موجودة مهما عملت.

صوته هدي.

— وبعدين خسرت كل حاجة كنت فاكر إني ضامنها.

قلت:

— مش كل حاجة.

بصلي.

شاورِت ناحية البنات.

— لسه عندك فرصة معاهم.

ابتسم.

— عارف.

وبعدين قال:

— ودي الحاجة الوحيدة اللي بقيت أخاف أخسرها بجد.

حطيت المفتاح في إيده تاني.

— احتفظ بيه.

— ليه؟

— علشان يفضل يفكرك.

— بإيه؟

ابتسمت.

— إن بعض الأبواب لما تتقفل… مش لازم نحاول نفتحها تاني.

سكت.

— ساعات الأفضل نبني باب جديد.

قفل إيده على المفتاح.

وهز راسه.

— عندك حق.

ومشيت.

المرة دي…

ما نادانيش.

ما طلبش فرصة.

ما حاولش يرجعني.

لأنه أخيرًا فهم.

إن قصتنا كزوج وزوجة انتهت.

لكن قصته كأب…

كان لسه قدامه عمر كامل يكتبها صح.

وفي المساء…

كنت قاعدة في البلكونة.

نور نايمة.

وسارة بتقرأ.

موبايلي نور بصورة.

طليقي باعت صورة.

هو قاعد على الأرض.

ليان فوق كتفه.

نور ماسكة إيده.

وسارة واقفة وراه عاملة له قرنين بصوابعها.

وتحت الصورة كتب:

«عيلتي.»

بس.

مكتبش:

«بناتي لحد ما ييجي الولد.»

ولا:

«الوريث.»

ولا:

«اسم العيلة.»

كتب:

عيلتي.

بصيت للصورة طويلًا.

وبعدين قفلت الموبايل.

ورفعت عيني للسماء.

أنا ما انتقمتش منه لما شركته وقعت.

ولا لما عرف إن الشقة مش بتاعته.

ولا لما اضطر يبدأ شغله من الصفر.

ولا حتى لما وقف قدامي محتاج عقد من شركتي.

انتقامي الحقيقي كان يوم ما الراجل اللي قال لي:

«خدي البنات… أنا عايز أبدأ عيلة بجد.»

بقى عارف إن أكبر غلطة في حياته…

إنه ما فهمش إن عيلته الحقيقية كانت واقفة قدامه من البداية.

وأنا؟

أنا ما خرجتش من الجواز شايلة حمل تقيل زي ما كنت فاكرة.

أنا خرجت ماسكة إيد بنتين.

واحدة عندها تسع سنين…

والتانية خمس سنين…

وكنت فاكرة إني أنا اللي هنقذهم.

لكن الحقيقة؟

هما كمان أنقذوني.

علموني إن الست مش لازم تكمل في مكان بيكسرها علشان تقول إنها حافظت على بيت.

وإن البنت مش «محاولة» لحد ما ييجي الولد.

وإن الأبوة مش اسم بيتورث…

الأبوة حضور.

وإن المسامحة مش معناها إنك ترجع لنفس الباب.

وإن أقوى رد على اللي قلل منك…

مش إنك تدمره.

إنك تعيش كويس من غيره.

بعد سنين، سارة سألتني سؤالًا واحدًا:

— لو الزمن رجع بيكي ليوم الطلاق… كنتِ هتعملي نفس الحاجة؟

بصيت لنور وهي بتضحك في الجنينة.

وبصيت لسارة.

وقلت:

— كنت هاخدكم…

ابتسمت.

— وأمشي أسرع.

ضحكت سارة وحضنتني.

وهنا عرفت إن الحكاية اتقفلت فعلًا.

مش لما اتطلقنا.

ولا لما انتقمت.

ولا لما هو ندم.

اتقفلت يوم ما كل واحد فينا عرف مكانه.

هو بقى أب لبناته.

وأنا بقيت صاحبة حياتي.

وبناتي؟

بقوا عارفين إنهم عمرهم ما كانوا ناقصين ولد علشان يبقوا…

عيلة بجد.

تمت

من حكايات أسما السيد

الإهداء:

لكل بنت سمعت يومًا: «يا رب اللي بعدك ولد»…

إنتِ مش مقدمة لحد.

ومش محاولة ناقصة.

ومش محطة انتظار لوريث.

إنتِ فرحة كاملة من أول يوم.

ولكل أم خافت تبدأ من جديد…

أحيانًا الباب اللي بيتقفل في وشنا، بيكون هو نفسه الباب اللي بيخلينا نشوف الطريق.

النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى