روايات وقصص

بين عينيك ذنبي وتوبتي بقلم الكاتبه اسما السيد 7

# دخل بيت عمه رسميًا طالبًا يد ابنة أخته.. لكن ما حدث بينهما غيّر حياة الجميع

دخل مروان بيت عمه هذه المرة بطريقة مختلفة تمامًا.

لم يدخل بصفته رجل أعمال أو شريكًا في المركز، ولم يكن مجرد الشخص الذي وقف إلى جوار حورية خلال أزماتها السابقة، بل جاء اليوم **طالبًا يدها رسميًا** وسط عائلته.

كان واضحًا عليه التوتر، لدرجة أن حورية، التي كانت تراقب المشهد من أعلى السلم، لم تستطع منع نفسها من الابتسام.

جلس مروان أمام عمها، وبجواره والده ووالدته وأخته الكبرى، بينما كانت زوجة العم موجودة أيضًا.

قال العم لمروان:

— وإنت داخل بيتي النهارده عايز إيه يا ابني؟

عدل مروان جلسته وقال بثبات:

— طالب إيد حورية بالحلال.

ابتسم العم وقال:

— ودي كانت ناقصة كلام؟

ضحك الجميع، لكن مروان ظل جادًا وقال:

— بالنسبة لي ناقصة. أنا مش عايز يوم ييجي عليها وتحس إني دخلت حياتها من باب الحب بس. أنا عايز أدخل من الباب اللي يليق بيها.

نظر إليه العم طويلًا، ثم قال:

— أنا موافق، لكن رأي حورية هو الأول والأخير.

في تلك اللحظة طلب منها أن تنزل.

اقتربت حورية وهي تشعر بالخجل، بينما وقف مروان فور رؤيتها، في موقف لم ينسه قلبها.

قال لها:

— حورية، إحنا اتكلمنا كتير قبل كده، لكن النهارده بسألك قدام أهلك. تقبلي تكملي عمرك معايا؟

نظرت إليه حورية، وتذكرت كل المواقف التي جمعتهما؛ المرات التي وقف فيها بجانبها، واللحظات التي اعترف فيها بأخطائه، والطريقة التي احترم بها اختياراتها وطموحها.

ابتسمت وقالت:

— موافقة.

تنفس مروان براحة، فضحكت أخته وقالت:

— يا ابني اتنفس!

ضحك الجميع، بينما قال مروان:

— أنا كنت عامل فيها واثق بس.

وردت حورية:

— باين جدًا.

## اعتذار لم تتوقعه حورية

بعد الموافقة، حدث أمر لم تتوقعه حورية.

وقفت زوجة عمها واقتربت منها، ثم قالت:

— مبروك يا حورية.

شكرتها حورية، لكنها فوجئت بالمرأة تتابع:

— أنا عارفة إني ظلمتك، ويمكن لو الحاج ما وقفش جنبك كنت ضيعت مستقبلك. مش هقولك سامحيني بسهولة، بس أنا غلطت.

كان الاعتذار مفاجئًا، لكن حورية ردت بهدوء:

— أنا سامحتك من زمان.

سألتها المرأة:

— بجد؟

قالت حورية:

— آه، بس المسامحة مش معناها إني نسيت.

هزت المرأة رأسها وقالت:

— حقك.

ولأول مرة، شعرت حورية أن صفحة قديمة من حياتها بدأت تُغلق.

## افتتاح مركز حورية

بعد فترة، افتتح المركز الطبي رسميًا تحت اسم:

**مركز حورية لجراحات القلب لغير القادرين.**

اعترضت حورية في البداية، وقالت لمروان إن الناس قد تعتقد أنه اختار الاسم بسبب علاقتهما.

لكنه رد:

— يقولوا اللي يقولوه. المهم إن بعد سنين، أي شخص يدخل المكان ده ويتعالج من غير مقابل، يعرف مين هي حورية.

كان المركز بالنسبة إليها أكثر من مجرد مشروع طبي، فقد كان نتيجة سنوات من العمل والإصرار.

وفي حفل الافتتاح، وقفت حورية أمام الحضور، وكان عمها ومروان وزوجة عمها بين الصفوف الأولى.

قالت:

— المكان ده بالنسبة لي مش مبنى بس. ده نتيجة سنين ناس وقفت جنبي، وناس حاولت توقفني، والحقيقة إن الاتنين ليهم فضل.

ثم أضافت:

— اللي وقف جنبي علمني أثق في نفسي، واللي حاول يوقفني علمني ما أستناش إذن من حد علشان أنجح.

وبعدها وجهت حديثها إلى عمها:

— وفي شخص واحد لو ما كانش موجود، ما كنتش هقف هنا. عمي، الراجل اللي وفى بوعده لأبويا، وشال حلم بنت صغيرة على كتفه من غير ما يستنى منها مقابل.

تأثر العم بشدة، وتعانقا وسط تصفيق الحاضرين.

## موعد الزفاف

اقترب موعد الزفاف، واختارت حورية أن يكون الاحتفال بسيطًا بعيدًا عن المظاهر المبالغ فيها.

قبل الحفل، دخل عمها إليها وهو يرتدي بدلته الجديدة، ويحاول إخفاء تأثره.

قالت له:

— إيه ده؟ إنت بتعيط؟

رد مازحًا:

— ده تراب دخل عيني.

ضحكت، فأخرج من جيبه علبة صغيرة.

عندما فتحتها، وجدت سلسلة كانت تخص والدتها.

قال لها:

— دي كانت عند أمك، وكنت مستني اليوم اللي أحطها في رقبتك فيه.

احتضنته حورية وقالت:

— إنت أبويا يا عمي.

رد بصوت متأثر:

— وإنتِ بنتي ونور عيني.

وعندما نزلت حورية، كان مروان ينتظرها.

نظر إليها طويلًا، ثم قال:

— أنا عندي اعتراض.

توقفت بقلق:

— إيه؟

قال مبتسمًا:

— تغيري ونهرب، علشان مفيش حد قالي إنك هتبقي بالشكل ده.

ضحكت حورية، بينما قال العم:

— خد بالك منها يا مروان.

فرد مروان:

— دي أنا أخاف منها مش عليها.

## ظهور شخص من الماضي

وسط الاحتفال، فوجئت حورية بشخص لم تتوقع رؤيته.

كان عاصم.

الرجل الذي جمعته بها قصة قديمة انتهت منذ فترة.

اقترب منها بهدوء وقال:

— مبروك.

ابتسمت وقالت:

— الله يبارك فيك. حمد لله على السلامة.

ثم صافح مروان وقال:

— مبروك يا مروان.

رد مروان:

— الله يبارك فيك.

نظر عاصم إلى حورية وقال:

— إنتِ اختارتي صح يا حورية.

كانت الجملة بسيطة، لكنها جعلتها تشعر بأن الماضي أصبح خلفها بالفعل.

قالت له:

— عقبالك يا عاصم.

ابتسم وقال:

— إن شاء الله قريب.

ثم أخبرها أنه اختار طبيبة تعمل معه في المستشفى، الأمر الذي جعل مروان يعلق مازحًا، فضحك الثلاثة معًا.

وقبل أن يغادر، قال عاصم:

— سامحيني يا حورية.

ردت:

— مسامحاك.

ثم ذهب إلى عمها واحتضنه.

في تلك اللحظة، شعرت حورية أن الحكاية القديمة أغلقت أبوابها بهدوء، دون حاجة إلى خصومة أو انتصار.

## حياة جديدة

مرت السنوات، وتزوجت حورية من مروان، ثم رزقهما الله بطفلهما عبدالرحمن.

كبر المركز الطبي، وافتتحا فرعًا جديدًا، بينما بدأت حورية تقلل ساعات عملها قليلًا بعد إصرار طويل من مروان.

كان يقول لها دائمًا:

— النجاح اللي يسرق صحتك مش نجاح.

وفي أحد أيام الجمعة، استيقظت حورية على صوت في المطبخ.

وجدت مروان يحاول إعداد الإفطار.

قالت:

— إنت بتعمل إيه؟

رد:

— فطار.

نظرت إلى الطعام وقالت:

— ده كان بيض؟

قال:

— لسه بيض.

ضحكت، وفي تلك اللحظة دخل عبدالرحمن وهو ينادي:

— ماما!

حملته حورية، بينما قال مروان:

— ماما بتتنمر على طبخ بابا.

رد الطفل:

— بابا وحش.

انفجرت حورية ضاحكة، بينما وضع مروان يده على قلبه وقال:

— حتى إنت؟

## العودة إلى بيت العائلة

في أحد الأيام، ذهبوا جميعًا إلى منزل العم في الريف.

كانت حورية تنظر إلى المكان وتتذكر بدايات قصتها.

الأشجار.

الأرض.

البيت القديم.

كل شيء كان كما هو تقريبًا.

كان عمها جالسًا في مكانه المعتاد، بينما كان مروان يركض خلف عبدالرحمن الذي ذهب للعب بالقرب من الحديقة.

قال العم لحورية:

— فاكرة أول يوم دخلتي الصالة وعاصم كان بيقول إنه مش عايزك؟

ضحكت وقالت:

— لازم تفكرني يعني؟

نظر إليها العم وقال:

— أهو أتأكد إنك عارفة الفرق.

نظرت حورية إلى مروان، الذي كان يحاول الإمساك بطفله وسط التراب، ثم قالت:

— غريبة الدنيا. الحاجة اللي حد شافها يوم عيب فيا، واحد تاني حبها فيا.

ابتسم عمها وقال:

— علشان اللي بيحبك صح، ما يطلبش منك تقطعي جذورك علشان تناسبيه.

وضعت حورية رأسها على كتفه وقالت:

— وحشتني يا عمي.

## حورية تعلمت أن ترى قيمتها بنفسها

نظرت حورية إلى حياتها بعد سنوات من الصعوبات، وأدركت أن نجاحها لم يكن مرتبطًا بزواجها أو بالمركز أو بأي شخص آخر.

كانت بنت الريف التي تعرف تفاصيل حياتها البسيطة، وفي الوقت نفسه طبيبة ناجحة تساعد الآخرين.

ولم تعد ترى أي تناقض بين الأمرين.

أما مروان، فقد أحبها كما هي؛ بطموحها، وعنَادها، وتعبها، ونجاحها، وبساطتها.

أما عاصم، فقد كان جزءًا من مرحلة انتهت، لكنه ترك وراءه درسًا مهمًا.

أحيانًا لا يدرك الإنسان قيمة شخص أمامه إلا بعد أن يخسره، لكن حورية تعلمت ألا تنتظر اعتراف الآخرين بقيمتها.

فهي لم تعد بحاجة إلى من يخبرها أنها تستحق.

لقد عرفت ذلك بنفسها.

وفي النهاية، أدركت حورية أن أجمل انتصار لم يكن في أن يندم شخص من الماضي، ولا في أن تصبح طبيبة ناجحة، ولا حتى في أن تتزوج الرجل الذي أحبها.

بل كان في أنها أصبحت قادرة على النظر إلى نفسها بثقة، دون انتظار موافقة أي شخص.

**فالقيمة الحقيقية للإنسان لا يحددها رأي الآخرين، وإنما يحددها ما يراه في نفسه وما يقدمه لمن حوله.**

**تمت بحمد الله.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى