روايات وقصص

ساره حكايات اسما السيد 2

باب العمليات اتقفل، وأنا فضلت واقف قدامه كأني مستني حد يطلع يقولي إن كل اللي حصل ده مجرد كابوس.

لكن محدش خرج.

عدت عشر دقايق.

وبعدين نص ساعة.

وكل دقيقة كانت تمر بصعوبة.

كنت كل شوية أبص على تليفوني.

أمي لسه قافلاه.

وسارة جوه.

وابني اللي استنيته سنين، معرفش هيخرج للدنيا إزاي… ولا هيخرج بخير أصلًا ولا لأ.

قعدت وحطيت وشي بين إيديا.

وآخر جملة قالتها سارة فضلت تلف في دماغي:

— افتح الدولاب.

كنت عايز أرجع البيت فورًا.

لكن مستحيل أسيبها وهي في العمليات.

بعد حوالي ساعة، الباب اتفتح.

قمت كأني اتلسعت.

الدكتور خرج.

جريت عليه:

— مراتي؟ ابني؟

قال:

— الطفل اتولد.

ركبي ضعفت.

— كويس؟

رد بحذر:

— مولود قبل ميعاده ووزنه قليل، واتنقل حضّانة الأطفال. محتاج دعم ومتابعة دقيقة.

قلت بسرعة:

— وسارة؟

بصلي النظرة اللي كنت خايف منها.

— حصلت مضاعفات أثناء الولادة، لكن قدرنا نسيطر عليها حاليًا. هي تحت الملاحظة ومش هتقدر تشوفها دلوقتي.

غمضت عيني وقلت:

— الحمد لله.

كنت بقولها وأنا بترعش.

ابني عايش.

وسارة عايشة.

دلوقتي جه دور السؤال التاني.

إيه اللي حصل لها؟

بعد ما اطمأنيت إن حالتها مستقرة مؤقتًا، رجعت البيت.

دخلت الشقة الساعة قربت من الفجر.

كل حاجة كانت زي ما سبتها.

كيس الشوكولاتة اللي اشتريته لها واقع جنب باب الأوضة.

السرير لسه ملخبط.

الفوطة اللي خوفتني أول ما شوفتها أخدها المسعفون معاهم ضمن متعلقات الحالة.

وقفت في نص الأوضة.

من كام ساعة كنت واقف هنا وشاكك في مراتي.

دلوقتي كنت مستعد أدي عمري كله علشان أسمعها بتزعقلي إني اتأخرت عليها.

بصيت ناحية الدولاب.

فتحته.

هدوم سارة قدامي.

فساتين.

عبايات.

شنط.

علبة دهبها.

فضلت أدور.

مفيش حاجة.

طلعت الهدوم رف رف.

لحد ما لقيت في آخر الدولاب، تحت كومة ملايات قديمة، شنطة قماش صغيرة.

فتحتها.

كان جواها موبايل قديم.

ودفتر صغير.

وشريط دواء فاضي.

وورقة مطوية.

مسكت الورقة.

أول سطر خلاني أقعد على طرف السرير.

كان مكتوب بخط سارة:

“لو أحمد قرأ الكلام ده، يبقى أنا مقدرتش أحكيله بنفسي.”

إيدي بدأت تترعش.

كملت.

“أنا مش عارفة اللي بيحصل معايا طبيعي ولا لأ.

كل مرة حماتي تزورني بعدها بساعات بتعب.

مرة دوخة شديدة.

مرة غثيان.

مرة وجع في بطني.

وفي كل مرة تقوللي الحمل كده وإن أنا مدلعة.”

وقفت عن القراءة.

حسيت نفسي مش قادر آخد نفسي.

لكن كملت.

“أنا مش باتهمها بحاجة.

يمكن أنا فعلًا بخاف زيادة.

علشان كده بدأت أكتب التاريخ والساعة وكل حاجة باكلها أو بشربها قبل ما أتعب.”

قلبت الصفحة.

تواريخ.

مواعيد.

ملاحظات.

لكن الصفحة الأخيرة كانت مختلفة.

مكتوب فيها:

“الدكتورة ريم طلبت مني أعمل فحوصات إضافية بعد ما شافت حاجة مش طبيعية في التحاليل. قالتلي ما آخدش أي دواء غير اللي هي كاتباه.”

وتحتها:

“قلت لها إن فيه حبوب حماتي بتجيبهالي وبتقولي إنها فيتامينات للحمل.”

حسيت الدم بيغلي في عروقي.

بصيت على شريط الدواء الفاضي.

كان الاسم ممسوح تقريبًا.

فضل منه كام حرف بس.

وفي اللحظة دي…

الموبايل القديم اللي في الشنطة شد انتباهي.

حاولت أفتحه.

كان عليه رقم سري.

جربت تاريخ جوازنا.

فتح.

لقيت تسجيلات صوتية.

أول تسجيل من حوالي شهرين.

ضغطت تشغيل.

سمعت صوت سارة:

— أنا بس بسجل علشان لو نسيت… النهارده الساعة ستة ونص، ماما منى جابتلي عصير وقالتلي آخد الحباية بعده. بعد حوالي ساعة حسيت بدوخة جامدة.

التسجيل التاني:

— النهارده وجع بطني رجع تاني بعد الدوا… أحمد مسافر ومش عايزة أقلقه.

التالت كان من أسبوع.

صوت سارة كان بيعيط:

— أنا بطلت الحبوب من نفسي… ومش هقول لحد لحد ما أشوف الدكتورة.

لكن التسجيل الأخير…

كان بتاريخ نفس الليلة.

ضغطت عليه.

في البداية مفيش غير صوت بعيد

بعدين صوت أمي ظهر بوضوح:

— هاتي شنطتك يا سارة.

صوت سارة:

— ليه؟

— هاتيها بس.

— التقرير بتاعي فيها.

صمت ثواني.

ثم صوت أمي:

— أحمد مش لازم يشوف التقرير ده دلوقتي.

سارة ردت:

— ليه؟

أمي قالت:

— علشان لو شافه… هيسأل أسئلة إحنا مش ناقصينها.

وقفت التسجيل.

إيدي كانت بتترعش.

لكن كان لازم أكمله.

ضغطت تشغيل.

سمعت سارة تقول:

— أنا تعبانة… هكلم الإسعاف.

وجالي صوت أمي:

— مفيش إسعاف ولا حاجة. استني شوية وهتبقي كويسة.

— أنا مش حاسة بحركة البيبي زي الأول.

— سارة، بلاش دلع.

وبعدين صوت حركة.

سارة قالت بعصبية:

— إنتِ بتاخدي الظرف ليه؟!

التسجيل انتهى فجأة.

فضلت باصص للموبايل.

مش عارف أفكر.

التسجيل ما كانش يثبت إن أمي عملت لسارة حاجة.

لكنه كان يثبت حاجة واحدة على الأقل:

أمي كذبت عليا.

هي شافت التقرير.

أخدته.

ومنعت سارة من طلب الإسعاف رغم إنها كانت بتقول إن حركة الطفل قلت.

قمت بسرعة.

كنت هتصل بيها.

لكن تليفوني رن قبلي.

رقم غريب.

رديت.

— ألو؟

جالي صوت راجل كبير:

— الأستاذ أحمد منصور؟

— أيوه.

— أنا الصيدلي اللي تحت بيت والدتك.

استغربت.

— خير؟

قال:

— والدتك كانت عندي من حوالي ساعة.

قلبي بدأ يدق.

— كانت عايزة إيه؟

سكت الرجل لحظة.

ثم قال:

— كانت بتسألني لو أقدر أعرف اسم دواء من شريط متقطع.

بصيت تلقائيًا للشريط اللي في إيدي.

قلت:

— وبعدين؟

— قلتلها أجيبهولي.

— جابته؟

— لأ… مشيت.

سألته:

— طب إنت بتكلمني ليه؟

قال:

— لأنها بعد ما خرجت، لقيت ورقة وقعت منها قدام الصيدلية

 ورقة إيه؟

— تقرير طبي باسم مراتك… سارة.

وقفت.

الظرف.

قلت:

— حضرتك عندك التقرير؟!

— أيوه.

— أنا جايلك حالًا.

لبست ونزلت أجري.

بعد حوالي نص ساعة كنت واقف قدام الصيدلية.

الراجل سلمني ظرف أبيض مفتوح.

مسكته كأني ماسك إجابة كل الأسئلة.

فتحت التقرير.

قرأت أول صفحة.

تحاليل.

أرقام.

مصطلحات طبية مش فاهم منها حاجة.

لكن في آخر الصفحة كان فيه سطر متعلم عليه بالقلم الأحمر.

قريته مرة.

واتنين.

وثلاثة.

ومفهمتش معناه.

صورت الصفحة وبعتها فورًا للدكتورة ريم.

واتصلت بيها.

ردت.

قلت:

— يا دكتورة… لقيت التقرير.

سكتت.

ثم قالت:

— ابعتهولي.

— بعته.

عدت ثواني.

سمعت نفسها يتغير.

قالت:

— أحمد… التقرير ده كان لازم يوصل المستشفى من أول لحظة

 ليه؟

— لأن فيه نتيجة محتاجة تتقارن فورًا بتحاليل سارة الحالية، ومينفعش نفسرها من ورقة واحدة.

قلت بانفعال:

— يعني إيه؟

ردت:

— يعني لازم نعرف سبب التدهور طبيًا قبل ما حد يتهم حد.

ثم أضافت:

— وخلي شريط الدواء اللي لقيته زي ما هو. ما ترميهوش وما تستخدموش. سلمه للدكتور.

قفلت معاها.

كنت هتحرك ناحية المستشفى…

لكن الصيدلي ناداني:

— أستاذ أحمد.

لفيت.

كان ماسك حاجة صغيرة في إيده.

— فيه حاجة تانية وقعت من والدتك.

مد إيده.

كانت ورقة صغيرة مطوية.

فتحتها.

مش روشتة.

ولا تحليل.

كانت إيصال معمل قديم باسم سارة.

وتاريخ الإيصال كان من حوالي أربعة شهور.

وفي آخره اسم تحليل محدد بالقلم.

لكن اللي صدمني مش اسم التحليل.

اللي صدمني كانت الجملة المكتوبة بخط إيد أمي على ضهر الورقة:

“لو النتيجة اتكررت، أحمد هيعرف إننا كنا عارفين من الأول.”

وقفت مكاني.

“إحنا”؟

مين إحنا؟

وإيه اللي كانوا عارفينه من الأول؟

والسؤال الأخطر:

هل اللي بيحصل لسارة بدأ الليلة دي فعلًا… ولا السر مدفون من قبل حملها أصلًا؟

يتبع بشدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى