خادمتي حكايات اسما السيد

كانت سلمى قاعدة على ركبتها بتنضف أرضية الرخام في قصر عيلة الشاذلي، وفجأة شافت حاجة ماكانش المفروض تشوفها.
نورهان، مرات ابن العيلة، كانت بتاخد أوراق مهمة من مكتب العيلة وبتحطها في شنطتها.
سلمى حاولت توقفها.
لكن نورهان رمت إزازة على الأرض، وصرخت:
— دي حاولت تسرق شنطتي!
في اللحظة دي، دخل آدم الشاذلي.
شاف سلمى قاعدة وسط الإزاز.
وشاف نورهان وهي بتعيط.
وصدق كلامها.
قال ببرود:
— فتشوا أوضة سلمى.
سلمى بصت له وهي خايفة وقالت:
— لو سمحت، ما تخليهاش تمشي بالشنطة دي… لو خرجت بيها، كل حاجة هتضيع!
نورهان ضحكت بسخرية وقالت:
— إنت هتصدق خدامة؟ ولا هتصدقني أنا؟
وفجأة، تليفون المكتبة رن.
كان والد آدم.
قال:
— في أوراق مهمة اختفت من مكتبي.
وش نورهان اصفر في لحظة.
آدم بص لها ومد إيده وقال:
— هاتي الشنطة.
وبعد ثواني…
الحقيقة ظهرت، واللي حصل صدم الكل.
👇 القصة كاملة في أول تعليق. 👇لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الجزء الأول
آدم بص لنورهان، ومد إيده قدامها وقال بصوت هادي، بس مافهوش نقاش:
— هاتي الشنطة يا نورهان.
نورهان حضنت الشنطة لصدرها، وضحكت ضحكة متوترة:
— إيه يا آدم؟ إنت بجد هتفتش شنطتي عشان كلام خدامة؟
سلمى كانت لسه على ركبتها وسط الإزاز المكسور.
إيديها كانت بترتعش، وفي خط دم صغير نازل من كفها، لكن عينيها ما اتحركتش من الشنطة.
قالت بسرعة:
— الورق جواها يا أستاذ آدم… أنا شوفتها بعيني وهي بتاخده من درج المكتب.
نورهان لفت ناحيتها وصرخت:
— اخرسي!
آدم رفع عينه لنورهان.
— هي قالت حاجة تخوفك للدرجة دي؟
نورهان اتلخبطت.
— تخوفني؟ أنا؟! دي واحدة حرامية، وكانت بتحاول تفتح شنطتي، ولما مسكتها رمت الإزازة!
سلمى هزت راسها بعنف.
— والله ما حصل! هي اللي رمتها لما شافتني واقفة عند الباب.
في اللحظة دي، صوت والد آدم جه من سماعة التليفون اللي لسه مفتوحة:
— آدم… إنت سامعني؟
آدم قرب من المكتب.
— سامعك يا بابا.
— الملف اللي اختفى لونه أسود، وجواه عقود أصلية وتوكيلات. الورق ده لو خرج من البيت قبل ما نوقفه، ممكن تحصل كارثة.
نورهان بلعت ريقها.
آدم لمح الحركة دي.
وبهدوء رجع مد إيده.
— الشنطة.
نورهان رجعت خطوة لورا.
— مش هديهالك.
سكت المكان.
حتى سلمى نفسها بصتلها باستغراب.
آدم ضيق عينه.
— بتقولي إيه؟
— بقول دي شنطتي الشخصية، ومش من حقك تفتشها!
آدم رد:
— وأنا ما قلتش هفتشها من وراكي. افتحيها إنتِ.
نورهان بدأت تتنفس بسرعة.
— آدم، إنت بتهينني قدام الخدم!
وفجأة حاولت تتحرك ناحية باب المكتبة.
سلمى صرخت:
— ما تخلوهاش تخرج!
آدم اتحرك بسرعة ووقف قدام الباب.
— محدش خارج.
نورهان بصتله، ولأول مرة ملامح الخوف ظهرت على وشها بوضوح.
وفي اللحظة دي دخل اتنين من أمن القصر بعد ما سمعوا الصوت.
آدم أشار للباب:
— اقفلوه.
نورهان قالت بعصبية:
— إنت اتجننت؟!
— افتحي الشنطة ونخلص.
ثواني طويلة عدت.
وبعدين نورهان رمت الشنطة فوق المكتب.
— اتفضل! فتش! ولما ماتلاقيش حاجة، أنا مش هقعد في البيت ده دقيقة واحدة!
آدم فتح السوستة.
طلع محفظتها.
علبة مكياج.
مفاتيح عربيتها.
مناديل.
وتليفون تاني صغير.
وقف لحظة.
رفع التليفون وقال:
— ده بتاع مين؟
نورهان خطفته من إيده.
— بتاعي.
— معاكي تليفونين من إمتى؟
— وإنت مالك؟
لكن مافيش ورق.
آدم قلب الشنطة كلها.
فاضية.
نورهان ابتسمت بانتصار.
وبصت لسلمى.
— شوفت؟ قلتلك حرامية وكدابة.
سلمى نفسها وشها اتغير.
همست:
— مستحيل… أنا شوفت الورق وهي بتحطه فيها.
نورهان قربت منها وقالت:
— شكلك كنتي بتحلمي وإنتِ بتمسحي الأرض.
وبعدين بصت لآدم:
— دلوقتي بقى فتشوا أوضتها زي ما قلت.
آدم سكت.
وبالفعل، بعد عشر دقايق…
رجع واحد من الأمن وهو ماسك ظرف بني كبير.
قال:
— لقيناه تحت مرتبة سرير سلمى.
سلمى أول ما شافته شهقت.
— لأ!
الأمن فتح الظرف.
كان جواه مبلغ كبير من الفلوس.
ومفتاح صغير.
وصورة من أحد العقود المفقودة.
سلمى حطت إيدها على بوقها.
— والله العظيم أول مرة أشوف الحاجات دي!
نورهان ضحكت.
— لسه هنسمع تمثيل كتير؟
آدم بص لسلمى بنظرة خلت قلبها يقع.
— الورقة دي وصلت أوضتك إزاي؟
— معرفش.
— والفلوس؟
— معرفش.
— والمفتاح؟
سلمى دموعها نزلت.
— معرفش… بس والله حد حطهم عندي.
نورهان قالت:
— مين يعني؟ أنا؟
سلمى بصتلها.
وسكتت.
آدم قال بحدة:
— ردي.
سلمى مسحت دموعها بطرف كمها وقالت:
— أيوه.
نورهان فتحت بوقها من الصدمة المصطنعة.
— يا بجاحتك!
لكن سلمى المرة دي وقفت.
رغم إن إيدها كانت بتنقط دم.
وقالت:
— أنا شوفتك وإنتِ بتاخدي الملف. ومهما عملتي، مش هقول إني ما شوفتش.
آدم كان لسه هيتكلم…
لما سلمى بصت فجأة للمفتاح الصغير اللي في إيد رجل الأمن.
وقربت خطوة.
— استنى.
آدم قال:
— إيه؟
سلمى أشارت للمفتاح.
— المفتاح ده مش بتاعي.
نورهان سخرت:
— اكتشاف عظيم.
سلمى كملت:
— بس أنا عارفة بتاع إيه.
نورهان اتجمدت.
سلمى بصت مباشرة في عينيها وقالت:
— ده مفتاح الدولاب الصغير اللي في أوضة الضيوف القديمة.
آدم استغرب.
— وإنتِ عرفتي منين؟
— عشان أنا اللي بنضف الأوضة.
وسكتت ثانية، وبعدين قالت:
— والغريب إن الدولاب ده مقفول بقاله سنين…
وبقالها أسبوع هي كل يوم تقريبًا بتدخل الأوضة دي.
نورهان صرخت:
— كدابة!
آدم لف للأمن فورًا.
— افتحوا الأوضة.
نورهان مسكت دراعه.
— آدم، لأ!
هو بص لإيدها على دراعه.
وبعدين رفع عينه لوشها.
— ليه لأ؟
ماعرفتش ترد.
طلعوا كلهم للدور التاني.
نورهان ماشية وراهم ووشها بيصفر أكتر مع كل خطوة.
وصلوا للأوضة القديمة.
آدم أخد المفتاح.
دخله في قفل الدولاب.
لفّه.
تك.
القفل اتفتح.
فتح الباب…
وفي اللحظة دي، الكل اتصدم.
جوه الدولاب ماكانش فيه الملف وبس.
كان فيه نسخ من عقود بيع.
أختام للشركة.
صور بطاقات.
دفتر صغير مليان أرقام وتحويلات.
وثلاث موبايلات.
لكن الحاجة اللي خلت آدم يمد إيده ببطء…
كانت صورة.
صورة لراجل واقف جنب نورهان قدام مكتب الشهر العقاري.
على ضهر الصورة تاريخ من شهرين.
وتحتها مكتوب بخط إيد:
“بعد توقيع آدم… المرحلة الأخيرة.”
آدم رفع عينه لنورهان.
— توقيعي على إيه؟
نورهان رجعت خطوة.
— أنا… أقدر أشرح.
— اشرحي.
سكتت.
آدم صرخ لأول مرة:
— اشرحي!
نورهان انتفضت.
وفي نفس اللحظة…
واحد من الموبايلات اللي جوه الدولاب رن.
ظهر على الشاشة اسم محفوظ بحرف واحد بس:
“م”
آدم مسك التليفون.
نورهان جريت عليه فجأة.
— ماتردش!
لكنه رد.
وحط المكالمة على السماعة.
صوت راجل قال من الناحية التانية:
— نورهان؟ خلصتي؟
محدش رد.
الراجل كمل:
— لازم الملف الأصلي يكون عندي قبل الساعة خمسة. أول ما الشاذلي الكبير يمضي بكرة، هننقل الأرض والشركة باسمنا… وبعدها آدم نفسه مش هيقدر يعمل حاجة.
وش آدم اتسحب منه الدم.
والده كان لسه سامع المكالمة من التليفون التاني.
صوته جه:
— مين الراجل ده يا نورهان؟
نورهان بدأت تعيط.
لكن آدم ما بصش لها.
كان مركز في كلمة واحدة:
“باسمنا.”
قال للراجل:
— باسم مين؟
الخط سكت.
وبعدين اتقفل.
آدم نزل التليفون ببطء.
وبص لنورهان.
— مين “م”؟
نورهان ما ردتش.
سلمى كانت واقفة بعيد، وفجأة افتكرت حاجة.
قالت:
— أستاذ آدم…
لف ناحيتها.
— في حاجة تانية.
نورهان صرخت:
— ماتسمعش منها!
سلمى كملت:
— من تلات أيام وأنا بنضف العربية بتاعة مدام نورهان… لقيت كارت وقع تحت الكرسي.
— كارت إيه؟
— كارت دخول لمكتب محاماة.
آدم قال:
— اسمه؟
سلمى حاولت تفتكر.
وفجأة قالت الاسم.
آدم اتجمد.
والده على التليفون قال بصوت مخنوق:
— مستحيل.
سلمى سألت:
— حضرتك تعرفه؟
والد آدم رد:
— ده مكتب المحامي اللي أخويا بيتعامل معاه.
سكتة ثقيلة نزلت على المكان.
آدم رفع عينه.
— عمي؟
نورهان قعدت على طرف السرير كأن رجليها ما بقتش شايلينها.
وفي اللحظة دي…
آدم فهم إن الموضوع مش سرقة كام ورقة.
حد من جوه عيلة الشاذلي كان بيحاول يسرق العيلة كلها.
لكن الصدمة الأكبر ما ظهرتش غير لما آدم فتح الدفتر الصغير.
في آخر صفحة كان فيه جدول مكتوب فيه أسماء أفراد العيلة.
جنب كل اسم مبلغ.
لحد ما وصل لاسمه.
“آدم الشاذلي — المرحلة الأخيرة.”
وتحت اسمه مباشرة جملة واحدة:
“الحادث قبل نهاية الشهر.”
آدم فضل باصص للجملة.
وسلمى حطت إيدها على بوقها.
أما نورهان…
فبدأت تعيط وهي بتقول:
— والله ما كنت أعرف إنهم ناويين يعملوا فيك كده.
آدم رفع عينه لها ببطء.
— “هم” مين يا نورهان؟
وهنا…
نورهان قالت اسم الشخص اللي محدش في القصر كله كان يتوقعه.
الجزء الثاني
نورهان كانت قاعدة على طرف السرير، جسمها كله بيترعش.
آدم وقف قدامها والدفتر مفتوح في إيده.
وأشار للجملة المكتوبة جنب اسمه:
“الحادث قبل نهاية الشهر.”
وقال:
— “هم” مين يا نورهان؟
نورهان رفعت عينيها له.
دموعها كانت نازلة، لكن المرة دي مافيش تمثيل.
قالت بصوت مكسور:
— عمك… كمال.
الصمت اللي نزل على الأوضة كان تقيل.
صوت والد آدم جه من التليفون:
— كمال؟!
نورهان هزت راسها.
— أيوه… الحاج كمال.
آدم قرب منها.
— عمي عايز يقتلني؟
— أنا ماكنتش أعرف موضوع الحادث… أقسم بالله ما كنت أعرف.
— لكن كنتِ عارفة موضوع العقود.
سكتت.
آدم كرر:
— كنتِ عارفة؟
— أيوه.
الكلمة نزلت عليه زي القلم.
آدم ضحك ضحكة قصيرة كلها وجع.
— حلو… كملي.
نورهان بدأت تحكي.
قالت إن كمال، أخو والد آدم الأصغر، كان داخل في ديون ضخمة من سنين.
مشاريع فشلت.
قروض.
ومبالغ أخدها من حسابات جانبية من غير علم العيلة.
ولما الديون بدأت تقرب منه، قرر يستخدم شركة العيلة نفسها عشان ينقذ نفسه.
كان محتاج توقيعات.
وأختام.
وعقود أصلية.
والأهم…
كان محتاج آدم يبعد.
لأن آدم هو الوحيد اللي كان بيراجع الحسابات والعقود بنفسه.
آدم سأل:
— وإنتِ دورك إيه؟
نورهان نزلت عينيها.
— كان بيديني فلوس.
— مقابل إنك تسرقي من بيتنا؟
— في الأول قال مجرد صور أوراق.
— وبعدها؟
— أختام.
— وبعدها؟
سكتت.
آدم قرب أكتر.
— وبعدها إيه يا نورهان؟
قالت:
— توقيعك.
آدم اتجمد.
نورهان كملت:
— فاكر الورق اللي مضيت عليه من أسبوعين لما قلتلك إنه متعلق بتجديد التأمين بتاع العربية؟
آدم افتكر.
كان راجع من الشغل تعبان.
نورهان حطت قدامه مجموعة أوراق.
قالتله وقتها:
“امضي هنا وهنا عشان المندوب مستني.”
وهو مضى من غير ما يقرأ كل صفحة.
حط آدم إيده على راسه.
— أنا مضيت لهم بإيدي.
والده صرخ من التليفون:
— آدم، محدش يتحرك من القصر! أنا جاي حالًا.
آدم قال:
— بابا، ماتجيش لوحدك.
— ليه؟
آدم بص للجملة المكتوبة في الدفتر.
— عشان إحنا لسه مانعرفش مين معاهم.
وقفل.
وبعدين بص لنورهان.
— فين الملف الأصلي؟
— أنا حطيته في الشنطة فعلًا.
سلمى قالت بسرعة:
— أنا شوفتك.
نورهان بصتلها.
— عارفة.
— أمال اختفى إزاي؟
نورهان سكتت ثواني.
وقالت:
— لما إنتِ خرجتي تجيبي الأمن… أنا خبيته.
آدم سأل:
— فين؟
نورهان أشارت ناحية الدولاب.
— تحت الدرج الأخير.
الأمن شال الدرج.
وفعلًا…
كان الملف الأسود موجود.
آدم أخده.
فتح الأوراق بسرعة.
العقود الأصلية كلها موجودة.
تنفس براحة بسيطة.
لكن سلمى ما ارتاحتش.
كانت بتبص للدفتر.
وقالت:
— في حاجة غلط.
آدم لف لها.
— إيه؟
— لو الحاج كمال هو اللي مخطط لكل ده… ليه يكتب خطة قتل حضرتك في دفتر ممكن نورهان تشوفه؟
نورهان رفعت رأسها فجأة.
آدم بص للدفتر.
السؤال كان منطقي.
سألها:
— الدفتر ده بتاع مين؟
— مش بتاعي.
— أمال جه هنا إزاي؟
— كمال جابه بنفسه من أسبوع وقال لي أخبيه.
سلمى قالت:
— يعني كان عارف إنك ممكن تفتحيه.
نورهان همست:
— أيوه.
سلمى بصت لآدم.
— يمكن حد كان عايزك تلاقي الدفتر.
آدم سأل:
— ليه؟
— عشان تتهم عمك.
قبل ما يكملوا…
صوت خبط شديد جه من تحت.
وبعدها صوت واحد من الحراس:
— أستاذ آدم!
نزلوا بسرعة.
لقوا الحارس واقف عند باب القصر.
وقدامه…
كمال الشاذلي.
عم آدم.
راجل في أواخر الخمسينات.
دخل وهو مستغرب.
— إيه اللي بيحصل هنا؟
آدم قرب منه.
— كنت فين؟
— في الشركة.
— لوحدك؟
— لأ، عندي اجتماع من الساعة واحدة، وفيه عشرين واحد يثبتوا ده.
آدم رمى الصورة قدامه.
كمال أخدها.
وشه اتغير.
— الصورة دي منين؟
— تعرف الراجل اللي واقف جنب نورهان؟
كمال رفع عينه.
— طبعًا أعرفه.
آدم شد فكه.
— محاميك.
كمال رد:
— كان محاميّ.
— يعني إيه؟
— طردته من ست شهور لما اكتشفت إنه بيسرب معلومات عن الشركة.
نورهان وقفت.
— إنت كداب!
كمال بص لها بصدمة.
— نورهان؟
آدم قال:
— هي بتقول إنك إنت اللي شغلتها عشان تسرق العقود.
كمال ضحك من شدة الصدمة.
— أنا؟!
نورهان صرخت:
— أيوه إنت!
كمال قرب منها.
— أنا آخر مرة كلمتك فيها لوحدنا كانت إمتى أصلًا؟
نورهان فتحت بوقها…
وسكتت.
كمال قال:
— قولي.
نورهان بدأت تتوتر.
— كنت… بتكلمني من رقم تاني.
— شوفتي وشي؟
— لأ.
— قابلتيني؟
— لأ.
— أمال عرفتي إنه أنا إزاي؟
نورهان قالت:
— كان بيبعتلي تسجيلات صوتية بصوتك!
كمال بص لآدم.
— هات الموبايل.
آدم شغل واحد من التسجيلات.
الصوت فعلًا صوت كمال.
لكن كمال هز راسه.
— أنا ما قلتش الكلام ده.
آدم قال:
— الصوت صوتك.
كمال رد:
— ممكن يبقى معمول بتقليد صوتي.
آدم سكت.
نورهان نفسها بدأت تستوعب.
— يعني…
كمال قال:
— يعني حد استخدم اسمي وصوتي عشان يخليكي تنفذي له كل حاجة.
آدم سأل:
— مين؟
كمال رد:
— الشخص اللي عنده تسجيلات كفاية لصوتي، وعارف تفاصيل الشركة، وعارف خلافاتي القديمة مع أخويا، وعارف إن اتهامي هيبقى منطقي.
وفجأة…
سلمى قالت:
— الراجل اللي في الصورة.
كلهم بصوا لها.
أشارت للصورة.
— نورهان قالت إن دي صورة قدام مكتب الشهر العقاري.
كمال قال:
— أيوه.
سلمى قربت.
— بس الصورة مش من شهرين.
آدم استغرب.
— إزاي؟
سلمى أشارت لجزء صغير في الصورة.
— الإعلان اللي وراهم.
كان فيه لافتة لمشروع عقاري.
سلمى قالت:
— المشروع ده فتح من أسبوعين بس. أنا شوفت الإعلان بتاعه في الشارع.
كمال بص للصورة كويس.
آدم فهم.
— يعني التاريخ المكتوب على الصورة مزور.
نورهان بدأت تتنفس بسرعة.
— يبقى مين كان بيكلمني؟
وفجأة…
موبايلها التاني رن.
نفس الحرف.
“م”
آدم قال:
— ردي.
نورهان بصتله بخوف.
— هيعرف.
— ردي طبيعي.
فتحت المكالمة.
— ألو؟
الصوت قال:
— خرجتي بالملف؟
نورهان بصت لآدم.
قالت:
— أيوه.
— ممتاز. تعالي المكان اللي اتفقنا عليه.
— دلوقتي؟
— حالًا.
نورهان سألته:
— وكمال؟
الراجل ضحك.
— سيبي كمال يشيل الليلة… بكرة هيبقى متهم بسرقة أخوه ومحاولة قتل ابن أخوه.
آدم بص لعمه.
كمال وشه احمر من الغضب.
نورهان سألت:
— والفلوس؟
— لما أشوف الملف.
وقفل.
آدم قال للأمن:
— محدش يعرف إننا اكتشفنا حاجة.
وبص لنورهان.
— هتروحي له.
نورهان خافت.
— لو عرف إني…
— مش هيعرف.
وبعد أقل من ساعة…
كانت نورهان خارجة من القصر بالعربية.
وفي شنطتها ملف أسود مطابق للأصلي، لكن جواه ورق عادي.
آدم وكمال كانوا وراها بعربية تانية على مسافة.
والأمن بلغ الجهات المختصة بالمعلومات الموجودة عندهم.
أما سلمى…
فآدم رفض إنها تيجي.
قال لها:
— كفاية اللي حصل لك النهارده.
لكن قبل ما يمشي، سلمى مسكت طرف الباب.
— أستاذ آدم.
بصلها.
قالت:
— خلي بالك من نورهان.
— ليه؟
— الراجل ده لو حس إنها اتكشفت… مش هيسيبها ترجع.
آدم سكت.
وبعدين قال:
— ادخلي جوه واقفلي الباب.
العربيات اتحركت.
نورهان وصلت لمخزن قديم تابع لشركة كانت بتتعامل مع عيلة الشاذلي زمان.
دخلت.
كان المكان شبه فاضي.
وقفت في النص.
— أنا جيت!
خرج راجل من الضلمة.
أول ما شافته…
رجليها ضعفت.
لأنها كانت تعرفه.
قالت:
— إنت؟!
الراجل ابتسم.
— مستغربة ليه؟
كان ماهر.
مدير الشؤون القانونية في شركة الشاذلي.
الراجل اللي اشتغل مع والد آدم أكتر من خمستاشر سنة.
الراجل اللي كان بيدخل بيتهم من غير استئذان.
الراجل اللي آدم نفسه كان بيناديه:
“يا عمي ماهر.”
نورهان همست:
— إنت “م”؟
ضحك.
— أخيرًا فهمتي.
— وكمال؟
— كان شماعة ممتازة.
— والصوت؟
— التكنولوجيا بتعمل حاجات جميلة.
نورهان قالت:
— إنت قلتلي إننا بس هننقل شوية أصول ونبيعها.
ماهر قرب.
— وإنتِ صدقتي عشان الفلوس عجبتك.
مد إيده.
— الملف.
نورهان ادته الشنطة.
فتحها.
طلع الملف.
قلب أول صفحة.
وشه اتغير.
قلب التانية.
والتالتة.
كلها ورق أبيض.
رفع عينه لنورهان.
— إنتِ عملتي إيه؟
نورهان رجعت لورا.
— أنا…
ماهر مسك دراعها.
— مين عرف؟!
وفجأة صوت آدم جه من خلفه:
— أنا.
ماهر لف.
آدم واقف عند المدخل.
كمال جنبه.
ماهر اتصدم.
— أستاذ آدم…
كمال قال:
— كمل تمثيل.
ماهر حاول يجري من الباب الخلفي.
لكن رجال الأمن كانوا مستنيينه.
اتمسك.
وكل الموبايلات والمستندات اللي كانت معاه اتحفظ عليها.
ومع التحقيق…
الحقيقة كلها ظهرت.
ماهر كان اختلس مبالغ ضخمة على مدار سنين.
ولما بدأت مراجعة الحسابات الجديدة تقرب منه، عرف إن آدم هيكتشفه.
فقرر يعمل خطة تخلي كمال يتحمل كل حاجة.
استغل خلاف قديم بين الأخوين.
قلد صوت كمال.
واستخدم نورهان.
وكان مخطط بعد نقل بعض الأصول إنه يدبر حادث لآدم، وبعدها تظهر الأوراق اللي تدين كمال.
أما نورهان…
فما كانتش بريئة.
هي ماعرفتش بخطة قتل آدم، لكن اعترفت إنها سرقت أوراق وأختام مقابل الفلوس.
واتحول الموضوع كله للتحقيق.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد.
مين حط الفلوس والورقة والمفتاح في أوضة سلمى؟
الإجابة ظهرت من كاميرات الممر الخلفي.
قبل الواقعة بساعتين…
ظهر شخص داخل أوضة سلمى.
واحدة من العاملات في القصر.
لما اتواجهت، اعترفت إن نورهان ادتها مبلغ عشان تحط الظرف تحت المرتبة.
يعني نورهان كانت مجهزة سلمى ككبش فدا من قبل ما سلمى تشوف السرقة أصلًا.
آدم لما عرف…
فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين طلب:
— هاتولي سلمى.
كانت قاعدة في المطبخ، وإيدها ملفوفة بشاش.
دخلت المكتب بخوف.
كان آدم واقف لوحده.
قال:
— اقعدي.
— أنا كويسة يا أستاذ.
— قلت اقعدي.
قعدت على طرف الكرسي.
آدم حط قدامها الظرف اللي كان اتلاقى في أوضتها.
قال:
— عرفنا مين حطه.
سلمى رفعت عينيها.
— يعني… صدقتوني؟
آدم سكت ثانية.
وقال:
— متأخر.
سلمى ما ردتش.
آدم كمل:
— أنا ظلمتك.
هي قالت:
— حضرتك شوفت موقف يخليك تشك.
— لأ.
بص لها مباشرة.
— أنا اخترت أصدق الشخص الأغنى والأقرب ليا… من غير ما أديكي حتى فرصة حقيقية تدافعي عن نفسك.
سلمى نزلت عينيها.
قال:
— وأنا آسف.
اتفاجئت.
يمكن لأنها عمرها ما تخيلت إن واحد زي آدم الشاذلي يعتذر لها.
قالت:
— خلاص يا أستاذ آدم.
لكنه سألها:
— إنتِ ليه خاطرتي بنفسك أصلًا؟
— عشان دي سرقة.
— كان ممكن تسكتي.
سلمى ردت ببساطة:
— أبويا كان دايمًا يقولي: اللي يشوف الغلط ويسكت عشان خايف، الخوف هيكبر لحد ما يبقى أقوى منه.
آدم سأل:
— والدك بيشتغل إيه؟
ملامح سلمى اتغيرت.
— مات.
— آسف.
— من خمس سنين.
سكتت.
لكن آدم لاحظ حاجة.
— اسم والدك إيه؟
— حسن عبدالسلام.
كمال، اللي كان داخل المكتب في اللحظة دي، وقف مكانه.
— حسن عبدالسلام؟!
سلمى بصتله.
— أيوه.
كمال قرب.
— كان محاسب؟
سلمى قامت.
— حضرتك كنت تعرفه؟
كمال بص لآدم.
— حسن كان شغال عندنا من حوالي عشرين سنة.
آدم اتفاجئ.
كمال كمل:
— واختفى من الشركة فجأة بعد مشكلة حسابات كبيرة.
سلمى قالت:
— ما اختفاش.
سكتوا.
قالت:
— اتطرد.
كمال قال:
— مين طرده؟
سلمى ردت:
— الأستاذ ماهر.
وهنا…
الصورة اكتملت.
والد سلمى كان أول شخص اكتشف تلاعب ماهر في الحسابات من سنين.
لكن ماهر لفّق له اتهام بالاختلاس.
واتطرد حسن بفضيحة.
فضل سنين يحاول يثبت براءته.
ومات قبل ما يقدر يعمل ده.
آدم سألها:
— وإنتِ كنتِ عارفة إن أبوكي اشتغل هنا؟
قالت:
— عشان كده جيت أشتغل في القصر.
اتصدم.
— يعني دخولك هنا ماكانش صدفة؟
— لأ.
سلمى طلعت من جيبها ورقة قديمة مطوية.
— قبل ما أبويا يموت، سابلي الورقة دي.
فتحها آدم.
كان مكتوب فيها أرقام حسابات قديمة وتواريخ.
وفي آخرها اسم:
ماهر.
سلمى قالت:
— أنا ماكنتش عايزة أسرق ولا أنتقم. كنت عايزة أعرف أبويا كان كداب زي ما الناس قالت… ولا مظلوم.
كمال قعد على الكرسي.
— كان مظلوم.
دموع سلمى نزلت.
أول مرة من بداية الليلة تنهار فعلًا.
مش عشان الاتهام اللي اتوجه لها.
لكن عشان الجملة اللي استنتها خمس سنين.
أبوها كان مظلوم.
بعد التحقيق، الأوراق القديمة أثبتت إن ماهر هو اللي لفّق القضية لحسن.
واسم والد سلمى اتبرأ رسميًا من الاتهام داخل سجلات الشركة.
والد آدم أصر يدفع كل المستحقات اللي اتحرم منها حسن زمان لورثته.
لكن سلمى قالت:
— أنا مش عايزة صدقة.
والد آدم رد عليها:
— دي مش صدقة يا بنتي… دي فلوس أبوكي اللي اتاخدت منه ظلم.
قبلتها.
وبعد شهور…
سلمى ما بقتش عاملة نظافة في القصر.
آدم اكتشف إنها كانت في كلية تجارة واضطرت تسيب الدراسة بعد موت أبوها عشان تصرف على أمها وأخوها الصغير.
الشركة تكفلت إنها تكمل دراستها.
وبعد ما خلصت تدريبها، بدأت تشتغل في قسم المراجعة المالية.
وكان أول مكتب ليها…
في نفس الدور اللي كان أبوها بيشتغل فيه زمان.
أما نورهان…
فخرجت من حياة العيلة نهائيًا، وتحملت مسؤولية اللي عملته بالقانون.
وماهر اتحاكم في قضايا الاختلاس والتزوير والمؤامرة اللي شارك فيها.
وكمال ووالد آدم، بعد سنين من الخلاف، عرفوا إن الخلاف بينهم كان السلاح اللي ماهر حاول يستخدمه لتدميرهم.
لكن الحكاية ما انتهتش هنا.
بعد سنة تقريبًا…
كانت سلمى خارجة من الشركة آخر اليوم.
سمعت صوت آدم وراها:
— آنسة سلمى.
لفت.
— نعم يا أستاذ آدم؟
ابتسم.
— إحنا بقالنا سنة بنشتغل مع بعض… ممكن تبطلي “أستاذ آدم”؟
ضحكت.
— أقول إيه يعني؟
— آدم مثلًا.
رفعت حاجبها.
— صعبة شوية.
— نتدرب.
ضحكت أكتر.
ومشيت.
قال وراها:
— على فكرة، أنا مستني الإجابة.
وقفت.
— إجابة إيه؟
قرب منها، لكن فضل على مسافة محترمة.
— أنا كلمت والدتك امبارح.
ابتسامتها اختفت من الصدمة.
— كلمت ماما ليه؟
قال:
— عشان أطلب منها ميعاد أجيلكم فيه مع أبويا وأمي.
سلمى فضلت باصة له.
— آدم…
ابتسم.
— أهو قلتيها.
احمر وشها.
لكنه كمل بجدية:
— أنا مش هقولك إن اللي حصل زمان هو السبب. ومش هقول إنك أنقذتيني فبقيت مدين ليكي. أنا خلال السنة اللي فاتت عرفتك كويس… وعرفت إن الإنسان قيمته مش في اسمه ولا فلوسه ولا البيت اللي اتولد فيه.
وسكت لحظة.
— وأنا عايز أدخل بيتكم من بابه، ولو إنتِ موافقة، أطلب إيدك رسمي.
سلمى دموعها لمعت.
لكنها ابتسمت.
وقالت:
— المرة دي هتسمع كلامي قبل ما تحكم؟
آدم ضحك.
— دي أول حاجة هكتبها في شروط الجواز.
وبعد شهور، اتعمل فرح بسيط ومحترم وسط العيلتين.
وفي يوم الفرح…
والد آدم نادى سلمى قبل ما تنزل.
اداها علبة صغيرة.
فتحتها.
كان جواها قلم قديم.
قال:
— القلم ده كان بتاع أبوكي. لقيناه وسط حاجاته القديمة في مخزن الشركة.
سلمى مسكته وإيديها اترعشت.
قال:
— أبوكي خرج من عندنا مظلوم… لكن بنته رجعت ورفعت راسه.
سلمى حضنت القلم لصدرها وهي بتعيط.
وفي آخر الليل، وقفت جنب آدم في جنينة القصر.
بصت من الشباك ناحية المكتبة.
نفس المكتبة اللي بدأت فيها الحكاية.
قالت:
— غريبة الدنيا.
— ليه؟
— أول مرة وقفت في الأوضة دي كنت
ابتسم آدم.
— وأنا كنت أغبى واحد فيها.
ضحكت.
— كويس إنك عارف.
قال:
— والمرة التانية؟
بصتله.
— المرة التانية دخلتها وأنا عارفة إن اسم أبويا اتردله حقه.
آدم قال:
— وإنتِ كمان أخدتي حقك.
سلمى هزت راسها.
— لأ… أنا أخدت أكتر.
— إيه؟
بصت ناحية عيلتها اللي كانت بتضحك جوه.
وبعدين قالت:
— عرفت إن الحقيقة ممكن تتأخر… بس لو فضلت وراها، في يوم بتوصل.
آدم ابتسم ومد إيده لها.
ومشوا ناحية البيت.
أما أرضية الرخام اللي كانت سلمى قاعدة على ركبتها بتنضفها يوم ما كل حاجة بدأت…
فبقت كل ما تعدي عليها تفتكر حاجة واحدة:
إن اليوم اللي فيه إنها حرامية…
كان هو نفس اليوم اللي بدأت فيه تسترد اسم أبوها، ومستقبلها، وحياتها كلها.
تمت.
بقلم الكاتبة أسما السيد — حكايات أسما السيد




