ليلة فرحي حكايات اسما السيد 3 والاخير

الفصل الخامس: تحت أرضية المخزن رقم 3 وصلت للمخزن قبل الغروب. عمي كان لسه في الورشة. وأبويا ماكانش رجع من مشواره. دخلت المخزن وقفلت الباب ورايا. الأرض كانت خرسانة قديمة، فيها شروخ صغيرة هنا وهناك. فضلت أبص حواليّا وأنا ماسك رسالة سالم. “دوروا تحت أرضية المخزن رقم 3.” ماكانش محدد مكان.
بدأت أخبط بمفتاح حديد على الأرض.
صوت مصمت.
مصمت.
مصمت.
لحد ما وصلت ناحية الركن اللي ورا رف قديم.
الصوت اتغير.
كان مجوف.
قلبي دق.
سحبت الرف.
لقيت جزء من الأرض لونه مختلف شوية عن الباقي.
خرسانة أفتح.
واضح إنها اترمت في وقت مختلف.
جبت شاكوش وإزميل من الورشة.
وبدأت أكسر.
بعد حوالي عشر دقايق، سمعت صوت باب المخزن بيتفتح.
لفيت.
عمي واقف.
بصلي.
وبص للأرض.
وقال:
— إنت لقيت الرسالة؟
قلت:
— ابعد.
دخل وقفل الباب.
— لو كملت حفر، الدنيا كلها هتتقلب.
قلت:
— هي أصلًا اتقلبت.
حاول يقرب.
رفعت الشاكوش.
— خطوة كمان، وهعتبرك بتحاول تمنعني عن دليل.
وقف.
قال:
— أنا مش عدوك.
ضحكت.
— عمي اللي سكت 23 سنة مش عدوي؟
نزل عينه.
قلت:
— سالم مدفون هنا؟
قال بسرعة:
— لأ.
وقفت.
— متأكد؟
— أيوه.
— إزاي؟
سكت.
قلت:
— لأنك كنت موجود لما دفنتوا حاجة هنا؟
ملامحه اتغيرت.
رجعت للحفر.
بعد دقائق، الحديد خبط في حاجة.
مش تراب.
صندوق.
نضفت حواليه.
كان صندوق معدني صغير، مصدي من الأطراف.
طلعناه.
القفل كان متآكل.
كسرته.
جواه ملفات قديمة.
صور مستندات.
دفتر حسابات صغير.
وكيس بلاستيك فيه شريط كاسيت.
عمي أول ما شاف الشريط، قعد على كرسي قريب.
وقال:
— كنت فاكر إنه ضاع.
قلت:
— إيه ده؟
رد:
— صوت سالم.
لقيت جهاز كاسيت قديم في مكتب الورشة.
نضفته.
دخلت الشريط.
ضغطت تشغيل.
صوت تشويش.
وبعدين صوت رجل.
هادئ.
متوتر.
— “أنا سالم عبد الرحمن. بسجل الكلام ده علشان لو حصل لي حاجة.”
عمي غمض عينه.
الصوت كمل:
— “أنا اكتشفت إن في عقود اتغيرت، ونسب الملكية اتعدلت من غير موافقتي. في مبالغ اتسحبت من الشركة، وفي توقيع باسمي مش توقيعي.”
وقفت وأنا حاسس إن نفسي تقيل.
سالم قال:
— “أنا مش واثق في محمود.”
محمود.
اسم أبويا.
الصوت كمل:
— “لكن المشكلة مش محمود لوحده.”
بصيت لعمي.
الشريط قال:
— “أخوه فؤاد عارف كل حاجة وساكت.”
فؤاد.
عمي.
بصيتله.
قال:
— كمل اسمع.
سالم قال:
— “أنا هواجههم الليلة. ولو خرجت من هنا، هاخد حقي بالقانون. ولو ما خرجتش، الأوراق دي تكفي تثبت التزوير.”
الشريط وقف.
كان فيه تسجيل تاني.
ضغطت تشغيل.
المرة دي الصوت كان مختلف.
أصوات خناقة.
مش واضحة كلها.
لكن صوت سالم كان عالي:
— “أنا مش هسكت!”
وبعدين صوت أبويا:
— “إنت هتخرب بيت ناس!”
سالم:
— “البيت اللي متبني على سرقة لازم يقع!”
صوت عمي:
— “اهدى يا سالم.”
وبعدين صوت أمي.
شاب.
صغير.
لكن أنا عرفته.
— “كفاية! أنا مش قادرة!”
قلبي وقع.
وبعدين صوت خبطة قوية.
صوت حاجة وقعت.
صراخ.
عمي في التسجيل:
— “يا نهار أسود!”
أبويا:
— “سالم! سالم!”
وبعدين ثواني تشويش.
وسمعت أهم جملة:
صوت عمي:
— “لسه بيتنفس.”
أبويا:
— “شيله بسرعة.”
التسجيل وقف.
بصيت لعمي.
قلت:
— يبقى كان عايش.
هز راسه.
— أيوه.
— ووديتوه فين؟
قعد.
حط وشه بين إيديه.
— العربية.
— وبعدها؟
قال:
— أبوك ساق.
— وإنت؟
— كنت جنبه.
— وسالم؟
— ورا.
— فين أخدتوه؟
سكت.
مسكت فيه.
— فين؟!
قال:
— مستشفى خاص بعيد.
سكت.
كنت مستني جملة “مات في الطريق”.
لكن قال:
— سالم عاش.
اتجمدت.
قلت:
— إيه؟
رفع عينه.
— عاش.
الفصل السادس: سالم ما ماتش
قلتله:
— سالم عايش؟
قال:
— كان عايش لما وصلنا المستشفى.
حسيت الدنيا كلها بتلف.
— وبعدين اختفى إزاي؟
عمي قال:
— الدكتور قال إن عنده إصابة في الرأس، ومحتاج متابعة. أبوك كان مرعوب من الشرطة.
قلت:
— فعمل إيه؟
— دفع للدكتور فلوس.
— علشان إيه؟
— يتسجل باسم تاني.
قلت:
— وإنت وافقت؟
سكت.
قلت:
— وافقت؟
قال:
— أيوه.
قربت منه.
— وبعدين؟
— بعد يومين، سالم صحي.
— وقال إيه؟
عمي بص بعيد.
— كان فاقد جزء من ذاكرته.
— يعني؟
— فاكر اسمه، فاكر أجزاء من حياته، لكن مش فاكر الليلة كاملة.
— وأبويا؟
— استغل ده.
قلبي بدأ يبرد.
— عمل إيه؟
— قال له إن الشرطة بتدور عليه بتهمة سرقة، وإن الأفضل يبعد فترة.
ضحكت بصدمة.
— يعني أبويا أقنعه إنه مجرم؟
عمي قال:
— سالم كان مشوش.
— وإنت ساعدته.
— أيوه.
قلت:
— أخدتوا فلوسه؟
قال:
— أبوك نقل جزء من أمواله وحصته.
— وإنت أخدت الأرض.
نزل عينه.
قلت:
— صح؟
قال:
— صح.
سكتنا.
وبعدين قلت:
— سالم راح فين؟
قال:
— اسكندرية في الأول.
— وبعدها؟
— اختفى.
— تاني؟
قال:
— المرة دي بإرادته.
— كدب.
— والله.
— وأسرته؟
— مراته كانت وقتها حامل.
قلت:
— بالبنت.
هز راسه.
— أبوك كان بيبعت لهم فلوس من وقت للتاني.
قلت:
— ليه؟
— لأنه عرف إن سالم ما رجعش.
قلت:
— طب فين سالم دلوقتي؟
عمي سكت فترة.
وبعدين قال:
— من حوالي خمس سنين… عرفت إنه عايش.
قلبي ضرب.
— فين؟
— محافظة تانية.
— وكنت ساكت؟
قال:
— أبوك منعني أقولك.
قلت:
— عندك عنوان؟
سكت.
طلعت موبايلي.
— لو ما ادتنيش العنوان، هبلغ الشرطة دلوقتي بكل اللي عندي.
قال بسرعة:
— معايا.
طلع ورقة من محفظته.
عنوان صغير.
اسم قرية.
ورقم تليفون قديم.
بصيتله.
— إنت كنت ناوي تاخد السر ده لقبرك؟
قال:
— كنت جبان.
قلت:
— الجبن لما يظلم ناس يبقى مشاركة.
وسبته ومشيت.
الفصل السابع: الراجل اللي كان المفروض يكون ميت
مراتي أصرت تيجي معايا.
رفضت في الأول.
لكن قالت:
— لو اللي رايح تقابله ممكن يكون أبوك الحقيقي، مش هسيبك تروح لوحدك.
وصلنا بعد ساعات.
العنوان كان لبيت بسيط في قرية هادية.
خبطت على الباب.
راجل كبير فتح.
شعره أبيض.
جسمه نحيف.
وعنده أثر جرح قديم ناحية الصدغ.
بصلي.
وسكت.
أنا كمان سكت.
الغريب إن مافيش لحظة سينمائية حسيت فيها إنه شبهي جدًا.
كان في ملامح مشتركة.
بس مش كفاية.
قلت:
— حضرتك سالم عبد الرحمن؟
إيده شدت على الباب.
قال:
— مين إنت؟
قلت اسمي.
وشه اتغير.
قال:
— ابن نوال؟
نوال.
اسم أمي.
قلبي وقع.
قلت:
— تعرفني؟
قعد على كرسي قريب.
وقال:
— كنت مستني اليوم ده من سنين.
دخلنا.
حكيتله كل حاجة.
الرسالة.
المخزن.
الشريط.
عمي.
والسؤال اللي قتلني من جوه:
— أنا ابنك؟
سالم سكت فترة طويلة.
قال:
— ماقدرش أقولك أيوه.
قلت:
— وما تقدرش تقول لأ؟
هز راسه.
— لأ.
قلت:
— ليه ما رجعتش؟
دموعه لمعت.
قال:
— لما ذاكرتي رجعت جزئيًا، افتكرت نوال. وافتكرتك.
— وما رجعتش؟
— رجعت.
اتجمدت.
— إمتى؟
— كان عندك حوالي 4 سنين.
قلت:
— أنا عمري ما شفتك.
قال:
— شوفت أمك.
سكت.
— قابلتها بعيد عن البيت.
قلت:
— وقالتلك إيه؟
قال:
— قالت إن محمود بيربيك كابنه، وإن ظهورى هيدمر حياتك.
ابتلعت ريقي.
— وإنت وافقت؟
قال:
— لأ في الأول.
— وبعدين؟
— سألتها سؤال واحد.
قلت:
— إيه؟
قال:
— هل الطفل عايش كويس؟
سكت.
— قالت أيوه.
وقال:
— هل محمود بيعامله كابنه؟
قالت أيوه.
فمشيت.
قلت بغضب:
— مشيت بسهولة؟
ضرب بكفه على رجله.
— كنت ضعيف. فقير. مريض. ومش فاكر حتى حياتي كاملة. أبوك كان معاه فلوس ونفوذ، وأنا كنت خايف أخسرك للأبد لو دخلت حرب.
قلت:
— وهو بعتلك فلوس؟
قال:
— حاول.
— أخدتها؟
— أول مرة.
سكت.
— وبعدها رفضت.
قلت:
— والست وبنتها؟
قال:
— مراتي كانت فاكراني هربت.
— ولما عرفت إنك عايش؟
قال:
— ما عرفتش غير بعد سنين.
— ليه ما رجعتلهاش؟
وشه اتكسر.
— لأنها كانت بدأت حياة جديدة، وبنتي كبرت وهي شايفاني أب هرب منها.
سكت.
قال:
— كنت جبان في حاجات كتير.
نفس كلمة عمي.
قلت:
— والرسالة اللي كتبتها “لابني”؟
بصلي.
— كتبتها قبل المواجهة.
— يعني كنت مقتنع إني ابنك؟
قال:
— كنت مقتنع إن الاحتمال كبير.
قلت:
— وأمي؟
— كانت خايفة.
قلت:
— وأنا تعبت من خوفكم كلكم.
سكتنا.
وبعدين قلت:
— عايز تحليل DNA.
سالم هز راسه.
— حقك.
الفصل الثامن: النتيجة
عملنا التحليل في معمل موثوق.
أنا.
وسالم.
وطلبت من أبويا الحالي يعمل تحليل هو كمان.
في الأول رفض.
قلتله:
— لو رفضت، هعتبر إنك عارف النتيجة.
بصلي وقال:
— أنا ربيتك 32 سنة، ورقة معمل مش هتغير ده.
قلت:
— يمكن ما تغيرش اللي عملته معايا، لكنها هتغير الحقيقة.
وافق.
استنينا النتيجة.
أيام قليلة كانوا أطول من سنين.
وأنا خلالهم ما كلمتش أمي كتير.
كانت مكسورة.
لكن ما كنتش قادر أطبطب عليها وأنا نفسي مش عارف أنا مين.
لما النتيجة ظهرت، روحت لوحدي.
فتحت الظرف.
قريت.
مرة.
واتنين.
وسبت نفسي أتنفس.
سالم…
مش أبويا.
احتمال الأبوة مستبعد.
فضلت باصص للورقة.
المفروض أحس براحة.
لكن حسيت بحزن غريب.
بعدها فتحت نتيجة محمود.
احتمال الأبوة: أكثر من 99.9%.
قعدت على الكرسي.
ضحكت.
مش فرح.
ولا حزن.
بس ضحكة واحد قضى أسبوع بيشك في حياته كلها، وفي الآخر اكتشف إن الحقيقة أبسط في نقطة، وأبشع في عشر نقط تانية.
محمود كان أبويا فعلًا.
بيولوجيًا.
وبالتربية.
لكن ده ما مسحش اللي عمله.
رجعت البيت.
أمي كانت مستنياني.
أبويا واقف.
حطيت النتيجتين على الترابيزة.
قلت:
— أنت أبويا.
أمي شهقت وبدأت تعيط.
أبويا ما اتحركش.
قلتله:
— لكن ما تفرحش قوي.
بصلي.
— لأنك برضه سرقت سالم.
سكت.
— وزورت أوراق.
— وخبيت الحقيقة.
— واستغليت إصابته.
— واشتريت سكوت عمي.
— وخنت أمي.
أبويا قال:
— خيانتي لأمك موضوع بيني وبينها.
أمي ردت لأول مرة بقوة:
— لأ.
كلنا بصينا لها.
قالت:
— ما بقاش بيني وبينك.
قامت.
— أنا عشت عمري كله بقول مشاكل العيلة تتحل جوه العيلة.
بصتله.
— بس إنت استخدمت الجملة دي علشان تدفن كل وساختك جوه البيت.
قال:
— نوال…
رفعت إيدها.
— ما تنطقش اسمي.
وساعتها عرفت إن أمي اتغيرت.
الفصل التاسع: لما الحساب اتفتح
الأوراق اللي لقيناها في الصندوق كانت كفاية إن محامي يفتح الملف من جديد.
ماكانش سهل.
سنين عدت.
مستندات ناقصة.
شهود خايفين.
لكن كان في أدلة على تزوير في نقل حصص الملكية.
وعمي أخيرًا وافق يشهد.
مش بطولة.
هو قالها بنفسه:
— أنا بشهد علشان أصلح جزء من اللي عملته.
باع قطعة الأرض اللي خدها زمان.
وسدد جزء كبير من حق سالم.
أما أبويا…
في البداية حارب.
قال إن كل حاجة كانت تسويات تجارية.
وإن سالم تنازل.
لكن التوقيعات والدفاتر القديمة أثبتت غير كده.
دخلنا في قضية طويلة.
وانتهت بتسوية قانونية ورد جزء معتبر من الحقوق المالية لسالم وورثته، مع تنازل أبويا عن جزء من ممتلكات كان مستحوذ عليها بطرق غير سليمة.
ما دخلش السجن في النهاية بسبب تعقيدات السنين القديمة ونقص أدلة جنائية حاسمة على واقعة الإصابة نفسها.
لكن خسارته الأكبر ماكانتش الفلوس.
كانت البيت.
أمي طلبت الطلاق.
هو رفض في الأول.
قال:
— بعد العمر ده كله؟
قالت:
— بعد العمر ده كله بالذات.
بصتله وقالت:
— أنا مش هكمل الباقي في كدبة.
طلقها بعد شهور.
ونقل من البيت الكبير.
البيت اللي كان بيقول إن كل مشاكل العيلة لازم تفضل جواه.
لأول مرة…
المشكلة خرجت.
والبيت فضل واقف.
الفصل العاشر: الست اللي شفتها ليلة فرحي
فضل سؤال واحد جوايا.
الست.
العلاقة.
ليه أبويا رجع لها بعد كل السنين؟
قابلتها.
قالتلي الحقيقة.
قالت إن أبويا بدأ يقرب منها بعد ما سالم اختفى بسنين طويلة.
مش حب.
في الأول كان ذنب.
كان بيساعدها.
وبعدين المساعدة اتحولت لتعلق.
وهي كانت ضعيفة.
وهو استغل احتياجها.
قالت:
— أنا غلطت.
ما حاولتش تبرر.
قالت:
— وأمك آخر واحدة كانت تستاهل ده.
سألتها:
— التحويلات كانت لبنتك؟
قالت:
— جزء منها مصاريف دراسة، وجزء كان رد لحقوق سالم بشكل غير مباشر.
قلت:
— يعني أبويا كان عارف إنه ظلمه.
قالت:
— أيوه.
قلت:
— وليه ما رجعش الحق باسمه؟
ضحكت بمرارة.
— لأن الاعتراف أصعب عنده من دفع الفلوس.
الجملة لخصت أبويا كله.
كان مستعد يدفع مئات الآلاف.
لكن مش مستعد يقول:
أنا غلطت.
الفصل الحادي عشر: سالم وبنته
أصعب مواجهة ماكانتش بيني وبين أبويا.
كانت بين سالم وبنته.
البنت اللي قابلتها في المحل.
23 سنة وهي فاكرة إن أبوها هرب.
لما شافته لأول مرة، ما جريتلوش.
ولا حضنته.
وقفت قدامه وقالت:
— ليه؟
سالم عيط.
قال:
— خفت.
قالت:
— وأنا دفعت تمن خوفك.
ما عرفش يرد.
بس المرة دي…
ما هربش.
فضل.
سمع غضبها.
سمع لومها.
وقبل إنها مش مطالبة تسامحه في يوم وليلة.
وبعد شهور، بدأت تزوره.
مش لأنها نسيت.
لكن لأنها قررت تعرف أبوها قبل ما تحكم على بقية عمره كله.
الفصل الثاني عشر: عمي
عمي سدد دينه.
مش لأبويا.
سدد دينه للناس اللي ظلمها.
بنته كملت جامعتها.
لكن عمي اضطر يبيع جزء من أرضه.
لما قابلته بعدها، قاللي:
— يمكن لو كنت عملت الصح من 23 سنة، كنت خسرت الأرض وقتها.
قلتله:
— بس كنت كسبت نفسك.
هز راسه.
قال:
— عارف.
ما بقيناش قريبين زي زمان.
بس ما قطعتش معاه.
لأن لو القصة علمتني حاجة…
فهي إن الإنسان ممكن يغلط غلطة كبيرة، لكن الفرق الحقيقي بيبان لما يقرر يصلح ولا يفضل يدفن.
الفصل الأخير: ليلة الفرح
بعد سنة تقريبًا، كنت أنا ومراتي قاعدين في بيتنا.
لوحدنا.
بعيد عن بيت العيلة.
هي كانت بتحضر شاي.
وقالتلي وهي بتضحك:
— فاكر ليلة فرحنا؟
ضحكت.
— صعب أنساها.
قالت:
— كنت فاكرني بخونك مع أبوك.
غطيّت وشي بإيدي.
— ماتفتحليش السيرة.
ضحكت.
وبعدين قعدت جنبي.
قالت:
— غريب إن كل ده بدأ لأن هدومي اتبقعت.
بصيتلها.
— لو ما كنتيش قمتي الليلة دي، يمكن كنت فضلت سنين مش عارف.
قالت:
— ويمكن الحقيقة كانت هتطلع بطريقة أسوأ.
سكتنا.
بعد شوية سألتني:
— سامحت أبوك؟
بصيت قدامي.
قلت:
— مش عارف.
قالت:
— بتحبه؟
قلت:
— أيوه.
ودي كانت أصعب إجابة.
لأن الحقيقة إن الإنسان ممكن يحب شخص ويكون غضبان منه.
ممكن يعترف إنه عمل معاه حاجات كويسة، وفي نفس الوقت ما يبررش ظلمه لغيره.
أبويا رباني.
علمني الشغل.
وقف جنبي.
وكان فعلًا أبويا.
لكن ده ما مسحش تزويره.
ولا خيانته.
ولا جبنه.
ولا استخدامه مرض أمي علشان يسكتني.
بعد الطلاق، شفته كذا مرة.
في آخر مرة، كان قاعد لوحده في مكتب صغير.
قاللي:
— خسرت كل حاجة.
قلت:
— لأ.
بصلي.
قلت:
— إنت ما خسرتش كل حاجة. إنت خسرت حاجات كان ممكن تحافظ عليها لو اعترفت بدري.
سكت.
وبعدين قال:
— كنت بخاف البيت يقع.
قلت:
— البيت وقع لما فضلت تصلح الكدبة بكدبة أكبر.
فضل ساكت.
وأنا قمت.
قبل ما أمشي ناداني.
— يا ابني.
وقفت.
قال:
— أنا آسف.
دي كانت أول مرة أسمعها منه في حياتي.
ما رجعتش أحضنه.
وما قلتلوش سامحتك.
قلت بس:
— كان لازم تقولها من زمان.
وخرجت.
أما أمي…
بدأت حياة جديدة وهي عندها 59 سنة.
لأول مرة بقى عندها حسابها الخاص.
فلوسها.
وقتها.
حتى دخلت شراكة صغيرة في مشروع تجهيز أكل منزلي مع ستات من منطقتها.
وكانت بتضحك لما نقولها:
— إنتِ بعد العمر ده هتشتغلي من جديد؟
ترد:
— ده مش من جديد… ده أول مرة أشتغل باسمي.
أما أنا…
فكل ما أعدي قدام المخزن رقم 3، أفتكر الصندوق.
وأفتكر إن السر عمره ما بيفضل مدفون للأبد.
يمكن يتغطى بخرسانة.
بفلوس.
بخوف.
بجملة زي:
“مشاكل العيلة تتحل جوه العيلة.”
لكن في يوم…
حد هيخبط على الأرض.
ويسمع إن الصوت مجوف.
ويبدأ يحفر.
والحقيقة…
هتطلع.
حتى لو بعد 23 سنة.
تمت.
حكايات الكاتبة: أسما السيد
ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن من الكاتبة أسما السيد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



