لولو حكايات اسما السيد 2
## الفصل الخامس: الفخ
فضلت واقف في ممر المستشفى، ماسك صورة ملك على الموبايل.
الجملة تحتها كانت واضحة:
**”اقفل الملف يا حسام… وإلا هتلحق لولو.”**
لكن فيه غلطة صغيرة عملها اللي بعت الرسالة.
غلطة يمكن أي حد ما ياخدش باله منها.
أنا أخدت بالي.
خلف ملك، من شباك العربية، ظهر جزء من لافتة زرقاء مكتوب عليها:
**”مخازن…”**
كبرت الصورة.
تحت الكلمة ظهر رقم باهت:
**17**
افتكرت دفتر لارا.
كنت قرأت رقم 17 أكتر من مرة، لكني ظنيته رقم يوم أو غرفة.
فتحت صورة الدفتر على موبايلي وبدأت أقلب الصفحات بسرعة.
حتى وصلت لسطر كتبته لارا:
**”كل ما ينقلونا للمكان 17 بنسمع صوت القطر قريب جدًا.”**
رفعت رأسي.
مخازن.
قطارات.
رقم 17.
وفجأة تذكرت مخازن بضائع قديمة على أطراف القاهرة، قريبة من خط السكة الحديد، جزء منها مهجور من سنين.
لكنني لم أتحرك وحدي.
لو سامح متورط فعلًا، فأنا لا أعرف عدد رجاله.
ولا أعرف من أستطيع الوثوق به.
اتصلت بشريف.
— اسمعني كويس. هبعتلك ملف. ما تفتحهش غير لما أقولك.
— فيه إيه يا فندم؟
— لو ما كلمتكش خلال ساعة… ابعته للنيابة فورًا.
سكت.
ثم قال:
— حضرتك رايح فين؟
— أجيب البنت.
— لوحدك؟!
— كل ما الناس تزيد… احتمال حد يسرب الخبر يزيد.
قال بعصبية:
— وأنا؟
سكت لحظة.
— إنت الحاجة الوحيدة اللي مأمن بيها ضهري.
وصلت إلى المخازن قبل منتصف الليل.
المكان شبه مهجور.
صوت قطار بعيد.
بوابة حديدية قديمة.
وعند المخزن رقم 17…
كانت هناك سيارة سوداء.
دخلت وسلاحي في يدي.
— ملك؟
لم يأتِ رد.
تقدمت.
وفجأة أضاءت الأنوار.
كان سامح واقفًا في آخر المخزن.
من غير زي رسمي.
قميص أبيض.
وبنطلون أسود.
وفي يده سلاح.
قال بهدوء:
— كنت عارف إنك هتيجي.
نظرت حولي.
— ملك فين؟
ابتسم.
— حتى وإنت على باب المعاش… لسه فاكر نفسك بطل.
صرخت:
— البنت فين يا سامح؟!
اختفت الابتسامة.
— سلّم الفلاش والدفتر.
— الأول أشوف ملك.
أشار برأسه.
فتح رجل باب غرفة جانبية.
ظهرت ملك.
مقيدة على كرسي.
لكنها حية.
صرخت عندما رأتني:
— عمو حسام!
— أنا هنا يا ملك!
سامح رفع السلاح.
— الفلاش.
أخرجته من جيبي.
ورميته على الأرض بيننا.
نظر إليه.
— والدفتر؟
— في مكان آمن.
ضحك.
— لسه بتفاوض؟
قلت:
— عندي سؤال واحد.
— إيه؟
— لولو فين؟
لأول مرة تغير وجهه.
ثانية واحدة فقط.
لكنني رأيتها.
قلت:
— عايشة؟
لم يجب.
اقتربت خطوة.
— لارا عايشة يا سامح؟
صاح:
— مكانك!
توقفت.
ثم سمعت صوتًا ضعيفًا من خلف جدار معدني في نهاية المخزن.
صوت بنت.
— ملك؟
ملك بدأت تبكي.
— لولو!
نظرت إلى سامح.
وكانت الصدمة على وجهي كافية لتجعله يبتسم.
— أيوه يا حسام.
قالها ببرود.
— البنت اللي قضيت سنين تدور عليها…
وأشار ناحية الباب المعدني.
— كانت على بعد كام كيلومتر منك طول الوقت.
شعرت أن الدم يغلي في رأسي.
— ليه؟
— أبوها عرف حاجات ماكانش المفروض يعرفها.
— فقتلوه؟
لم يجب.
لكن صمته كان إجابة.
قلت:
— وأمها؟
اقترب مني.
— الست كانت عنيدة.
— عملت فيها إيه؟
— نفس اللي بيحصل لأي حد مش بيعرف يسكت.
ضغطت على أسناني.
كنت أريد أن أطلق النار.
لكني لم أفعل.
لأن سامح لم يكن يعرف أن هاتفي داخل جيبي كان يسجل كل كلمة.
قلت:
— يعني عادل ما ماتش في حادث؟
ابتسم.
— إنت عارف الإجابة.
— وليلى؟
— انتهت قصتها من زمان.
— ولارا فضلت حابسها كل السنين دي؟
صرخ:
— كنت مستني أعرف أبوها خبّى النسخة فين!
وهنا…
انطلق صوت من خارج المخزن:
— **كفاية كده يا سيادة اللواء.**
وجه سامح شحب.
أبواب المخزن فتحت دفعة واحدة.
قوة أمنية دخلت من جهتين.
وشريف بينهم.
سامح استدار ورفع سلاحه.
صرخت:
— سامح! ارمي السلاح!
لكن الطلقة خرجت.
وفي اللحظة نفسها…
سمعت صرخة ملك.
ثم شعرت بضربة قوية في كتفي.
وقعت على الأرض.
الدنيا لفت حولي.
سمعت إطلاق نار.
صراخ.
أوامر.
ثم خطوات تركض نحوي.
— يا فندم!
كان شريف.
مسكت ذراعه.
— سيبني… البنات.
رجاله حرروا ملك.
ثم كسروا الباب المعدني.
خرجت فتاة نحيلة جدًا.
شعرها طويل ومتشابك.
وجهها شاحب.
وعيناها خائفتان.
كانت أكبر من الطفلة الموجودة في الصورة القديمة.
لكنني عرفتها فورًا.
لارا.
لولو.
ملك جرت إليها.
حضنتها وهي تبكي:
— قولتلك هييجي!
لارا ضمتها بقوة.
ثم رفعت عينيها نحوي.
اقتربت مني ببطء.
كنت على الأرض، والدم يغطي كتفي.
وقفت أمامي.
وقالت:
— إنت حسام؟
تجمدت.
— تعرفيني؟
مدت يدها المرتجفة إلى جيب ملابسها.
وأخرجت ورقة قديمة مطوية عشرات المرات.
فتحتها أمامي.
كانت نسخة من بطاقة قديمة عليها صورتي.
**النقيب حسام الدمنهوري.**
قالت:
— بابا قال لي زمان…
وبدأت تبكي.
— لو حصل لنا حاجة… دوروا على الظابط ده.
لم أستطع الكلام.
قالت:
— استنيتك كتير.
كانت أربع كلمات فقط.
لكنها كسرتني أكثر من أي شيء رأيته خلال ثلاثين سنة.
خفضت رأسي.
وقلت:
— حقك عليا يا بنتي.
جلست لارا أمامي.
وهزت رأسها.
— إنت جيت.
لكنني كنت أعرف…
أن القصة لم تنتهِ.
لأن سامح، أثناء القبض عليه، قال جملة لم يفهم معناها أحد غيري:
— فاكر إنك لما لقيت البنتين خلصت الحكاية؟
ابتسم والدم على فمه.
— **اسأل لارا مين كان بيزور المخزن كل خميس.**
نظرت إلى لارا.
وفي اللحظة التي سمعت فيها الجملة…
اختفى اللون من وجهها.
وهمست:
— لا…
اقتربت منها.
— مين يا لارا؟
بدأ جسدها يرتجف.
ثم نظرت إليّ وقالت:
— الشخص اللي كان بييجي كل خميس…
توقفت.
وبكت.
— **كان ضابط برضه… وأنا شوفته النهارده في المستشفى.**
رفعت رأسي بصدمة.
معنى كلامها كان واضحًا.
سامح لم يكن وحده.
والشخص الآخر…
كان قريبًا من ملك منذ البداية.
**يتبع…**
—
## الفصل السادس: الضابط الذي كان في المستشفى
وقفت أمام لارا، وأنا أشعر أن جرح كتفي أصبح شيئًا بسيطًا أمام الجملة التي قالتها:
**”كان ضابط برضه… وأنا شوفته النهارده في المستشفى.”**
شريف نظر إليّ.
— تقصدي مين؟
لارا ضمت ملك إليها أكثر.
عيناها تحركتا بين الوجوه حولها، وكأنها تخشى أن يكون الشخص واقفًا بيننا.
قلت بهدوء:
— بصيلي يا لارا.
نظرت إليّ.
— مفيش حد هيقربلك دلوقتي. مين اللي شوفتيه؟
هزت رأسها بسرعة.
— مش هقول هنا.
فهمت خوفها.
نظرت إلى شريف.
— البنات يطلعوا من المكان فورًا. بعربية غير معروفة، وحراسة من ناس إنت تختارهم بنفسك.
— حاضر.
لارا أمسكت يدي قبل أن تتحرك.
— عمو حسام…
— نعم؟
— هو عارف إني شوفته.
سألتها:
— إزاي؟
قالت:
— وقف عند باب الغرفة… وبصلي.
ابتلعت ريقي.
— كلمك؟
— لأ.
— بس ابتسم.
بعد ساعة، كنا في مكان آمن تابع للنيابة.
الطبيب انتهى من تضميد كتفي، ورفضت أن أذهب إلى المستشفى.
كنت أريد اسمًا واحدًا.
لكن لارا كانت مرعوبة.
وضعت أمامها صور موظفين وضباط ومسؤولين كانوا موجودين في المستشفى خلال الساعات الأخيرة.
صورتين.
أربعة.
عشرة.
وكل مرة تهز رأسها.
حتى وصلت للصورة رقم 14.
تجمدت يدها.
سقطت الصورة منها.
ملك بدأت تبكي.
لارا عادت إلى الخلف في الكرسي.
— هو.
أخذت الصورة.
وقلبي وقع.
لم يكن ضابطًا عاديًا.
كان **العميد فؤاد الكومي**.
رئيس مباحث المنطقة وقت اختفاء لارا.
والأصعب…
أنه كان الشخص الذي وقّع على أول تقرير رسمي في القضية وقتها.
قلت:
— متأكدة؟
لارا همست:
— كان بييجي كل خميس.
— يعمل إيه؟
سكتت.
ملك وضعت يدها على يدها.
لارا قالت:
— كان بيجيب ناس.
— ناس مين؟
— معرفش.
— رجالة؟
— أحيانًا.
ثم رفعت عينيها.
— وأحيانًا أطفال.
ساد الصمت في المكان.
شريف قال:
— أطفال؟
لارا بدأت ترتجف.
— كانوا بيدخلوا… وبعضهم ماكانش بيخرج.
لم أكن أريد سماع المزيد.
لكن كان لازمًا.
— وفؤاد كان بيعمل إيه؟
قالت:
— كان بيقول لسامح: “الأوراق خلصت.”
كلمة “الأوراق” علقت في ذهني.
قلت:
— أي أوراق؟
لارا قامت فجأة.
ذهبت إلى حقيبة الأدلة التي كانت بجوارنا، وطلبت الدفتر.
أعطيتها نسخة.
فتحت صفحة من المنتصف.
وأشارت إلى سطر صغير مكتوب بقلم رصاص:
**”كل طفل له اسم جديد.”**
شعرت بقبضة في صدري.
شريف قال:
— تقصد تزوير هويات؟
قلت:
— مش مجرد احتجاز.
بدأت الصورة تتجمع.
أطفال مفقودون.
قضايا تُغلق.
أسماء تتغير.
أوراق تُجهز.
وفؤاد مسؤول تحريات.
سامح صاحب نفوذ.
قلت:
— كانوا بيغيروا هويات الأطفال ويجهزوهم للسفر.
لارا هزت رأسها.
— سمعتهم مرة بيقولوا “سفر”.
شريف شتم تحت نفسه.
قلت:
— محدش يتحرك على فؤاد دلوقتي.
نظر إليّ بصدمة.
— ليه؟
— لأننا لو قبضنا عليه دلوقتي، كل اللي وراه ممكن يختفي.
— نسيبه؟
— نراقبه.
خرجت من الغرفة واتصلت بوكيل النيابة مباشرة.
شرحت كل شيء.
وبعد أقل من ساعتين، صدر إذن مراقبة وتتبع.
بدأنا بفؤاد.
وفي أول يوم…
لم يفعل شيئًا.
اليوم الثاني…
ذهب إلى عمله.
رجع بيته.
وفي اليوم الثالث…
خرج الساعة 1:20 بعد منتصف الليل.
لوحده.
قاد سيارته خارج القاهرة.
فريق المراقبة تبعه.
بعد حوالي أربعين دقيقة توقف أمام فيلا مهجورة تحت التشطيب.
دخل.
وبعد عشر دقائق…
دخلت سيارة أخرى.
ثم سيارة ثالثة.
اتصل بي شريف.
— يا فندم، في حركة غريبة.
— كام شخص؟
— لحد دلوقتي خمسة.
— استنوا.
— وإمتى ندخل؟
قلت:
— لما نعرف مين السادس.
سكت.
— سادس؟
— سامح قال لارا تسأل مين كان بيزور المخزن. لو فؤاد مجرد حلقة… يبقى في حد فوقه.
مرت عشرون دقيقة.
ثم همس شريف في الهاتف:
— في عربية وصلت.
— مين نزل؟
سكت لحظات.
ثم تغير صوته.
— مش هتصدق.
— قول.
— المستشار **مروان شوقي**.
تجمدت.
الاسم كان معروفًا.
رجل له منصب كبير وعلاقات واسعة، وكان دائم الظهور في المؤتمرات والفعاليات الرسمية.
لكن المفاجأة لم تكن في منصبه.
المفاجأة أن مروان شوقي…
كان رئيس النيابة الذي اعتمد قرار حفظ قضية اختفاء لارا وأمها منذ سبع سنوات.
ساعتها عرفت أننا مش أمام ضابطين فاسدين.
إحنا أمام شبكة كاملة.
قلت:
— محدش يدخل.
— بس يا فندم…
— قلت محدش يدخل.
كنت محتاج دليل يقفل كل الأبواب.
بعد دقائق، خرج فؤاد من الفيلا ومعه حقيبة.
ركب سيارته.
قلت:
— اتبعوه.
الحقيبة ذهبت إلى مخزن صغير في منطقة صناعية.
هناك، فؤاد سلمها لرجل.
ولما الرجل خرج، تم القبض عليه بعيدًا عن المكان.
فتحنا الحقيبة.
جوازات سفر.
شهادات ميلاد.
صور أطفال.
كل طفل باسم مختلف.
وفي جيب جانبي…
وجدت صورة.
لارا وهي صغيرة.
لكن الاسم تحتها لم يكن لارا.
كان:
**”ليان محمود حمدي.”**
وتحت الصورة:
**حالة السفر: لم تكتمل.**
فهمت.
لارا لم تكن محتجزة فقط.
كانوا يخططون لتغيير هويتها وإخراجها من البلد.
لكن هناك شيء عطّل الخطة.
رجعت إلى لارا.
وضعت الصورة أمامها.
أول ما رأتها، شهقت.
— الاسم ده…
— تعرفيه؟
هزت رأسها.
— سامح كان بيناديني بيه فترة.
— وبعدين؟
قالت:
— بطّل.
— ليه؟
سكتت.
ثم قالت:
— لأن الست ماتت.
تجمدت.
— أي ست؟
لارا بدأت تبكي.
— ماما.
ساد الصمت في الغرفة.
كنت أعرف أن ليلى، أم لارا، غالبًا ماتت.
لكنها كانت المرة الأولى التي نسمع فيها من شاهد.
اقتربت منها.
— شوفتي اللي حصل؟
هزت رأسها بالنفي.
— سمعت.
— سمعتي إيه؟
قالت بصوت مكسور:
— كانت بتصرخ وتقول: “بنتي ملهاش ذنب.”
أغلقت عيني لحظة.
لارا أكملت:
— وبعدين سمعت صوت فؤاد.
فتحت عيني.
— قال إيه؟
لارا نظرت إليّ.
— قال لسامح: “خلص عليها… وهي كمان.”
قلبت الجملة في ذهني.
**”وهي كمان.”**
لم يكن المقصود شخصًا واحدًا.
كان هناك شخص آخر.
قلت:
— مين كمان؟
لارا هزت رأسها.
— معرفش.
وفي اللحظة دي، ملك قالت:
— أنا أعرف.
كلنا نظرنا إليها.
قلت:
— تعرفي إيه يا ملك؟
قالت:
— الست التانية.
لارا نظرت إليها بصدمة.
— أنهي ست؟
ملك همست:
— اللي كانت معانا قبل ما يودونا البيت المهجور.
اقتربت منها.
— اسمها إيه؟
قالت:
— كانت بتقول إن اسمها **نهى**.
شريف فتح الكمبيوتر فورًا.
بحث في قاعدة بيانات المفقودين.
وبعد أقل من دقيقة…
ظهر بلاغ قديم.
**نهى فؤاد الكومي.**
ابنة العميد فؤاد الكومي.
مختفية منذ ست سنوات.
نظرت إلى الصورة.
ثم إلى اسم أبيها.
وأدركت المفاجأة.
فؤاد لم يكن مجرد شريك في الشبكة.
ابنته نفسها كانت ضحية لها.
لكن لماذا؟
وقبل أن أستوعب، رن هاتفي.
رقم مجهول.
رددت.
صوت رجل قال:
— رائد حسام؟
— مين؟
— لو عايز تعرف نهى عايشة ولا ماتت…
سكت لحظة.
ثم قال:
— ابعد عن فؤاد.
— إنت مين؟
ضحك.
— اسأل نفسك سؤال أهم.
— إيه؟
قال:
— **مين اللي بلغك أصلًا عن البيت المهجور اللي لقيت فيه ملك؟**
وأغلق الهاتف.
تجمدت.
لأن البلاغ الذي أوصلني إلى البيت…
كان بلاغًا مجهولًا.
من رقم لم نتمكن من الوصول إلى صاحبه.
يعني شخص من داخل الشبكة…
هو الذي أرادني أن أجد ملك.
والسؤال الآن:
**هل كان يحاول إنقاذها… أم يستخدمها الباقين؟**
**يتبع…**




