روايات وقصص

سيادة العقيد حكايات اسما السيد 2

سامح قال بصوت راجف: — عشان بنتك… ماتت وهي بتنقذ ملك. الجملة وقعت على نهى كأن حد ضربها في صدرها. فضلت واقفة مكانها ثواني، عينيها ثابتة على سامح، لكن ملامحها اتغيرت تمامًا. — إنت قلت إيه؟ سامح بلع ريقه. — الملازم سلمى… أنقذت بنتي يوم الحادث. نهى قربت منه خطوة. — حادث إيه؟ العربية المدرعة اتقلبت في طريق الرجوع من مأمورية. ده اللي موجود في التقرير… وده اللي اتقال لي.

 

سامح نزل عينه للأرض.

ملك شدت إيده أكتر.

نهى لاحظت خوفه.

والعقيد اللي جواها ظهرت للحظة بدل الأم.

قالت بصوت هادي… لكنه مخيف:

— بصلي يا سامح.

رفع عينه بالعافية.

— إنت عارف حاجة عن موت بنتي أنا معرفهاش؟

سامح ما ردش.

— سألتك سؤال.

ملك فجأة قالت:

— بابا… قول لها.

سامح بص لبنته بسرعة.

— ملك، اسكتي يا حبيبتي.

لكن الطفلة بدأت تعيط.

— قول لها يا بابا… طنط سلمى قالت ما نخافش.

نهى حسّت إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.

نزلت على ركبتها قدام ملك.

لأول مرة، صوت “نهى الحديد” اختفى تمامًا.

— ملك… بصيلي يا حبيبتي.

الطفلة رفعت عينيها الحمرا من العياط.

— إنتِ كنتِ تعرفي سلمى؟

ملك هزت راسها.

— أيوه.

نهى شهقت بهدوء.

— منين؟

ملك بصت لأبوها.

سامح مسح وشه بإيده وقال:

— أنا هحكيلك يا فندم… بس أوعديني إن بنتي ماتدخلش في أي تحقيق ولا تتسأل لوحدها.

نهى وقفت.

— احكي الأول.

سامح أخد نفس طويل.

وبص لقبر سلمى.

— يوم الحادث… أنا كنت شغال وردية ليل في مخزن تابع للمعسكر. أمي كانت تعبانة ومفيش حد يقعد مع ملك، فاضطريت آخدها معايا.

نهى عقدت حواجبها.

— دخلت طفلة منطقة عسكرية؟

— ما دخلتهاش جوه يا فندم. كانت قاعدة في غرفة الخدمات عند البوابة القديمة… بعيد عن الوحدات.

سكت لحظة، وبعدين كمل:

— الدنيا مطرت جامد الليلة دي. وفي آخر الوردية، حصل ماس كهربائي في غرفة الخدمات.

نهى بدأت تسمع وهي حابسة نفسها.

— ملك كانت جوا؟

هز سامح راسه.

— وأنا كنت في الناحية التانية من المخزن.

ملك بدأت تبكي أكتر.

سامح ضمها لصدره.

— الدخان ملا المكان… والباب الحديد علّق. الناس حاولت تفتحه، وأنا كنت بجري زي المجنون وبصرخ إن بنتي جوا.

نهى همست:

— وسلمى؟

سامح رفع عينه لها.

— بنتك كانت راجعة بالعربية مع زملائها.

سكت.

ثم قال:

— أول ما سمعت صريخ ملك… نزلت.

نهى حطت إيدها على فمها.

سامح كمل:

— الضابط اللي معاها قال لها تستنى الدفاع المدني، وإن المكان خطر.

صوت سامح اتكسر.

— لكنها سمعت ملك بتنادي: “بابا”.

ملك مسحت دموعها وقالت:

— طنط سلمى دخلتلي.

نهى بصت لها.

ملك كملت بصوت طفولي مرتعش:

— كنت مستخبية تحت الترابيزة… والدخان كان بيخليني مش شايفة حاجة.

نهى نزلت دمعة من عينها.

ملك قالت:

— هي شالتني… ولفت الجاكيت بتاعها حواليا.

سامح شهق وهو بيحاول يكمل بدل بنته:

— خرجت بيها من المكان… وسلمتهالي بإيديها.

نهى بصت ناحية اسم بنتها المحفور على الرخام.

— وبعدين؟

هنا سامح سكت.

ونهى عرفت إن الجزء الأسوأ لسه جاي.

— سامح… وبعدين إيه؟

قال:

— بعد ما سلمتني ملك… حصل انفجار صغير جوه غرفة الكهرباء.

نهى شهقت.

— وسلمى اتصابت؟

— أيوه… لكن الإصابة ما كانتش هي اللي قتلتها.

نهى لفّت له ببطء.

— يعني إيه؟

سامح تردد.

— العربية اللي كانت بتنقلها للمستشفى… هي اللي حصل لها الحادث.

نهى رمشت كذا مرة.

— لأ.

سامح سكت.

— لأ… التقرير بيقول إن سلمى كانت جوه العربية من البداية، وإنها توفت نتيجة انقلاب المدرعة أثناء المأمورية.

— التقرير ما قالش الحقيقة كاملة يا فندم.

نهى قربت منه لدرجة إنه رجع خطوة.

— وإنت عرفت منين؟

سامح مد إيده جوه الأوفرآل.

طلع محفظة قديمة.

ومنها أخرج كيس بلاستيك صغير مطوي بعناية.

فتحه.

كان جواه ميدالية عسكرية صغيرة وسلسلة رفيعة.

نهى أول ما شافتها…

ركبها خانتها.

— دي…

مدت إيدها المرتعشة.

— دي بتاعة سلمى.

سامح هز راسه.

— وقعت منها وهي بتسلمني ملك.

نهى مسكت الميدالية.

قلبتها.

على ظهرها كان محفور بخط صغير:

“ماما… قوتي منك.”

نهى قفلت عينيها.

وضمت الميدالية لصدرها.

ولأول مرة من يوم جنازة بنتها…

انهارت.

مش دمعتين في هدوء.

لأ.

قعدت على الأرض قدام القبر وعيطت بصوت أم فقدت آخر حاجة كانت ماسكة نفسها علشانها.

ملك سابت إيد أبوها.

وقربت من نهى.

وحطت إيدها الصغيرة على كتفها.

— ماتعيطيش يا خالتو.

نهى رفعت وشها لها.

ملك قالت:

— طنط سلمى قالتلي قبل ما تمشي: “خليكي شاطرة وماتخليش بابا يعيط.”

نهى شهقت.

ومدت دراعها.

ملك قربت منها.

نهى حضنتها.

حضنت الطفلة اللي كانت آخر إنسان سلمى أنقذته.

سامح لف وشه بعيد وهو بيعيط.

مر وقت طويل قبل ما نهى تهدى.

وبعدين رفعت رأسها وقالت:

— ليه ما جيتش قلتلي الكلام ده من زمان؟

سامح اتوتر.

— حاولت.

— إمتى؟

— بعد الجنازة بأسبوع.

نهى سكتت.

— رحت المعسكر وطلبت أقابلك. قالولي إنك مش موجودة.

— كنت موجودة.

سامح بص لها.

— رجعت تاني بعدها بكام يوم.

— وبعدين؟

— اتقال لي بالحرف… “الموضوع اتقفل، ومافيش داعي تفتح كلام يوجع أهل الضابطة.”

ملامح نهى اتجمدت.

— مين قالك كده؟

سامح نزل عينه.

— مش فاكر اسمه.

نهى عرفته من تردده.

— إنت فاكر.

سامح ما ردش.

— سامح… أنا مش بسأل دلوقتي بصفتي أم سلمى.

سكتت لحظة.

— أنا بسألك بصفتي عقيد في القوات المسلحة. مين منعك توصل لي؟

سامح بلع ريقه.

— يا فندم…

— اسمه.

رفع سامح عينه لها.

وقبل ما ينطق…

ملك مدت الورقة اللي كانت حطاها فوق القبر لنهى.

— دي كمان بتاعة طنط سلمى.

نهى بصت للورقة.

— إيه دي؟

قالت ملك:

— بابا لقيناها في الجاكيت اللي طنط سلمى لفّتني بيه.

سامح اتخض.

— ملك!

نهى خطفت عينيها ناحية سامح.

— جاكيت إيه؟

سامح وشه شحب.

— يا فندم، الورقة دي يمكن ملهاش علاقة…

نهى فتحتها.

كانت الورقة قديمة، أطرافها متأثرة بالمياه.

لكن الخط…

عرفته فورًا.

خط سلمى.

وفي أعلى الصفحة كان مكتوب:

“إلى العقيد نهى فوزي — شخصي وعاجل.”

إيد نهى بدأت ترتعش.

فتحت الورقة بالكامل.

قرأت أول سطر.

ثم رفعت عينيها لسامح بصدمة.

لأن بنتها كانت كاتبة قبل موتها بساعات:

“ماما… لو الورقة دي وصلتلك، يبقى غالبًا أنا ماقدرتش أقولك بنفسي. الحادث اللي بيحصل في الوحدة مش صدفة… وفي حد بيزوّر سجلات الصيانة.”

نهى حسّت الدم يهرب من وشها.

بصت لقبر بنتها.

ثم للورقة.

ثم لسامح.

وسألته بصوت بالكاد خرج:

— مين شاف الورقة دي غيرك؟

سامح قال:

— محدش.

وفجأة…

صوت عربية وقف عند مدخل المقابر.

سامح بص وراه.

ملامحه اتغيرت.

ملك مسكت هدوم أبوها بخوف.

نهى لاحظت.

— مالك؟

سامح همس:

— العربية دي…

— فيها إيه؟

سامح بص لها والرعب واضح في عينيه.

— دي نفس العربية اللي بشوفها كل مرة بنيجي نزور قبر بنتك.

نهى وقفت ببطء.

رجعت “نهى الحديد” في ثانية.

طوت رسالة سلمى وحطتها جوه جيبها.

ومسحت دموعها.

— خد ملك… وخليك ورايا.

سامح همس:

— يا فندم، إحنا نمشي أحسن.

نهى بصت ناحية العربية السودا الواقفة بعيد.

وقالت بهدوء مخيف:

— لأ يا سامح.

إيدها شدت على الميدالية اللي كانت بتاعة بنتها.

— أنا فضلت سنة كاملة فاكرة إن بنتي ماتت في حادث.

ورفعت عينيها للعربية.

— دلوقتي عايزة أعرف… هي ماتت فعلًا في حادث؟

يتبع…

الفصل الثالث — العربية السودا

نهى فضلت واقفة قدام قبر بنتها، عينيها على العربية السودا اللي ركنت بعيد.

سامح كان وراها، ماسك ملك من إيدها.

قال بصوت واطي:

— يا فندم… دي تالت مرة أشوف العربية دي.

نهى ما بصتلوش.

— إمتى شوفتها قبل كده؟

— أول مرة من حوالي شهر. وتاني مرة الأسبوع اللي فات… كل ما نيجي هنا، تقف شوية وتمشي.

نهى مدت إيدها.

— هات موبايلك.

سامح ادهولها.

فتحت الكاميرا، كبرت الصورة، وصورت رقم العربية.

وبعدها رجعتهوله.

— خد ملك وامشوا من الناحية التانية.

سامح اتوتر:

— وأسيبك؟

نهى بصتله بنظرة حاسمة.

— دي مش مناقشة.

ملك فجأة شدت إيد نهى.

— خالتو…

نهى نزلت بعينيها لها.

— نعم يا حبيبتي؟

— خلي بالك من نفسك… طنط سلمى راحت ومارجعتش.

الجملة كسرتها.

لكنها ابتسمت للطفلة بالعافية.

— متخافيش… هرجع.

سامح أخد ملك ومشي.

بعد ثواني، باب العربية السودا اتفتح.

نزل منها راجل في أواخر الأربعينات.

نهى عرفته فورًا.

المقدم شريف علام.

كان مسؤولًا وقت الحادث عن جزء من صيانة مركبات الوحدة.

قرب منها بابتسامة متوترة.

— نهى هانم… صدفة غريبة.

نهى ردت بهدوء:

— غريبة فعلًا.

— جيتي تزوري سلمى؟

— وإنت؟

سكت.

ثم قال:

— كنت معدّي.

نهى بصت حواليها.

— معدّي وسط المقابر؟

ابتسامته اختفت.

عينه راحت للحظة ناحية جيب نهى.

الجيب اللي حطت فيه رسالة سلمى.

نهى لاحظت.

قال شريف:

— الراجل اللي كان واقف معاكي ده… قالك حاجة؟

نهى رفعت حاجبها.

— المفروض يقول لي إيه؟

شريف اتلخبط.

— ولا حاجة… بس هو كان عامل مشاكل بعد الحادث.

وهنا نهى فهمت.

سامح ما قالش اسم الشخص اللي منعه يوصل لها.

لكن الشخص جه بنفسه.

قالت:

— شريف… إنت كنت تعرف إن سامح بيزور قبر سلمى؟

وشه شحب.

— لأ.

— غريبة.

قربت منه.

— لأني ما قلتلكش اسمه سامح.

شريف اتجمد.

ثانيتين كانوا كفاية.

نهى قالت:

— شكرًا.

— على إيه؟

— إنك جاوبتني من غير ما أسألك.

ولفت علشان تمشي.

صوته جه من وراها:

— نهى!

وقفت.

— بعض الأبواب لما تتقفل… الأحسن تفضل مقفولة.

لفت له.

نظرتها كانت باردة.

— دي نصيحة؟

— اعتبريها كده.

نهى قربت منه.

— وأنا عندي نصيحة ليك.

— إيه؟

— لو ليك علاقة بموت بنتي…

سكتت لحظة.

— ماتحاولش تهرب.

ومشيت.

الفصل الرابع — آخر رسالة من سلمى

نهى ما رجعتش بيتها.

راحت مباشرة لمكتبها.

قفلت الباب.

طلعت رسالة سلمى.

وفردتها على المكتب.

كانت أجزاء منها باهتة، لكن معظم الكلام مقروء.

بدأت تقرأ:

“ماما، أنا عارفة إنك علمتيني ما أتهمش حد من غير دليل. علشان كده سكت الفترة اللي فاتت.”

نهى حطت إيدها على بقها.

كملت.

“في اختلاف بين قطع الغيار اللي بتدخل المخازن والقطع اللي بتركب فعلًا في بعض العربيات. على الورق أصلية وجديدة، لكن اللي شوفته بعيني أقل جودة.”

نهى قلبها دق أسرع.

السطر التالي كان أخطر:

“راجعت عربية النقل رقم 17 بنفسي. تقرير الصيانة بيقول إن نظام الفرامل اتغير بالكامل، لكن ده مش صحيح.”

عربية رقم 17.

نهى فتحت ملف الحادث الإلكتروني.

وبحثت.

تجمدت.

العربية اللي ماتت فيها سلمى…

رقم 17.

همست:

— يا بنتي…

كملت الرسالة:

“بلغت المقدم شريف علام إني هرفع الموضوع رسمي. طلب مني أستنى لبكرة. أنا مش مرتاحة.”

نهى قفلت عينيها.

الصورة اكتملت.

لكن كان ناقصها دليل.

خطاب سلمى وحده مش كفاية.

وفي اللحظة دي…

افتكرت جملة سامح:

“الجاكيت اللي طنط سلمى لفّت ملك بيه.”

مسكت التليفون واتصلت بيه.

— سامح… الجاكيت فين؟

— عندي يا فندم.

— ماتلمسوش. أنا جاية.

بعد ساعة كانت في بيته الصغير.

ملك نايمة.

سامح طلع صندوق قديم من فوق الدولاب.

فتحوه.

الجاكيت كان جوه.

نهى مسكته كأنها بتحضن بنتها.

ريحة الزمن والتراب كانت فيه…

لكن بالنسبة لها كان آخر شيء سلمى لبسته.

فتشت الجيوب.

الأول فاضي.

الثاني…

مفتاح صغير.

سامح قال:

— أول مرة أشوفه.

نهى قلبته.

كان عليه رقم:

214

نهى عرفته.

رقم خزنة صغيرة في غرفة تبديل الضباط.

الخزنة الخاصة بسلمى.

الفصل الخامس — الخزنة 214

الصبح، نهى دخلت المعسكر رسميًا.

طلبت فتح الخزنة بحضور مسؤول مختص.

جوه الخزنة…

ماكانش فيه فلوس.

ولا مجوهرات.

كان فيه فلاشة.

ودفتر صغير.

نهى أول ما شافت الدفتر عرفت إن بنتها كانت بتسجل كل حاجة.

تواريخ.

أرقام عربيات.

أرقام أوامر توريد.

وفروق بين قطع الغيار المسجلة والموجودة فعليًا.

لكن المفاجأة كانت في الفلاشة.

صور.

فواتير.

نسخ من تقارير صيانة.

وتسجيل صوتي.

ضغطت نهى تشغيل.

وصوت سلمى ملأ المكتب.

صوت بنتها.

لأول مرة من سنة كاملة.

— بتاريخ 14 يناير… تأكدت إن توقيعي اتضاف على استلام قطع غيار أنا ما استلمتهاش. أبلغت المقدم شريف علام، لكنه طلب مني أسكت لحد ما يراجع الموضوع. لو حصل لي أي حاجة، البيانات موجودة في الخزنة.

نهى وقفت التسجيل.

ماقدرتش تكمل.

قعدت على الكرسي.

وبكت.

لكن المرة دي…

ماكانتش دموع أم بس.

كانت دموع أم عرفت إن بنتها، حتى وهي خايفة، حاولت تعمل الصح.

نهى سلمت كل ما وجدته للجهات المختصة رسميًا.

ومن اللحظة دي، الموضوع خرج من إيدها كأم…

وبقى تحقيقًا كاملًا.

تم التحفظ على المستندات.

ومراجعة أوامر التوريد والصيانة.

والنتيجة كشفت شبكة تلاعب مالي وإداري أكبر مما توقعت.

قطع غيار مسجلة بأسعار ومواصفات معينة…

وفي بعض الحالات تم توريد بدائل أقل جودة، مع تزوير مستندات لإخفاء الفروق.

وشريف كان واحدًا من المتورطين.

لكن التحقيق كشف حقيقة مهمة:

محدش قتل سلمى عمدًا.

محدش دبّر الحادث علشان يسكتها.

الحقيقة كانت أبشع بطريقتها.

العربية رقم 17 كانت واحدة من العربيات اللي حذرت سلمى من صيانتها.

وفي الليلة نفسها…

اضطروا يستخدموها لنقلها بسرعة للمستشفى بعد إصابتها وهي بتنقذ ملك.

وفي الطريق المبتل…

فشل جزء حيوي في نظام الفرامل.

السائق حاول يسيطر عليها.

ماقدرش.

العربية انقلبت.

وسلمى ماتت.

نهى لما قرأت التقرير النهائي…

قعدت ساعات من غير ما تتكلم.

بنتها ماتت في عربية…

كانت هي نفسها بتحاول تمنع الكارثة اللي فيها.

الفصل السادس — المواجهة

بعد أسابيع، شافت نهى شريف للمرة الأخيرة أثناء سير الإجراءات الرسمية.

كان واقف قدامها، ملامحه مختلفة تمامًا.

قال:

— والله ما كنت عايز سلمى تموت.

نهى فضلت ساكتة.

— أنا غلطت… لكن ما قتلتهاش.

نهى ردت:

— فعلًا.

شريف رفع عينه لها.

قالت:

— إنت ما مسكتش سلاح وقتلت بنتي.

سكتت لحظة.

— إنت عملت حاجة أخطر… عرفت إن فيه خطر وسكت.

— كنت هصلح الموضوع.

— إمتى؟ بعد ما كام عربية تتقلب؟

نزل عينه.

نهى قربت منه.

— عارف آخر حاجة بنتي عملتها قبل ما تركب العربية؟

ما ردش.

— دخلت وسط الدخان علشان تنقذ طفلة ما تعرفهاش.

دموعها لمعت.

— وإنت كنت مستعد تعرض ناس ما تعرفهمش للخطر علشان تحمي نفسك.

شريف ماعرفش يرد.

نهى قالت:

— الفرق بينكم مش الرتبة يا شريف.

ثم مشت.

— الفرق في الضمير.

الفصل السابع — البنت التي أعادتها للحياة

مرت شهور.

سامح كان فاكر إن بعد انتهاء التحقيق، نهى مش هتشوفهم تاني.

لكن صباح يوم جمعة…

خبط الباب.

فتح.

لقى نهى واقفة.

من غير زي عسكري.

لابسة هدوم بسيطة.

وفي إيدها شنطة كبيرة.

ملك جريت عليها.

— خالتو نهى!

نهى فتحت دراعها.

والطفلة رمت نفسها في حضنها.

سامح ابتسم.

— اتفضلي يا فندم.

نهى بصتله.

— أولًا، بلاش يا فندم دي.

ضحك سامح لأول مرة قدامها.

— حاضر.

ملك شدت الشنطة.

— جايبة إيه؟

نهى قالت:

— افتحي.

ملك فتحتها.

كتب.

ألوان.

شنطة مدرسة جديدة.

وحذاء.

ملك فرحت.

لكن سامح اتوتر.

— والله ما كان له لزوم…

نهى قاطعته:

— سامح، أنا مش بتصدق عليكم.

— عارف، بس…

نهى بصت لملك.

— سلمى دفعت حياتها علشان البنت دي تعيش.

سكتت.

— وأنا مش هحاول أخد مكان أمها… ولا مكان أبوها.

بصتله.

— لكن لو تسمحلي… نفسي أفضل موجودة في حياتها.

سامح عينه دمعت.

— ده شرف لينا.

نهى ابتسمت.

لكن سامح قال:

— وأنا كمان عندي حاجة ليكي.

دخل الأوضة.

رجع بظرف.

— إيه ده؟

— ملك كتبته.

نهى فتحته.

كان فيه رسمة.

ست طويلة لابسة زي عسكري.

جنبها بنت صغيرة.

وفوقهم بنت تانية بجناحين.

وتحت الرسمة مكتوب بخط طفولي:

“طنط سلمى في السما، وخالتو نهى معايا على الأرض.”

نهى ماقدرتش تمنع دموعها.

ملك سألت:

— وحشة؟

نهى نزلت على ركبتها وحضنتها.

— دي أجمل صورة شوفتها في حياتي.

الفصل الأخير — الورد البري

بعد سنة كاملة…

كانت نهى ماشية في نفس طريق المقابر.

لكن المرة دي ماكانتش لوحدها.

ملك ماشية جنبها.

وسامح وراهم شايل باقة ورد.

وصلوا للقبر.

الملازم الأولى سلمى نهى فوزي.

ملك حطت الورد.

لكنها المرة دي ما قالتش:

“آسفة يا طنط سلمى.”

قالت:

— أنا جيت أقولك إني طلعت الأولى في المدرسة.

نهى ضحكت وسط دموعها.

ملك كملت:

— وخالتو نهى هي اللي ذاكرتلي الحساب… بس هي عصبية شوية.

سامح ضحك.

حتى نهى ضحكت.

وبعد لحظات، سامح وملك بعدوا شوية وسابوها لوحدها.

نهى قعدت قدام القبر.

مررت صوابعها على اسم بنتها.

— فاكرة يا سلمى لما كنتِ صغيرة وكنت بخاف عليكي من كل حاجة؟

ابتسمت بحزن.

— كنت فاكرة إن قوتي هتخليني أحميكي طول العمر.

سكتت.

— طلع إنك إنتِ اللي كنتِ أقوى مني.

طلعت الميدالية من جيبها.

نفس الميدالية:

“ماما… قوتي منك.”

نهى ضمتها في إيدها.

— لأ يا سلمى.

دمعة نزلت على خدها.

— قوتي دلوقتي منك إنتِ.

قامت.

وقبل ما تمشي، بصت للقبر للمرة الأخيرة.

— أنا مش هقولك وداعًا.

ابتسمت.

— لأن البنت اللي أنقذتيها… كل مرة تضحك فيها، بحس إن جزء منك لسه عايش.

رجعت ناحية ملك.

الطفلة مدت إيدها تلقائيًا.

نهى مسكتها.

ومشي التلاتة وسط صفوف القبور.

لأول مرة من يوم وفاة سلمى…

نهى ما خرجتش من المقابر وهي حاسة إنها سايبة بنتها وراها.

خرجت وهي فاهمة إن بعض الناس بيموتوا…

لكن آخر موقف عملوه في حياتهم يفضل عايش سنين بعدهم.

سلمى أنقذت ملك مرة من الدخان.

لكن من غير ما تعرف…

ملك أنقذت أم سلمى بعد سنة كاملة من الحزن.

النهاية

إهداء:

لكل أم فقدت جزءًا من قلبها وظنت أن الحياة انتهت…

بعض الغائبين لا يعودون، لكن أثرهم قد يطرق بابنا في صورة إنسان يحتاج حبنا.

وأحيانًا…

الشخص الذي ننقذه اليوم، يكون هو نفسه من يعيدنا للحياة غدًا.

الكاتبة أسما السيد

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى