روايات وقصص

امراه مسنه حكايات اسما السيد 2

الفصل الثالث — اللي حصل في الليلة الأخيرة الحاجة أمينة قعدت على الكرسي الخشب. رجليها ما بقيتش شايلينها. كريم وقف بعيد، ضامم دراعاته حوالين نفسه. والراجل قعد قدامهم. قال: — ابنك لما سافر، اشتغل معايا. الحاجة أمينة سألته: — فين؟ — في شركة مقاولات كبيرة. — وكان عامل إيه؟ الرجل ابتسم بحزن.

 

— بدأ عامل بسيط… وبعد كام سنة بقى من أهم الناس في الشركة.

الحاجة أمينة نزلت عينيها.

فخورة.

مكسورة.

ومش عارفة تحس بإيه.

قال الرجل:

— اتجوز هناك من غير ما يقولك.

رفعت راسها.

— ليه؟

— لأنه كان فاكر إنك زعلانة منه.

قالت بسرعة:

— أنا؟! أنا عمري ما زعلت منه!

الرجل سكت.

الحاجة أمينة افتكرت آخر مكالمة بينهم من خمستاشر سنة.

يومها كانوا اتخانقوا.

هو كان عايز ياخد قرض كبير ويبدأ مشروع.

وهي خافت عليه.

قالت له:

“لو هتضيع نفسك ورا الفلوس، متجيش تقول لي أنقذيني.”

كانت كلمة غضب.

بس هو أخدها بمعنى تاني.

حطت إيدها على صدرها.

— يا نهار أبيض…

الرجل كمل:

— بعد الجواز بسنتين، كريم اتولد.

كريم رفع عينه.

الرجل بصله.

— أبوك كان بيحبك جدًا.

الولد بلع ريقه.

— عندك صور ليه؟

الرجل هز راسه.

— عندي حاجات أكتر من الصور.

كريم قرب خطوة رغماً عنه.

لكن الحاجة أمينة قالت:

— كمل.

الرجل أخد نفس.

— قبل اختفائه بأسبوع، ابنك اكتشف حاجة في الشركة.

— إيه؟

— حسابات مزورة.

الحاجة أمينة ما فهمتش.

الرجل قال:

— ملايين كانت بتتسرق.

— وابني ماله؟

— هو اللي اكتشف السرقة.

سكت لحظة.

— واللي كان بيسرق… كان صاحب الشركة.

الحاجة أمينة قالت:

— بلغ عنه؟

— كان ناوي.

— وإنت؟

الرجل نزل عينه.

— كنت شريكه.

الحاجة أمينة بصتله باحتقار.

— يعني كنت حرامي زيه؟

— لأ.

— أمال؟

— كنت جبان.

الجملة طلعت منه من غير دفاع.

قال:

— عرفت إنهم ناويين يسكتوه. بدل ما أقف معاه… قلتله ياخد مراته وابنه ويهرب.

كريم قال:

— وأمي؟

الرجل وشه اتغير.

— أمك ماتت في حادث قبلها بشهور.

كريم سكت.

كان واضح إن جزء منه كان عارف المعلومة، بس سماعها بالطريقة دي وجعه.

الرجل كمل:

— أبوك بقى لوحده بيك.

— وبعدين؟

— ليلة اختفائه، جه عندي.

قال لي:

“خد ابني وروحه لأمي.”

الحاجة أمينة بدأت تعيط.

الرجل مد لها الورقة.

— كتب عنوانك بإيده.

قالت وهي بتبصله:

— ليه ما جبتوش؟

السؤال خرج منها بهدوء أخطر من الصريخ.

الرجل سكت.

قالت:

— جاوبني.

— خفت.

— خفت؟!

— كانوا بيراقبوني.

وقفت.

— يعني عشان خفت… رميت حفيدي؟!

— ما رميتوش.

— أمال راح فين؟!

— حطيته عند ناس كنت واثق فيهم.

كريم ضحك بمرارة.

— واضح إنك كنت واثق في ناس ممتازين.

الرجل بصله بندم.

— بعد شهر رجعت آخدك… كنت اختفيت.

الحاجة أمينة قالت:

— اختفى إزاي؟

— الأسرة اللي كنت عندها سابت البيت. محدش عرف راحوا فين.

كريم قال:

— وبعدها فضلت أدور على لقمة.

الرجل نزل رأسه.

— فضلت أدور عليك سنين.

كريم صرخ:

— كداب!

الرجل ما دافعش عن نفسه.

كريم قرب منه.

— لو كنت بتدور عليا، كنت لقيتني!

الرجل قال:

— لقيتك من سنة.

الحاجة أمينة اتجمدت.

— إيه؟

كريم بصله.

— من سنة؟!

الرجل قال:

— أيوه.

الحاجة أمينة قامت.

— يعني إنت عارف إنه هنا من سنة وسايبه؟!

— كنت لازم أتأكد.

— تتأكد من إيه؟!

الرجل سكت.

بعدين بص لكريم.

— إن اللي بيدور عليه… مش هيعرف يوصل له من خلالك.

الحاجة أمينة حسّت قلبها وقف.

— مين اللي بيدور عليه؟

الرجل مد إيده وحط ملف على السفرة.

— نفس الراجل اللي كان بيدور على أبو كريم من خمستاشر سنة.

كريم قال:

— ليه يدور عليا أنا؟

الرجل فتح الملف.

جواه صورة حديثة.

لرجل كبير خارج من عربية.

الحاجة أمينة بصت للصورة.

وفجأة…

جسمها كله اتخشب.

قالت:

— أنا أعرف الراجل ده.

الرجل رفع عينه.

— تعرفيه منين؟

الحاجة أمينة أشارت ناحية الشباك.

وقالت:

— لأنه كان واقف قدام بيتي امبارح.

الراجل قام مرة واحدة.

— إنتِ متأكدة؟

— أيوه.

— عمل إيه؟

— سألني عن كريم.

الراجل وشه ابيض.

قرب من الشباك بسرعة وبص للشارع.

وبعدين قال جملة خلت الحاجة أمينة تضم كريم لصدرها غصب عنه:

— يبقى إحنا اتأخرنا.

وفي نفس اللحظة…

صوت فرامل عربية وقف قدام البيت.

الفصل الرابع — الضيف اللي رجع من الماضي

كلهم بصوا ناحية الباب.

صوت العربية وقف.

ثواني…

وبعدين اتسمع خبط.

خبطة واحدة.

هادية.

لكنها خلت قلب الحاجة أمينة يقع.

الرجل اللي جالها بالعربية الفاخرة قال بسرعة:

— محدش يفتح.

الحاجة أمينة بصتله.

— ده بيتي.

— وأنا بقولك اللي برا ممكن يكون خطر.

كريم قرب من الشباك.

لكن الراجل مسكه.

— ابعد.

كريم زقه.

— متلمسنيش.

الخبط اتكرر.

الحاجة أمينة قالت:

— مين؟

جالها صوت من ورا الباب.

صوت راجل كبير.

— أنا جاي أتكلم معاكي يا حاجة.

الرجل اللي جوه همس:

— هو.

الحاجة أمينة بصتله.

— الراجل اللي في الصورة؟

هز راسه.

الخبط اتكرر.

— عارف إنك جوه… وعارف إن كريم عندك.

كريم اتراجع.

الحاجة أمينة وقفت قدامه كأن جسمها الصغير ممكن يحميه من الدنيا كلها.

قالت بصوت عالي:

— عايز إيه؟

الرجل من برا رد:

— عايز أديكي حاجة تخص ابنك.

سكتت.

وبعدين بصت للراجل اللي معاها.

قال:

— متفتحيش.

لكن صوت اللي برا قال:

— الشخص اللي عندك دلوقتي هو آخر واحد تثقي فيه.

الحاجة أمينة اتلخبطت.

بصت للراجل.

هو قال:

— بيحاول يلعب بعقلك.

الصوت برا كمل:

— هو قالك إنه ضيع حفيدك؟

الحاجة أمينة اتجمدت.

— قالك إنه ساب ابنك يواجه كل حاجة لوحده؟

الراجل اللي جوه صرخ:

— كفاية!

الصوت برا ضحك.

— أهو لسه عصبي زي زمان.

الحاجة أمينة قالت:

— إنت مين؟

ثواني.

وبعدين جالها الرد:

— أنا السبب إن ابنك ما رجعش لك.

سكتت.

وأضاف:

— بس مش بالطريقة اللي إنتِ فاكرها.

الحاجة أمينة قربت من الباب.

الرجل حاول يمنعها.

— بلاش.

قالت له:

— لو في حقيقة تخص ابني، هسمعها.

وفتحت الباب.

الرجل الكبير كان واقف قدامها.

شعره أبيض.

لابس بدلة غامقة.

ملامحه هادية جدًا.

وده كان مخيف أكتر.

مد لها صندوق صغير.

— ده كان أمانة.

الحاجة أمينة ماخدتوش.

— من مين؟

— من ابنك.

كريم قرب.

الرجل الكبير بصله فترة طويلة.

عينيه لمعت.

وقال:

— إنت شبهه.

كريم قال:

— إنت تعرف أبويا؟

— أكتر مما تتصور.

الرجل اللي جوه خرج ناحية الباب.

— ابعد عنهم.

الرجل الكبير ابتسم.

— بعد كل السنين دي لسه بتعمل نفسك بتحمي الناس؟

— قول عايز إيه وامشي.

— أنا مش جاي لك.

بص للحاجة أمينة.

— جاي لها.

مد الصندوق تاني.

الحاجة أمينة أخدته.

كان صندوق خشب صغير.

فتحت الغطا.

جواه ساعة رجالي قديمة.

وسلسلة فضة.

ومفتاح.

الحاجة أمينة شهقت.

مسكت الساعة.

— دي ساعة أبوه.

الرجل الكبير قال:

— ابنك خدها معاه يوم ما سافر.

دموعها نزلت.

— كانت معاه إزاي؟

— لأنه ما ماتش في الليلة اللي الناس فاكرينها ليلة اختفائه.

الحاجة أمينة رفعت راسها.

— يعني عايش؟

الرجل سكت.

كريم قال:

— جاوب!

الرجل الكبير بص له.

— أبوك عاش بعدها سنين.

الحاجة أمينة اتشبثت بالباب.

— سنين؟

— أيوه.

— وكان فين؟!

— مستخبي.

— من مين؟

الرجل ابتسم ابتسامة غريبة.

— مني.

الحاجة أمينة بصتله برعب.

الراجل اللي جوه تقدم.

— قول الحقيقة كلها.

الرجل الكبير قال:

— الحقيقة إن ابنها ماكانش مجرد موظف اكتشف سرقة.

بص للحاجة أمينة.

— ابنك أخد حاجة من الشركة.

قالت:

— ابني عمره ما يسرق.

— ما سرقش فلوس.

— أمال أخد إيه؟

الرجل الكبير أشار للمفتاح اللي في الصندوق.

— أخد دليل.

كريم قال:

— دليل على إيه؟

— على حاجات لو ظهرت، ناس كبيرة هتدخل السجن.

الحاجة أمينة قالت:

— والمفتاح ده؟

الرجل الكبير رد:

— بيفتح المكان اللي خبّى فيه الدليل.

الراجل اللي جوه قال:

— إنت عرفت مكانه؟

— لأ.

— أمال جاي ليه؟

الرجل الكبير بص للحاجة أمينة.

— لأن ابنها كتب في آخر رسالة ليه إن المفتاح عمره ما هيفتح حاجة…

إلا لو الحاجة أمينة بنفسها كانت موجودة.

الحاجة أمينة بصت للمفتاح.

وبعدين قالت:

— آخر رسالة؟

الرجل الكبير سكت.

وهنا بدأ الخوف الحقيقي.

قالت:

— ابني مات؟

الرجل الكبير ما ردش.

كريم قرب منه بعصبية.

— قول!

الحاجة أمينة قالت:

— بالله عليك… ابني فين؟

الرجل الكبير مد إيده لجيب البدلة.

وطلع ظرف أبيض.

مكتوب عليه بخط واضح:

“لأمي.”

الحاجة أمينة شهقت.

عرفت الخط فورًا.

إيدها اتهزت وهي بتاخد الظرف.

فتحته.

جواه ورقة واحدة.

بدأت تقرأ.

أول سطر كان:

“يا أمي… لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا مقدرتش أرجع.”

دموعها وقعت على الورقة.

كريم وقف جنبها.

وكملت:

“بس قبل ما تحزني عليا، بصي للولد اللي واقف جنبك.”

الحاجة أمينة رفعت عينيها لكريم.

هو كمان كان بيعيط.

رجعت للرسالة.

“أنا عارف إنك هتحبيه من غير ما تعرفي هو مين… وعارف إن قلبك هيعرفه قبلك.”

كريم غطى وشه.

لكن آخر سطر…

كان أغرب حاجة في الرسالة كلها:

“ومتثقيش في أي واحد منهم… لأن واحد من الاتنين هو اللي سلّمني.”

الحاجة أمينة رفعت عينيها ببطء.

قدامها كان الراجلين واقفين.

واحد دخل بيتها وقال إنه صديق ابنها.

والتاني قال إنه عدوه.

والرسالة بتقول إن واحد منهم…

هو اللي خان ابنها.

لكن ما قالتش مين.

يتبع

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى