ضرتي حكايات اسما السيد

ضرتي متعلمه وعلشانها جوزي طلقني لأنه شايف إني عاطله وعاله عليه “ما بشتغلش”… لكنه ماكنش يعرف إن رسوماتي السرية كانت على وشك تتحول لعقد بملايين الجنيهات…هو خسرني
الجزء الأول
—أنا مش عايز زوجة تقضي يومها ترسم شخبطة أطفال وأنا اللي شايل البيت كله.
قالها كريم ببرود وهو بيرمي أوراق الطلاق على ترابيزة المطبخ كأنها فاتورة كهربا.
حتى ما بصليش…كان مركز في موبايله بنفس النظرة المتعالية اللي دايمًا يستخدمها لما يحب يحسسني إني قليلة.
—أنا محتاج ست عندها طموح يا ياسمين… حد بيشتغل بجد.
بصيت لإيديا الملطخة بالألوان المائية. كنت لسه مخلصة رسمة لكتاب الأطفال السابع بتاعي.طبعًا كريم ماكنش يعرف.بالنسبة له… دفاتري، وألواني الاحترافية، والتابلت اللي بقعد عليه بالساعات… كلها مجرد “هواية فارغة”.
عمره ما سألني بعمل إيه طول الوقت جوه المكتب. ولا اهتم يعرف ليه شركات شحن بتبعتلي طرود طول الأسبوع. ولا ليه إيميلات دور النشر ما بتوقفش.
بس ابتسمت بهدوء وقلت: أمضي فين؟
رفع عينه ليا بدهشة. كان متوقع عياط… ترجي… انهيار.
لكن اللي ماكنش يعرفه…إني طول 6 سنين كنت بنشر كتب أطفال باسم مستعار: “رحاب المنسي”.اسمي الحقيقي ماكنش معروف للناس.لكن كتبي؟ كانت في كل مكان.
معارض الكتاب. مكتبات الشروق. دور النشر الكبيرة. حتى مدارس خاصة بدأت تعتمد قصصي للأطفال.
السنة اللي فاتت وحدها… دخلت أكتر من 4 مليون جنيه من حقوق النشر.وفي نفس الأسبوع اللي كريم كان بيطلقني فيه… كنت على وشك توقيع عقد مع منصة عالمية لتحويل قصصي لمسلسل رسوم متحركة بمبلغ يقرب من 6 مليون جنيه.
لكن كريم ماكانش عايز ست “بتلعب بالألوان”.
كان عايز واحدة زي نادين.
نادين كانت صاحبتي من أيام الجامعة. دايمًا تمدح هدومي، وبيتي، وجوازي، وتقول: إنتِ محظوظة أوي يا ياسمين.
لكن بعدين فهمت… إن كلامها ماكانش إعجاب. كان غيرة.
بعد أسبوعين من الطلاق… كريم نقل يعيش معاها بكل بجاحه
والمصيبة الأكبر؟ إنهم اشتروا البيت اللي كنت عايشة فيه معاه في المعادي.
مطبخي. جنينتي الصغيرة. مكتبي اللي رسمت فيه أول قصة ناجحة ليا.
نادين بدأت تنزل صور على إنستجرام وهي بتشرب قهوة في البلكونة بتاعتي القديمة، وكاتبة: “أخيرًا وصلت للمكان اللي أستحقه.”
ما غيروش حتى كالون الباب. كان معايا نسخة من المفتاح…لكن عمري ما استخدمته.
لأني أصلًا ما كنتش محتاجة أرجع…كنت اشتريت شقة جديدة في الزمالك… شبابيكها واسعة، والشمس بتدخل كل الأوض، وفيها مكتب رسم كبير لأول مرة يبقى ملكي بالكامل.
ولأول مرة من سنين… بدأت أتنفس من غير خوف.
عدت 3 شهور كاملة من غير ما أسمع عن كريم.
لحد صباح يوم سبت الساعة 6 الصبح.
الموبايل رن.
“ياسمين، ممكن تخدي ليلى النهارده؟ نادين عندها سبا وأنا عندي اجتماع مهم. ضروري.”
ليلى كانت بنته من جوازته الأول. طفلة عندها 7 سنين… هادية وطيبة ومتعودة إن الكبار يقرروا كل حاجة بدلها.
وقاحة كريم خلتني أضحك فعلًا.
هو نفسه اللي كان بيقول إني عالة… دلوقتي جاي يطلب مساعدتي.لكن ليلى مالهاش ذنب.
فقلت بهدوء: —هاتها.
وصلت بشنطة عليها يونيكورن، وشعرها منكوش.
عملنا بان كيك بقطع شوكولاتة. وضحكت لما الدقيق طار على مناخيري…وبعدين طلعت كتاب من شنطتها.
كتابي.
آخر إصدار ليا. اللي بقاله 3 أسابيع رقم واحد في مبيعات كتب الأطفال في مصر.
بصتلي وقالت: طنط ياسمين… إنتِ تعرفي الكاتبة رحاب المنسي؟
حسيت إن الزمن وقف ثانية.
قلت بهدوء: يه بتسألي؟
قالت وهي تبص لصورة الكاتبة آخر الكتاب:علشان شبهك أوي… ونادين بتقول إنها أعظم كاتبة أطفال في مصر. عندها كل كتبها في البيت.
عضيت شفايفي علشان ما من الضحك.
نادين… اللي كانت بتتريق على رسوماتي… دلوقتي معلقة صورتي على التلاجة.
ركعت قدام ليلى وقلت: عايزة أقولك سر… بس يفضل بينا.
عينيها وسعوا بذهول. —إنتِ… رحاب المنسي؟!
هزيت راسي بابتسامة.
حطت إيديها على بقها من الصدمة. نادين عندها صورتك على التلاجة فعلًا!
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت: —وعد بينا؟ محدش يعرف دلوقتي.
رفعت صباعها الصغير وقالت: وعد الخنصر.
قضينا باقي اليوم نرسم سوا. وكان عندها موهبة حقيقية.
الساعة خمسة، كريم جه ياخدها.
المرة دي ما استناش تحت. طلع لحد باب شقتي.
بصلي بنظرة مختلفة وقال: إنتِ… شكلك اتغير.
ابتسمت بهدوء: بقيت مرتاحة بس.
ليلى حضنتني بقوة وقالت: ينفع أجي السبت الجاي؟
—طبعًا يا حبيبتي.
كريم ماكنش يعرف أي حاجة. ولا نادين.
وفي نفس الليلة… وقفت قدام شباك شقتي، ببص على نور القاهرة، واتصلت بمديرة أعمالي.
—أكدي حضوري لحفل الجوائز يوم الجمعة.
سكتت ثواني بدهشة. هتظهري أخيرًا باسم رحاب المنسي قدام الإعلام؟
ابتسمت وأنا ببص للمدينة تحتيا.
—أيوه.
لأن نادين كانت على وشك تكتشف مين الست اللي طول عمرها بتعبد نجاحها.
وكريم… كان أخيرًا هيفهم إن الطموح مش لازم يكون صوته عالي.
أوقات… بيبني إمبراطورية كاملة في صمت… على نفس الترابيزة اللي ناس تانية كانت بتقول عليك فيها إنك بلا قيمة.
وماكانوش مستعدين أبدًا… للي هيحصل بعد كده.
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الجزء الثاني والأخير
يوم الجمعة جه أسرع مما كنت متخيلة.
من الساعة أربعة العصر وأنا واقفة قدام المراية في أوضة نومي، ببص لنفسي كأني بشوف واحدة معرفهاش.
ماكنتش لابسة حاجة مبالغ فيها.
فستان أسود بسيط، طويل وهادي، وحجاب بلون فاتح، ومكياج خفيف جدًا.
بس الفرق ماكانش في اللبس.
الفرق كان في الست اللي واقفة قدام المراية.
ياسمين القديمة كانت طول الوقت بتسأل نفسها:
“هو كريم هيعجبه؟”
“هيقول إيه؟”
“هيشوفني حلوة؟”
“هيفتكر إني صرفت كتير؟”
إنما المرة دي…
بصيت لنفسي وقلت:
— أنا عاجباني.
والغريب إن الجملة دي لوحدها خلتني أبتسم.
رن جرس الباب.
كانت مديرة أعمالي، منى.
دخلت وهي شايلة ملف كبير، وأول ما شافتني وقفت مكانها.
— أخيرًا!
ضحكت:
— أخيرًا إيه؟
— أخيرًا رحاب المنسي قررت تبطل تستخبى.
بصيت ناحية مكتبي.
على الحيطة كان فيه سبع أغلفة لسبع كتب.
كل غلاف فيهم كان حتة من عمري.
أول كتاب رسمته وأنا قاعدة على ترابيزة المطبخ بعد ما كريم نام.
تاني كتاب خلصته وأنا سخنة وتعبانة، ومع ذلك فضلت أرسم لحد الفجر علشان ألحق موعد التسليم.
كتاب اترفض من دار نشر.
كتاب تاني اتباع منه أول طبعة في أقل من شهر.
وكتاب ثالث وصلتني بسببه أول رسالة من أم بتقولي إن بنتها بدأت تحب القراءة بسببه.
كريم عاش معايا وسط كل ده.
وشافني بسهر.
وشاف الكراتين.
وشاف الألوان.
وشافني ساعات ببكي قدام الكمبيوتر.
لكنه عمره ما سأل:
“إنتِ بتعملي إيه؟”
كان أسهل له يقول:
“شخبطة.”
منى قربت مني وقالت:
— متوترة؟
— شوية.
— من الصحافة؟
هزيت راسي.
— من إني لأول مرة هقول قدام الناس إن أنا رحاب المنسي.
منى ابتسمت.
— الناس مستنياكي من سنين.
سكتت شوية وبعدين سألتها:
— العقد؟
وشها نور.
— النسخة النهائية وصلت.
فتحت الملف.
— ستة مليون ومتين ألف جنيه للمرحلة الأولى، غير نسبة المشاهدة والترخيص التجاري لو المسلسل نجح.
بصيت للأرقام.
من كام شهر، كان الرقم ده ممكن يخليني أطير من الفرحة.
دلوقتي حسيت بحاجة مختلفة.
راحة.
مش علشان الفلوس.
علشان إثبات بسيط جدًا:
السنين اللي حد كان بيعتبرها ضايعة…
ماكنتش ضايعة.
قفلت الملف وقلت:
— نمضي بعد الحفل.
منى ضحكت:
— كنت عارفة.
وصلنا الفندق حوالي سبعة ونص.
المكان كان مليان ناشرين، رسامين، كتاب، صحفيين، ومصورين.
وأنا داخلة من الباب الخلفي، سمعت المذيعة بتتكلم عن “رحاب المنسي”.
— صاحبة واحدة من أنجح سلاسل أدب الطفل في السنوات الأخيرة، والتي حافظت على هويتها بعيدًا عن الإعلام…
وقفت ثانية.
اسمي المستعار بيتقال في قاعة كبيرة…
وأنا واقفة ورا الستارة.
منى مسكت إيدي.
— جاهزة؟
أخدت نفس طويل.
— جاهزة.
لكن قبل ما أطلع…
لمحت شاشة صغيرة بتنقل تصوير مباشر من القاعة.
وفي الصف التالت…
شوفتهم.
كريم.
ونادين.
اتجمدت.
بصيت لمنى:
— هما بيعملوا إيه هنا؟
بصت على الشاشة.
— غالبًا دعوات من دار النشر. نادين مش كانت شغالة في التسويق؟
افتكرت.
آه.
نادين من كام شهر بدأت شغل جديد في شركة إعلانات بتتعامل مع دور نشر ومؤسسات ثقافية.
يعني وجودها منطقي.
لكن اللي ماكانش منطقي…
إنها كانت لابسة بروش صغير على فستانها عليه شخصية من شخصياتي.
الشخصية اللي أنا رسمتها بإيدي الساعة تلاتة الفجر من أربع سنين.
ضحكت غصب عني.
منى قالت:
— في حاجة؟
— مفيش… بس الدنيا بتحب النكت التقيلة.
جوه القاعة، نادين كانت بتتكلم بحماس مع كريم.
— أنا بقولك رحاب المنسي دي عبقرية. الست دي قدرت تعمل براند كامل من غير حتى ما تظهر.
كريم كان زهقان.
— كل ده علشان شوية كتب أطفال؟
نادين بصتله باستنكار.
— شوية كتب؟ إنت عارف آخر كتاب باع قد إيه؟
— لأ.
— وأهو ده سبب إنك مش فاهم.
ابتسم كريم بسخرية.
— ماشي يا ستي.
نادين قربت منه وقالت:
— أنا نفسي أقابلها. بجد. تخيل لو قدرت أجيبها في حملة للشركة؟ ده لوحده ممكن يغير مستقبلي.
كريم رفع حاجبه.
— للدرجة دي؟
— أكتر.
وفي اللحظة دي، الأنوار خفت.
المذيعة طلعت المسرح.
بدأت تتكلم عن الجائزة.
وبعدين قالت:
— ولسنوات طويلة، كان السؤال اللي بيتكرر من الأطفال والأهالي والناشرين: من هي رحاب المنسي؟
نادين اعتدلت في كرسيها.
— أهي! أهي اللحظة!
المذيعة كملت:
— الليلة، ولأول مرة، وافقت الكاتبة والرسامة صاحبة الاسم الأشهر في أدب الطفل إنها تظهر أمام الجمهور باسمها الحقيقي.
كريم بص للمسرح باهتمام لأول مرة.
نادين مسكت موبايلها وفتحت الكاميرا.
— لازم أصورها.
المذيعة ابتسمت.
— رحبوا معايا…
سكتت ثانية.
— بالفنانة والكاتبة ياسمين فؤاد… المعروفة أدبيًا باسم رحاب المنسي.
طلعت المسرح.
وفي اللحظة دي…
شوفت وش نادين.
الموبايل وقع من إيدها على حجرها.
أما كريم…
ففضل باصصلي.
ولا رمش.
مشيت ناحية المذيعة.
كل خطوة كنت باخدها كانت كأنها بترجعلي سنة من السنين اللي اتاخدت مني.
مسكت الجائزة.
التصفيق كان عالي.
وبعدين المذيعة سألتني:
— ليه قررتي تخفي هويتك كل السنين دي؟
بصيت للجمهور.
عيني عدت على كريم.
لكن ماوقفتش عنده.
وقلت:
— في البداية كنت خايفة من الفشل. بعدين لما نجحت، اكتشفت إن الاسم المستعار اداني حرية غريبة… الناس كانت بتحكم على شغلي من غير ما تعرف أنا مين، ولا متجوزة مين، ولا عندي كام سنة، ولا حياتي شكلها إيه.
المذيعة سألت:
— وهل الناس القريبة منك كانت عارفة؟
سكتت.
القاعة كلها هديت.
قلت:
— بعض الناس كانوا عارفين.
وبعدين ابتسمت.
— وبعض الناس كانوا قريبين جدًا… بس عمرهم ما اهتموا يسألوا.
سمعت همهمة بسيطة.
ما ذكرتش كريم.
ولا كنت محتاجة.
المذيعة سألتني:
— قيل إن في إعلان كبير الليلة؟
منى كانت واقفة جنب المسرح.
بصتلي وهزت راسها.
قلت:
— أيوه.
ظهرت على الشاشة ورايا صورة من أشهر سلسلة كتبتها.
وقلت:
— النهارده تم الاتفاق رسميًا على تحويل السلسلة لمسلسل رسوم متحركة، وهشارك بنفسي في الإشراف الفني على المشروع.
التصفيق
وفي الصف التالت…
نادين بصت لكريم.
كريم كان لسه باصصلي كأنه بيحاول يفهم إزاي الست اللي كان عايش معاها ست سنين…
كانت شخصًا تاني تمامًا في دماغه.
بعد الحفل، المكان اتحول لفوضى جميلة.
ناس بتصور.
صحفيين.
أطفال طالبين توقيعات.
ناشرين بيباركوا.
كنت واقفة بوقع لبنت صغيرة على كتاب، لما سمعت صوت أعرفه كويس.
— ياسمين.
إيدي وقفت لحظة.
كملت التوقيع.
ناولته للبنت وقلت:
— اتفضلي يا حبيبتي.
استنيت لحد ما مشت.
وبعدين لفيت.
كريم.
ونادين وراه.
وشها كان مشدود.
كريم قال:
— ممكن نتكلم؟
— اتفضل.
بص حواليه.
— مش هنا.
— يبقى مفيش كلام.
نادين تدخلت بسرعة:
— ياسمين، إحنا بس مصدومين.
ابتسمت.
— ليه؟
— إنتِ رحاب المنسي؟
— زي ما سمعتي.
بصتلي من فوق لتحت.
— من إمتى؟
ضحكت.
— السؤال غريب شوية من واحدة عندها كل كتبي في البيت.
وشها احمر.
كريم قال:
— ست سنين؟
بصيتله.
— تقريبًا.
— وإنتِ مخبية عليا؟
— مخبية عليك؟
قربت منه خطوة.
— فاكر أول مرة قلتلك إني بكتب قصة أطفال؟
سكت.
كملت:
— قلتلي: “بطلي تضيعي وقتك.”
نادين بصتله.
قلت:
— فاكر لما أول دار نشر قبلت كتابي وقلتلك عايزة أحكيلك حاجة؟
ملامحه اتغيرت.
— كنت راجع تعبان.
— قلتلي: “لو الموضوع عن الرسومات استنيني لما أكون فاضي.”
ابتسمت.
— فضلت مستنية ست سنين يا كريم.
ما ردش.
قلت:
— فاكر التابلت اللي قلتلي تمنه كتير على واحدة مش بتشتغل؟
بلع ريقه.
— ياسمين…
— أنا اشتريته من أول مقدم نشر قبضته.
سكت.
نادين قالت:
— بس برضه ده مش مبرر إنك تخبي دخل بالملايين عن جوزك.
بصيتلها.
— وإنتِ تحديدًا مالك؟
سكتت.
— وبعدين متقلقيش. كل حاجة كانت قانونية، وكل حساباتي وإقراراتي وعقودي موثقة.
كريم قرب:
— يعني لما كنت بدفع مصاريف البيت…
قاطعته:
— كنت أنا كمان بدفع.
— إيه؟
— نص مقدم الشقة القديمة اللي إنت ونادين قاعدين فيها دلوقتي اتحول من حسابي.
وشه اتغير.
نادين لفت له بسرعة.
— إيه؟
قلت:
— وهو عارف.
كريم قال:
— ده كان من فلوس ورثك.
— لأ.
بصيتله بثبات.
— دي كانت فلوس أول ثلاث كتب.
نادين سألته:
— إنت قلتلي إنك إنت اللي دفعت الشقة كلها.
بدأت أشوف أول شرخ.
لكن ماكانش يهمني.
قلت:
— مساء سعيد.
ومشيت.
كريم نادى:
— ياسمين!
ما لفيتش.
لأول مرة…
هو اللي كان واقف مكاني القديم.
بيحاول يخلي حد يسمعه.
والحد التاني…
مشغول بحياته.
تاني يوم الصبح صحيت على 47 مكالمة فائتة.
رسائل من صحفيين.
أصدقاء قدام.
ناس من الجامعة.
وقرايب ماكلمونيش من سنين.
لكن وسطهم كان فيه 11 مكالمة من كريم.
وثلاث رسائل.
“لازم نتكلم.”
“في حاجات محتاج أفهمها.”
“أنا مكنتش أعرف.”
آخر جملة وقفت عندها.
أنا مكنتش أعرف.
كتبت له:
“ماكنتش تعرف لأنك ما سألتش.”
وبعدين عملت كتم للمحادثة.
بعدها بدقايق، ليلى كلمتني فيديو.
فتحت.
كانت بتصرخ من الفرحة:
— طنط ياسمين! شوفتك على التلفزيون!
ضحكت:
— صوتك يا ليلى، الجيران!
قالت:
— بابا كان عامل كده!
وقلدت وش مصدوم وفاتحة بقها.
ضحك.
لكن فجأة صوت نادين جه من بعيد:
— ليلى! اقفلي الموبايل!
وش ليلى اتغير.
— ليه؟
— قلت اقفليه.
قبل ما المكالمة تتقفل، سمعت نادين بتقول:
— وممنوع تكلميها من غير ما تقوليلي.
الشاشة اسودت.
ابتسامتي اختفت.
كنت عارفة إن اللي حصل في الحفل مش هيعدي بسهولة.
لكن ماكنتش متوقعة إن ليلى هتدخل في النص.
مر أسبوع.
كريم ماكلمنيش.
وليلى كمان.
وفي يوم السبت، الساعة عشرة الصبح، جرس الباب رن.
افتكرت إنها منى.
فتحت.
لقيت كريم واقف.
لوحده.
شكله كان مرهق.
قلت:
— خير؟
— ممكن أدخل؟
— لأ.
اتصدم.
زمان كان يدخل أي مكان أنا فيه من غير ما يستأذن تقريبًا.
قال:
— خمس دقايق.
— اتكلم هنا.
سكت لحظة.
— أنا ونادين اتخانقنا.
— ودي حاجة تخصني في إيه؟
— بسببك.
ضحكت.
— لأ يا كريم. أي مشكلة بينك وبين مراتك سببها إنت وهي. أنا خرجت من المعادلة يوم ما مضيت الطلاق.
بص للأرض.
— هي اكتشفت حاجات.
— زي؟
— إن الشقة ماكنتش ملكي بالكامل وقت ما اتفقنا نشتري نصيبك.
قلت:
— دي مشكلة محاميكم.
رفع عينه.
— ياسمين… إنتِ ليه ماقولتيليش؟
— عن إيه؟
— عن نجاحك.
أخدت نفس.
— علشان كل مرة حاولت، كنت بتصغرني.
سكت.
قلت:
— عارف أكتر حاجة وجعتني يوم الطلاق؟
— إيه؟
— مش إنك اخترت نادين.
ملامحه اتشدت.
— ولا حتى إنك طلقتني.
قربت من الباب.
— اللي وجعني إنك وصفتني بالعالة. بعد ست سنين كنت بصحى قبلك، أعمل الفطار، أجهزلك هدومك، أراجع طلبات البيت، أقعد مع ليلى لما تكون عندنا، وبعد ما تناموا أبدأ شغلي الحقيقي لحد تلاتة وأربعة الفجر.
سكت.
— أنا ماكنتش عالة عليك يا كريم. إنت كنت عايش مع واحدة بتشتغل وظيفتين… بس حضرتك ماكنتش معتبر غير الوظيفة اللي عليها مرتب شهري ومكتب.
قال بصوت واطي:
— أنا غلطت.
— أيوه.
بصلي كأنه مستني حاجة.
يمكن مستني أقول:
“كلنا بنغلط.”
ماقلتش.
قال:
— بس ممكن نصلح.
ضحكت بخفة.
— نصلح إيه؟
— اللي حصل.
— إنت متجوز.
سكت.
— وأنا مش عايزاك.
الجملة وقعت عليه أتقل من أي حاجة.
— ياسمين…
— أنا سامحتك.
عينيه لمعت بأمل.
كملت:
— بس المسامحة مش معناها الرجوع.
رجع الأمل اختفى.
قلت:
— أنا سامحتك علشان ما أفضلش شايلة غضبك جوايا. مش علشان أفتحلك الباب تاني.
وقبل ما أقفل، سألته:
— ليلى كويسة؟
هز راسه.
— زعلانة إن نادين مانعاها تكلمك.
— هي مالهاش ذنب.
— عارف.
— يبقى ماتستخدموهاش في مشاكلكم.
وقف ساكت.
قفلت الباب.
وسندت ضهري عليه.
إيدي كانت بتترعش.
مش لأن قلبي عايزه.
لكن لأن في حاجات لما بنقفل بابها للمرة الأخيرة…
بتوجع حتى لو إحنا عارفين إن قفلها صح.
عدى شهر.
وبدأ شغل مسلسل الرسوم المتحركة.
فجأة بقى عندي فريق كامل.
رسامين.
كتاب.
مصممين.
مخرج فني.
واجتماعات كانت بتبدأ من تسعة الصبح.
وفي أول اجتماع، حطيت قدامي نفس دفتر الرسم القديم اللي كريم كان بيسميه “كشكول الشخبطة”.
منى شافته وضحكت.
— لسه محتفظة بيه؟
قلت:
— ده أهم دفتر عندي.
— ليه؟
فتحت أول صفحة.
كان فيها رسمة سيئة جدًا لطفلة واقفة جنب شجرة.
قلت:
— علشان يفكرني إني ما بدأتش شاطرة.
بصتلي.
— بدأت وأنا بحاول.
وفي يوم، وأنا خارجة من الاستوديو، لقيت ليلى مستنياني مع كريم.
جريت عليا.
— طنط ياسمين!
حضنتني.
وحشتني بطريقة وجعتني.
قالت:
— بابا قال إني ممكن أجيلك السبت لو إنتِ موافقة.
بصيت لكريم.
قال:
— هي بتحب الرسم معاكي.
قلت:
— البيت بيتها.
ليلى فرحت.
لكن كريم فضل واقف.
قال:
— ممكن أقولك حاجة؟
— قول.
— اتفرجت على أول حلقة تجريبية.
استغربت.
— جبتها منين؟
— الشركة اللي عندي داخلة في جزء من التوزيع الإعلاني.
هزيت راسي.
قال:
— حلوة جدًا.
ابتسمت.
— شكرًا.
— قصدي… شغلك حلو جدًا.
لأول مرة سمعتها منه.
بعد ست سنين.
لكن الغريب…
إنها ماعملتش جوايا الحاجة اللي كنت متخيلة زمان إنها هتعملها.
زمان كنت مستعدة أضحي بأي حاجة علشان أسمع منه:
“أنا فخور بيكي.”
دلوقتي؟
كانت مجرد جملة لطيفة.
قلت:
— شكرًا يا كريم.
ومسكت إيد ليلى ومشينا.
بعدها بشهرين، المشاكل بين كريم ونادين زادت.
ماكنتش أعرف التفاصيل.
ولا سألت.
لكن ليلى كانت ساعات تقول كلام صغير.
— نادين بتزعق كتير.
أو:
— نادين مش بتحب لما بابا يتفرج على أخبارك.
كنت أغير الموضوع فورًا.
لأن مهما حصل…
ماكنتش هخلي طفلة تبقى جاسوسة في بيت أبوها.
في أحد أيام السبت، ليلى كانت قاعدة في مكتبي بترسم.
فجأة قالت:
— طنط ياسمين؟
— نعم؟
— إنتِ كنتي بتحبي بابا؟
السؤال فاجئني.
حطيت القلم.
— أيوه.
— وبطلتِ؟
فكرت قبل ما أجاوب.
— ساعات الحب مش بيختفي مرة واحدة. بس ممكن الواحد يعرف إن وجوده مع شخص معين مبقاش مناسب ليه.
قالت:
— يعني ممكن نحب حد وما نعيش معاه؟
— أيوه.
بصت للرسمة.
— بابا ساعات بيبقى زعلان لما يشوفك في التلفزيون.
ما رديتش.
قالت:
— مرة قال: “أنا كنت أعمى.”
حسيت بحاجة صغيرة جوايا.
مش شماتة.
ولا فرحة.
مجرد حزن على ست سنين كان ممكن يبقوا مختلفين لو شخص واحد قرر يسأل بدل ما يحكم.
قلت:
— كملي الشمس بتاعتك.
قالت:
— أصفر؟
قلت:
— الشمس بتاعتك. اختاري لونها إنتِ.
ابتسمت.
ولونتها بنفسجي.
بعد ست شهور، المسلسل اتعرض.
وأول أسبوع…
كسر أرقام المشاهدة المتوقعة.
شخصياتي اللي كنت برسمها لوحدي في المطبخ بقت بتتحرك.
بتتكلم.
الأطفال بيقلدوها.
المكتبات حطت الكتب في الواجهة.
وجالي عرض جديد لترجمة السلسلة لعدة لغات.
وفي يوم افتتاح معرض الكتاب، كان عندي حفل توقيع.
الطابور كان طويل بطريقة خلتني مش مصدقة.
أطفال ماسكين كتبي.
أمهات.
آباء.
مدرسات.
وفجأة…
شوفت واحدة واقفة آخر الطابور.
نادين.
لوحدها.
افتكرت إنها ممكن تمشي لما عيني جت في عينها.
لكنها فضلت واقفة.
لحد ما جه دورها.
حطت كتاب قدامي.
نفس أول كتاب ليا.
قلت:
— لمين الإمضاء؟
قالت:
— ليا.
مسكت القلم.
سألت:
— أكتب إيه؟
قالت:
— أي حاجة.
كتبت اسمي.
وقفلت الكتاب.
ناولتهولها.
لكنها ما مشيتش.
قالت:
— أنا كنت بغير منك.
رفعت عيني.
قالت:
— حتى قبل ما أعرف موضوع الكتب.
ما رديتش.
كملت:
— كنت بشوف بيتك… كريم… هدوءك… وكل حاجة عندك، وأحس إنك واخدة حياة كان المفروض تبقى ليا.
قلت:
— مفيش حياة مكتوب عليها اسم حد.
عينيها نزلت.
— عارفة.
سكتت.
وبعدين قالت:
— أنا وكريم .
ماكنتش متوقعة.
لكن ملامحي ما اتغيرتش.
قلت:
— ربنا يعوض كل واحد فيكم بالخير.
بصتلي باستغراب.
يمكن كانت مستنية شماتة.
قالت:
— مش هتقولي حاجة؟
— زي إيه؟
— إن ده جزائي.
هزيت راسي.
— أنا مش قاضي.
سكتت.
قلت:
— بس أتمنى تكوني فهمتي إن البيت اللي كنتِ فاكرة إنك لما تدخليه هتاخدي حياتي… كان مجرد أربع حيطان.
دموعها لمعت.
— فهمت.
مشيت.
وبصيت للطابور.
طفلة صغيرة كانت مستنية توقيعي.
ناديت:
— اللي بعده.
لأن حياتي ماكانتش محتاجة تتوقف علشان أتفرج على انهيار حياة حد تاني.
بعد سنة كاملة من الطلاق…
كنت في افتتاح الاستوديو الجديد.
مش مكتب في شقة.
استوديو حقيقي.
على الباب مكتوب:
“رحاب المنسي للإنتاج الإبداعي”
وتحته بخط أصغر:
“الحكايات الصغيرة تصنع أحلامًا كبيرة.”
كان فيه حوالي عشرين موظف.
نصهم تقريبًا رسامين شباب في بداية حياتهم.
وقررت أعمل برنامج تدريب مجاني كل سنة للناس اللي عندهم موهبة ومش قادرين يدفعوا كورسات.
ليه؟
علشان كنت فاكرة كويس أول مرة دخلت مكتبة أدوات رسم، وقعدت أحسب تمن الأقلام قبل ما أشتريها.
ليلى كانت موجودة يوم الافتتاح.
بقت عندها تمن سنين.
جريت عليا وهي شايلة لوحة.
— عملتلك هدية!
فتحتها.
كانت رسمة لست قاعدة على ترابيزة صغيرة بترسم.
ووراها مدينة كاملة طالعة من الورق.
فوق الرسمة كتبت بخط أطفال:
“طنط ياسمين اللي رسمت عالمها بنفسها.”
ماقدرتش أتكلم ثواني.
حضنتها.
قلت:
— دي هتتحط في مكتبي.
صرخت:
— بجد؟
— في أهم مكان.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت كريم:
— تستاهل.
كان واقف بعيد.
اتغير.
مش في شكله بس.
في طريقته.
بقى أهدى.
قرب وقال:
— مبروك.
— الله يبارك فيك.
بص للافتة.
— فاكرة ترابيزة المطبخ؟
ابتسمت.
— جدًا.
ضحك بحزن.
— أنا رميتها.
— عارفة.
— بعد ما بعنا البيت.
بصلي.
— ندمت.
ما سألتوش على إيه.
لأن الإجابة كانت واضحة.
قال:
— تعرفي أغرب حاجة؟
— إيه؟
— كنت فاكر إن الطموح معناه بدلة، مكتب، عربية، اجتماعات… كنت بشوفك قاعدة بالبيجامة قدام ورقة وألوان، فأفتكر إنك بتضيعي وقت.
قلت:
— علشان كنت بتحكم على شكل الشغل، مش نتيجته.
هز راسه.
— صح.
سكت لحظة.
— أنا خسرتك يا ياسمين.
الجملة اللي كان ممكن زمان تغير حياتي كلها…
سمعتها دلوقتي بهدوء.
قلت:
— إحنا خسرنا جوازنا يا كريم. بس يمكن كل واحد فينا اتعلم حاجة.
قال:
— إنتِ كسبتي.
بصيت حواليّ.
للموظفين.
للأطفال.
للكتب.
للوحة اللي ليلى رسمتها.
وبعدين قلت:
— أنا كسبت نفسي.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— الفرق كبير.
— جدًا.
مد إيده.
— مبروك يا رحاب المنسي.
بصيت لإيده.
وصافحته.
— شكرًا يا كريم.
وبس.
لا موسيقى.
لا حضن.
لا رجوع.
ولا النهاية التقليدية اللي فيها الراجل يكتشف غلطه والست ترجعله علشان أثبتت قيمتها.
لأ.
لأن قيمتي ماكنتش جائزة لازم كريم يقتنع بيها.
كانت موجودة حتى لما هو ما شافهاش.
بعد الافتتاح بأسبوع، جالي ظرف بالبريد.
جواه رسالة قصيرة.
من كريم.
“ياسمين،
مش بكتب علشان ترجعي.
وفهمت أخيرًا إن الاعتذار الحقيقي مش طلب فرصة جديدة.
أنا آسف على كل مرة خليتك تحسي إن اللي بتعمليه تافه.
آسف على كلمة عالة.
وآسف إني ما سألتش السؤال البسيط اللي كان ممكن يغير حاجات كتير:
إنتِ بتحلمي بإيه؟
أنا فعلًا خسرتك.
بس أتمنى ماكونش كسرت جواكي حاجة للأبد.
كريم.”
قريت الرسالة مرتين.
وبعدين حطيتها في درج.
مش علشان أحتفظ بذكرى حب.
لكن علشان بعض الاعتذارات…
مكانها مش القلب.
مكانها الأرشيف.
مرت سنتين.
بقيت عندي 14 كتاب منشور.
مسلسلين.
وفريق شغل كامل.
لكن الحاجة اللي فضلت أحبها أكتر من كل ده…
كانت صباح السبت.
ليلى بقت تيجي عندي كل أسبوع تقريبًا.
كبرت.
وبقت رسوماتها أحسن.
وفي يوم دخلت المكتب وهي مخبية حاجة ورا ضهرها.
— عندي مفاجأة.
قلت:
— وريني.
طلعت كشكول.
على الغلاف مكتوب:
“مغامرات لولو والقمر.”
فتحت أول صفحة.
كانت كاتبة قصة كاملة.
مش مثالية.
فيها أخطاء.
والرسومات محتاجة شغل.
لكن وأنا بقلب الصفحات…
افتكرت نفسي.
قالت بخوف:
— وحشة؟
قفلت الكشكول.
بصيتلها.
وقلت:
— لأ.
— حلوة؟
قلت:
— عندك بداية حلوة جدًا.
وشها نور.
سألت:
— ممكن أبقى كاتبة زيك؟
قلت:
— ممكن تبقي أحسن مني.
ضحكت.
وبعدين سألتني:
— نوريها لبابا؟
قلت:
— طبعًا.
لكنها اترددت.
— خايفة يقول شخبطة.
الجملة ضربتني في قلبي.
مسكت إيديها.
قلت:
— أبوكي اتعلم.
وبالفعل…
لما كريم جه ياخدها، جريت عليه بالكشكول.
— بابا! كتبت قصة!
فتح أول صفحة.
وقفت بعيد أراقب.
قرأ.
وبعدين ركع قدامها.
قال:
— تحفة.
ليلى قالت:
— بجد؟
— بجد.
— مش شخبطة؟
وش كريم اتغير.
رفع عينه ناحيتي.
ثانية واحدة.
وفهمنا إحنا الاتنين.
بعدين رجع بصلها وقال:
— مفيش حلم اسمه شخبطة يا ليلى.
حسيت عيني بتلمع.
يمكن دي كانت أحسن حاجة خرجت من كل اللي حصل.
إن الغلطة…
ما اتكررتش مع طفلة تانية.
بعد كام شهر، اتدعيت أتكلم في عن الصناعات الإبداعية.
المذيعة سألتني على المسرح:
— لو رجع بيكي الزمن لليوم اللي زوجك السابق قالك فيه إنك عالة عليه وإن رسوماتك شخبطة… كنتِ هتقولي له إيه؟
القاعة سكتت.
فكرت.
وبعدين ابتسمت.
قلت:
— ولا حاجة.
الناس ضحكت.
المذيعة استغربت:
— ولا حاجة؟
— ولا حاجة.
قلت وأنا ببص للجمهور:
— زمان كنت فاكرة إن أكبر انتصار ممكن أحققه إني أثبتله إنه غلط. إني أبقى ناجحة جدًا لدرجة إنه يندم.
سكت شوية.
— بعدين فهمت إن لو فضلت ببني حياتي علشان شخص يندم، يبقى هو لسه متحكم فيها حتى بعد ما خرج منها.
القاعة هديت.
قلت:
— النجاح الحقيقي بدأ يوم ما بطلت أسأل: “هيقولوا عليا إيه؟” وبدأت أسأل: “أنا عايزة أعمل إيه؟”
التصفيق بدأ.
لكن كملت:
— مش كل شغل بيكون له مكتب. ومش كل طموح بيلبس بدلة. وفي ناس بتبني مستقبلها وهي قاعدة في ركن صغير في البيت، والناس حواليها فاكرة إنها بتضيع وقت.
رفعت إيدي.
كان فيها قلم رصاص قديم.
نفس القلم اللي بدأت بيه أول تصميم لأول كتاب.
قلت:
— ساعات الفرق بين “الشخبطة” والمشروع الناجح… إن صاحب الشخبطة ما صدقش الناس اللي سخروا منه.
التصفيق كان أعلى.
وأنا نازلة من المسرح…
وصلتني رسالة من ليلى.
صورة.
كانت صورت غلاف أول قصة صغيرة ليها بعد ما المدرسة اختارتها في مسابقة.
وتحت الصورة:
“طنط ياسمين، بابا جابلي ألوان جديدة علشان أكمل.”
ابتسمت.
كتبتلها:
“مستنية أشوف العالم اللي هترسميه.”
في عيد ميلادي الأربعين…
كنت قاعدة في نفس المكان اللي بدأت منه كل حاجة تقريبًا.
مش نفس البيت.
ولا نفس الترابيزة.
لكن نفس الفكرة.
شباك كبير.
قهوة.
دفتر أبيض.
وألوان.
الاستوديو كان فاضي.
الكل مشي.
وقعدت لوحدي أرسم شخصية جديدة.
دخلت منى فجأة.
— إنتِ بتهزري؟
رفعت عيني.
— إيه؟
— عندك شركة كاملة تحت أمرك، ولسه بترسمي بنفسك الساعة عشرة بالليل؟
ضحكت.
— دي مش وظيفة.
— أمال إيه؟
بصيت للورقة.
— دي الحاجة اللي بحبها.
حطت قدامي ملف.
— بالمناسبة… العقد الجديد وصل.
فتحته.
الأرقام كانت أكبر بكتير من الستة مليون اللي كنت زمان شايفاهم قمة الحلم.
قفلت الملف من غير حتى ما أعد الأصفار.
منى ضحكت:
— مش هتبصي؟
قلت:
— بكرة.
— إنتِ اتجننتي.
— ممكن.
مشيت.
رجعت أبص للرسمة.
وفجأة افتكرت يوم الطلاق.
كريم واقف في المطبخ.
وأوراق الطلاق على الترابيزة.
وصوته:
“أنا مش عايز زوجة تقضي يومها ترسم شخبطة أطفال وأنا اللي شايل البيت كله.”
لو حد وقتها قال لي إن اللحظة دي مش نهاية حياتي…
ماكنتش هصدقه.
كنت فاكرة إن بيتي انهدم.
لكن الحقيقة؟
البيت اللي كنت عايشة فيه كان أصغر من أحلامي.
والباب اللي كريم قفله في وشي…
خلاني أدور على باب تاني.
لقيته.
وبعده لقيت عشرة.
بعد فترة، كنت ماشية مع ليلى في معرض الكتاب.
بنت صغيرة جريت عليا.
— رحاب! رحاب!
أمها قالت لها:
— اسمها طنط ياسمين يا حبيبتي.
البنت مدتلي كتاب.
— ممكن تمضيلي؟
ركعت.
— اسمك إيه؟
— مريم.
كتبت:
“إلى مريم…
ارسمي حلمك حتى لو محدش فهمه في البداية.”
ناولتها الكتاب.
قالت:
— أنا كمان بحب أرسم.
ابتسمت.
— يبقى ماتبطليش.
مشت وهي حضنة الكتاب.
ليلى بصتلي.
— طنط؟
— نعم؟
— إنتِ سعيدة؟
السؤال كان بسيط.
لكن الإجابة أخدت مني سنين.
بصيت حواليّ.
مش على اللافتات اللي عليها اسمي.
ولا على الكتب.
ولا على الناس.
بصيت جوايا.
وقلت:
— أيوه.
قالت:
— علشان بقيتي مشهورة؟
هزيت راسي.
— لأ.
— علشان بقيتي غنية؟
ضحكت.
— برضه لأ.
— أمال ليه؟
مسكت إيدها.
— علشان مبقتش محتاجة حد يقولي أنا أساوي إيه.
مشينا وسط الزحمة.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة كان لازم أفهمها من زمان.
كريم فعلًا خسرني.
لكن الحكاية عمرها ما كانت عن خسارته.
ولا عن ندمه.
ولا عن ملايين الجنيهات.
ولا عن نادين وهي واقفة قدامي في طابور علشان آخد كتابها وأمضيه.
الحكاية كانت عني أنا.
عن الست اللي صدقت لفترة طويلة إن السكوت معناه ضعف.
وإن الشغل اللي محدش شايفه مالوش قيمة.
وإن رضا الشخص اللي بتحبه شهادة نجاح.
كنت غلطانة.
لأن البذرة وهي تحت التراب…
محدش بيشوفها.
لكن ده مش معناه إنها مش بتنمو.
وأنا كنت بنمو.
كل ليلة قعدت فيها قدام الورق.
كل رسمة كريم سخر منها.
كل إيميل بعتّه لدار نشر.
كل مرة اترفضت ورجعت حاولت.
كل جنيه كسبته وخبيته بعيد عن الاستعراض.
كل طفل قرأ قصة وابتسم.
كنت ببني نفسي.
بهدوء.
من غير صوت.
لحد ما جه اليوم اللي الناس كلها شافت فيه اللي كان موجود أصلًا.
بعد خمس سنين من الطلاق…
وصلتني دعوة غريبة.
مدرسة ليلى كانت عاملة معرض للمواهب.
وكان اسمها ضمن المشاركين.
روحت.
لقيت كريم قاعد في الصف الأول.
سلمنا على بعض باحترام.
العلاقة بينا بقت بسيطة جدًا.
لا حب.
لا كراهية.
مجرد شخصين كانوا في حياة بعض يومًا ما.
طلعت ليلى المسرح.
بقت عندها 12 سنة.
مسكت كتاب صغير مطبوع.
وقالت:
— القصة دي اسمها “البنت اللي رسمت باب”.
قلبي دق.
بدأت تقرأ:
— “قالوا لها إن الحائط ملوش باب، فرسمت واحدًا. ضحكوا عليها وقالوا: الباب المرسوم مش هيفتح. لكنها فضلت ترسمه كل يوم… لحد ما اكتشفت إنها مش محتاجة الحائط يفتح، لأنها وهي بترسم اتعلمت تبني بيتًا جديدًا.”
بصيت لكريم.
كان باصص للمسرح.
وعينيه مليانة دموع.
ليلى كملت.
ولما خلصت، القاعة كلها سقفت.
وقفت أنا.
وقف كريم.
وسقفنا لها.
بعد الحفل، جريت علينا.
— عجبتكم؟
كريم حضنها.
— جدًا.
قالت:
— طنط ياسمين ساعدتني أعدل النهاية.
بصلي كريم.
وقال:
— واضح.
ضحكنا.
وبعدين ليلى جريت لصاحباتها.
فضلنا واقفين ثواني.
قال كريم:
— هي شبهك.
قلت:
— لأ.
بصيت عليها وهي بتضحك وسط أصحابها.
— هي شبه نفسها.
ابتسم.
— صح.
وقبل ما يمشي قال:
— على فكرة… أنا مبسوط إنها عرفتك.
قلت:
— وأنا كمان.
ومشي.
ماكنتش محتاجة منه اعتراف أكبر.
في الليلة دي رجعت البيت.
فتحت الدولاب القديم اللي محتفظة فيه بأول حاجاتي.
طلعت كشكول الشخبطة.
قعدت أقلب فيه.
في آخر صفحة، لقيت جملة كنت كاتباها من سنين وأنا متجوزة كريم:
“نفسي في يوم حد يشوف اللي بعمله ويقول لي إنه يستاهل.”
فضلت باصة للجملة فترة.
وبعدين جبت قلم.
شطبت كلمة:
“حد”.
وكتبت فوقها:
“أنا”.
بقت الجملة:
“نفسي في يوم أنا أشوف اللي بعمله وأقول إنه يستاهل.”
ابتسمت.
قفلت الدفتر.
وحطيته على الرف جنب أول جائزة أخدتها.
وبصيت من الشباك.
القاهرة كانت منورة تحتيا زي الليلة اللي قررت فيها أظهر للعالم باسم رحاب المنسي.
بس المرة دي…
ماكنتش بفكر في كريم.
ولا نادين.
ولا حتى في العقود.
كنت بفكر في الرسمة الجديدة اللي هبدأها الصبح.
لأن الست اللي اتقال لها يومًا إنها “عاطلة وعالة”…
بقت بتدفع مرتبات عشرات البيوت.
والشخبطة اللي اتقال إنها ملهاش لازمة…
بقت كتب ومسلسلات وشخصيات بيكبر معاها آلاف الأطفال.
والراجل اللي سابني علشان يدور على ست “عندها طموح”…
اكتشف متأخر جدًا إن أكبر حلم كان موجود قدامه طول الوقت.
هو بس…
ما رفعش عينه من موبايله علشان يشوفه.
أما أنا؟
فما خسرتش كريم يوم .
أنا يومها خسرت الشخص اللي كان بيخليني أشك في نفسي.
وده كان أول مكسب حقيقي ليا.
ومن يومها عرفت إن حاجة ممكن تعملها في حد استهان بيك…
مش إنك تنتقم منه.
ولا إنك تخليه يندم.
ولا حتى إنك تقف قدامه وتعدّد له نجاحاتك.
أقسى حاجة…
إنك تكمل.
تنجح.
تعيش.
وتوصل لمرحلة يبقى فيها رأيه فيك…
مالوش أي قيمة.
تمت.
بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري




