عام

أسرار الغسل بقلم اسما السيد 2

أول ما المغسلة العجوز قالت:

— اللي حصل للست دي ما بدأش بعد موتها… ده بدأ وهي لسه عايشة.

المكان كله سكت.

حتى بنت أخو المتوفاة فضلت واقفة وهي ماسكة شنطتها بإيدين بيترعشوا، وعينيها معلقة بالكيس القماش الصغير.

قالت بسرعة:

— أنا والله ما أعرف الكيس ده جه في شنطتي إزاي.

العجوز ما اتهمتهاش، وما فتحتش الكيس.

حطته على جنب وقالت بحزم:

— محدش يلمسه، ومحدش يفتح حاجة مجهولة. واللي يهمني دلوقتي نعرف الست دي كانت عايشة إزاي قبل ما تموت.

واحدة من قرايبها قالت:

— يعني إيه؟

ردت العجوز:

— يعني النمل ممكن يكون له سبب طبيعي إحنا لسه مش شايفينه. وجوده بالشكل ده مش معناه إننا نحكم على الميتة ولا نقول غضب ولا عقاب. حرمة الميت أكبر من كلام الناس.

الكلمة دي سكتت الكل.

وبعدها العجوز بصت لبنت أخوها وسألتها:

— في الأيام الأخيرة، عمتك اشتكت من حاجة؟

البنت هزت راسها:

— كانت بتقول إن البيت فيه نمل كتير.

العجوز قربت منها.

— من إمتى؟

— يمكن شهر… أو أكتر.

— وكانت بتقول بيطلع منين؟

البنت سكتت شوية، كأنها بتحاول تفتكر، وبعدها قالت:

— كانت بتقول جملة غريبة… وأنا كنت فاكرة إنها كبرت وبتتهيأ لها حاجات.

— قالت إيه؟

ردت بصوت واطي:

— كانت بتقول: “النمل حافظ الطريق أكتر مني.”

العجوز ثبتت عينيها فيها.

— قالتها بالنص؟

— أيوه.

هنا العجوز سألت:

— مفتاح بيتها مع مين؟

طلع أخو المتوفاة المفتاح من جيبه وقال:

— معايا.

العجوز قالت:

— يبقى لازم حد من أهلها يروح البيت ويفهم كانت تقصد إيه، ولو في أي شبهة في الوفاة ما تتصرفوش من نفسكم وتبلغوا الجهات المختصة.

بعد أقل من ساعة، كان أخو المتوفاة وبنته واثنين من الأقارب واقفين قدام البيت القديم.

أما المغسلة العجوز ففضلت في مكان الغُسل، مصرة إن الجسد ما يتسابش لوحده.

فتحوا باب البيت.

ريحة المكان كانت مقفولة وتقيلة.

الأثاث قديم، والستاير مسدلة، وكل حاجة تقريبًا مكانها.

لكن أول حاجة لاحظوها كانت النمل.

صف رفيع ماشي جنب الحيطة.

قالت البنت وهي بتشاور:

— اهو… هو ده اللي كانت بتتكلم عنه.

أبوها انحنى يتابع مساره.

النمل داخل من تحت باب أوضة النوم.

فتحوا الباب.

السرير كان مترتب بشكل غريب بالنسبة لواحدة اتقال إنها ماتت عليه.

الملاية متشدودة.

المخدة في مكانها.

وعلى الكومود كوب مية نصه موجود.

لكن صف النمل ما راحش ناحية السرير.

عدّى من تحته…

وكمل لحد الدولاب.

فتحوا الدولاب.

هدوم متعلقة، ملايات، بطاطين قديمة.

ولا حاجة ملفتة.

قال واحد من الأقارب:

— يمكن عش نمل وخلاص.

لكن البنت كانت مركزة في الأرض.

قالت:

— استنوا.

كان النمل داخل تحت قطعة خشب صغيرة في قاع الدولاب.

شالوها.

ظهر جزء من الأرض مختلف عن باقي البلاط.

بلاطة لونها أغمق شوية.

أبوها حاول يرفعها بطرف مفك، وبعد محاولتين اتحركت.

وتحتها…

كان فيه تجويف صغير.

جواه علبة معدنية قديمة.

الكل بص لبعض.

فتح أخو المتوفاة العلبة.

ماكانش جواها دهب.

ولا فلوس.

كان فيها مجموعة ورق مطوي، وموبايل قديم، ومفتاح صغير.

وفوقهم ظرف أبيض مكتوب عليه بخط المتوفاة:

“لو أنا مت فجأة… ما تصدقوش أول سبب يتقال لكم.”

إيد أخوها بدأت تترعش.

فتح الظرف.

طلع منه ورقة واحدة.

قرأ أول سطر، وفجأة قعد على طرف .

بنته قالت:

— بابا… مكتوب إيه؟

ما ردش.

أخدت الورقة من إيده.

وكان مكتوب:

“أنا مش خايفة من الموت… أنا خايفة أموت قبل ما حد يعرف إن في شخص بيدخل بيتي وأنا نايمة.”

البنت شهقت.

كملت القراءة:

“في الأول افتكرت إني بنسى. حاجات كانت بتتحرك من مكانها، أكل بيتفتح، وهدومي ألاقيها متغيرة. بعدين بدأت ألاقي تراب جنب سريري كل صباح.”

وفي آخر الورقة:

“ركبت كاميرا صغيرة. ولما شوفت التسجيل، تمنيت إني ما شوفتهوش.”

بصوا كلهم للموبايل القديم.

قال الأب:

— شغلوه.

الموبايل كان فاصل.

دوروا على شاحن مناسب لحد ما لقوه في درج قريب.

وصلوه بالكهربا.

مرت دقايق طويلة قبل ما الشاشة تنور.

مفيش رقم سري.

دخلوا الصور والفيديوهات.

كان فيه مجلد واحد فقط اسمه:

“لو حصلي حاجة.”

فتحوه.

أول فيديو كان مدته دقيقتين وسبعتاشر ثانية.

الصورة ليلية.

الأوضة نفسها.

المتوفاة نايمة على السرير.

الساعة الظاهرة في التسجيل كانت 3:14 فجرًا.

عدت ثواني من غير حاجة.

وبعدين…

باب الأوضة اتحرك ببطء.

دخل شخص.

لابس هدوم غامقة ووشه مش ظاهر بسبب زاوية الكاميرا.

وقف جنب .

فضل باصص لها فترة طويلة.

وبعدين مد إيده ناحية رقبتها.

البنت قالت وهي بتترعش:

— وقف الفيديو.

لكن أبوها قال:

— لأ… كملي.

الشخص انحنى ناحية رأس الست.

عمل حاجة ما كانتش واضحة.

وبعدها مشي ناحية الدولاب.

فتح الباب.

ورفع البلاطة نفسها.

وفي اللحظة اللي انحنى فيها…

ظهر جانب وشه للكاميرا.

ثانية واحدة بس.

لكنها كانت كفاية.

الموبايل وقع من إيد البنت.

أبوها بص لها وقال:

— إنتِ عرفتيه؟

البنت رجعت خطوتين لورا.

وشها بقى أبيض.

— مستحيل.

— مين ده؟

حطت إيدها على بقها، ودموعها نزلت.

— ده الشخص اللي كان أول واحد دخل البيت الصبح وقال لنا إن عمتي ماتت.

سكت أبوها.

ثم قال:

— مين؟

ردت وهي مش قادرة تصدق:

— الدكتور اللي قال إن موتها طبيعي.

وفي نفس اللحظة…

رن موبايل الأب.

كان اتصال من المغسلة العجوز.

رد بسرعة:

— أيوه؟

صوتها جه متوتر لأول مرة:

— ارجعوا فورًا… وما تقولوش لحد لقيتوا إيه.

قال:

— ليه؟ حصل إيه؟

العجوز بصت ناحية الجسد وقالت:

— العلامة اللي ورا ودنها اتنضفت كويس…

وسكتت ثانيتين.

— ودي مش علامة قديمة زي ما افتكرتوا… دي مكان  صغير متخيط.

الأب قال:

— يعني إيه؟

ردت العجوز:

— يعني لازم طبيب مختص والجهات المختصة يشوفوا  قبل .

ثم خفضت صوتها:

— وفي حاجة تانية…

— إيه؟

قالت:

— النمل وقف تمامًا.

— يعني إيه وقف؟

ردت:

— من ساعة ما فتحتوا البيت…

ولا نملة واحدة ظهرت على الجسد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى